إباء منذر: كيف تحوّل الراب إلى حكاية بصرية من الجولان؟
إباء منذر.. صوت فني يقترب من الدراما بقدر ما يقترب من الموسيقى
تعود الفنانة السورية إباء منذر إلى الواجهة عبر ظهورها في حلقة من برنامج «ثقافة» الذي تقدمه الإعلامية ليانا صالح، في إطلالة تعيد تسليط الضوء على واحدة من التجارب الفنية العربية التي تمزج بين الأداء الموسيقي، والسرد البصري، والاشتباك المباشر مع أسئلة الهوية والواقع السياسي. وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة لقراء قسم السينما والدراما، لأن مشروع منذر لا يُقرأ بوصفه أغنيات فقط، بل بوصفه بناءً أدائياً قائماً على الصورة والحكاية والتمثيل داخل العمل الفني.
الملفت في حضور إباء منذر أن انطلاقها من مجدل شمس في الجولان السوري المحتل لم يبق مجرد خلفية جغرافية، بل تحول إلى عنصر أساسي في تكوين عالمها الفني. ووفق السيرة المنشورة عنها لدى Jafra Productions، فقد بدأت علاقتها بالموسيقى والغناء في سن مبكرة، وتعلمت البيانو والأداء المسرحي، قبل أن تدفعها دراستها الجامعية في المسرح وفنون الأداء إلى التعامل مع الأغنية باعتبارها قطعة أدائية متكاملة، لا مجرد لحن وكلمات.
من الراب إلى الأداء البصري: لماذا يهم هذا المشهد جمهور الدراما؟
في السنوات الأخيرة، لم يعد الفصل حاداً بين الأغنية المصورة والعمل الأدائي القصير، خصوصاً في تجارب الفنانين القادمين من الهامش الجغرافي والسياسي. وهنا تحديداً تبدو تجربة إباء منذر لافتة؛ فهي تستخدم الراب بوصفه أداة تعبير معاصرة، لكنها تسنده بعناصر من الموروث الشعبي، سواء في الإيقاع أو في الذاكرة الشفوية أو في الاشتغال على صورة المرأة والأرض والبيت والحدود. هذه العناصر تمنح أعمالها طابعاً قريباً من المشهد الدرامي المكثف، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بمثل هذه النماذج لدى جمهور الثقافة البصرية، وليس جمهور الموسيقى فقط.
السيرة نفسها تشير إلى أن إباء تصف نفسها بأنها «فتاة الجبل التي تغني راب»، وأن الجبل في أعمالها ليس مجرد مكان، بل ذاكرة وهوية وانتماء. كما توضح أن أغنياتها تستعيد أغاني البساتين والفولكلور الشعبي وأغنيات الاحتجاج، لتعيد إنتاجها بصياغة حديثة. ومن بين الأعمال المشار إليها في السيرة أغنية «Mansi» التي طرحتها عام 2017، وناقشت فيها أسئلة الهوية السورية-الفلسطينية في واقع الاحتلال، ثم أغنية «Lamma Nmoot» التي اقتربت من موضوع السفر والحدود.
التراث هنا ليس زينة.. بل مادة درامية
ما يميز مشروع إباء منذر أن استدعاء الموروث الشعبي لا يأتي في صورة حنين سطحي أو مجرد اقتباس لحني، بل كجزء من كتابة معاصرة تحاور الحاضر. فحين تعود إلى الهتافات والأهازيج والأغاني المتداولة في الأفراح والمظاهرات والحقول، فهي تضعها داخل سياق جديد يسمح بقراءتها كوثيقة ذاكرة، وكعنصر أداء حي في الوقت نفسه. هذا البعد ظهر أيضاً في مشروعها الصوتي «دقة قديمة»، وهو عمل منشور عبر Radio Atheer على ساوندكلاود، ويتكون من ثلاث حلقات تتتبع الأغاني والأهازيج والهتافات في فلسطين، وعلى وجه التحديد في الجولان السوري المحتل، مع مزجها بالموسيقى البديلة والهيب هوب. وقد نُشر هذا المشروع في 12 يونيو/حزيران 2023.
بالنسبة للقارئ المصري، قد تبدو هذه المقاربة قريبة من تجارب عربية أخرى أعادت توظيف التراث داخل قوالب حديثة، لكن خصوصية إباء منذر تكمن في أنها لا تقدم هذا المزج بوصفه موضة فنية، بل بوصفه امتداداً لتجربة معيشة. ومن هنا تكتسب أغانيها حساً أدائياً يمكن أن يتحول بسهولة إلى مادة صالحة للمسرح، أو للفيلم القصير، أو حتى لوثائقي موسيقي يشتبك مع المكان والهوية.
الجولان كخلفية سردية: من المكان إلى الشخصية
واحدة من أبرز نقاط القوة في أعمال إباء منذر هي أن الجولان لا يظهر فيها كخريطة سياسية مجردة، بل كشخصية حاضرة داخل النص والصوت والصورة. السيرة المنشورة عنها تؤكد أن تأثير البيئة المحيطة بها — من أغاني البساتين والفولكلور وموسيقى الاحتجاج — بقي ملازماً لها، وهو ما انعكس في توجهها إلى بناء أسلوب موسيقي خاص يعيد تقديم تلك المادة الشعبية بصوت معاصر. كما تشير إلى أن أغنية «Ghabeshe» تأثرت بالهبة الشعبية التي شهدتها فلسطين والجولان المحتل في مايو/أيار 2021.
هذا التكوين يجعل من منذر حالة فنية قريبة من مفاهيم الدراما التسجيلية، حتى عندما تعمل داخل أغنية قصيرة. فهي تستند إلى وقائع وذاكرة جمعية وحدود قسرية، لكنها تعيد صياغة ذلك عبر أداء شخصي يحمل طابع الاعتراف والاحتجاج في آن واحد. ولهذا السبب، فإن متابعتها تهم أيضاً المهتمين بتطور لغة الصورة في الأغنية العربية، لا سيما مع اتساع مساحة الأعمال الهجينة بين الموسيقى والسينما وفنون الأداء.
أغنية «رفيق».. نموذج للتشابك بين الحب والمقاومة
من الأعمال التي تساعد على فهم عالمها الفني أغنية «Rafiq» أو «رفيق»، التي تعرضها السيرة كاستدعاء لأغنية مقاومة شعبية وأخرى عاطفية في الوقت نفسه. وبحسب الوصف المنشور، فإن الأغنية تقدم امرأة تعيش في مساحة بين الحب والحرب، وتعكس تجربة الفنانة في وطن واقع تحت الاحتلال، حيث تتقاطع المقاومة مع البحث عن شريك في النضال والحياة. كما أن المفارقة الأساسية فيها تكمن في تقديم كلمات يغلّفها الحزن عبر لحن مبهج نسبياً، بما يعكس حالة التعايش اليومي بين القسوة والرغبة في الحياة.
هذه التركيبة الدرامية في بناء الأغنية — صراع داخلي، سياق سياسي، وتوتر بين الإيقاع والنص — هي بالضبط ما يجعل تجربة إباء منذر قابلة للقراءة من منظور سينمائي ودرامي. فالأغنية هنا لا تُبنى على المباشرة وحدها، بل على شخصية وحدث ومفارقة، وهي عناصر أساسية في أي سرد بصري ناجح.
حضور رقمي محدود لكن دال
على مستوى المنصات الموسيقية، تظهر إباء منذر باسم إباء منذر/أني على أنغامي، وهي صفحة كانت تضم وقت رصدها 225 متابعاً ونحو 9.8 ألف استماع. ورغم أن هذه الأرقام لا تقارن بنجوم البوب التجاري، فإنها تعكس طبيعة المشروع نفسه: تجربة بديلة تتقدم ببطء، لكنها تراكم حضورها عبر النوعية والخصوصية لا عبر الانتشار الاستهلاكي السريع.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أننا لم نتمكن من التحقق بشكل مستقل من حساب إنستغرام رسمي موثق للفنانة عبر نتائج البحث المتاحة، ولذلك لم ندرج أي اسم مستخدم تجنباً لنشر معلومات غير مؤكدة.
لماذا تستحق إباء منذر المتابعة الآن؟
- لأنها تقدم الراب بوصفه أداءً بصرياً يقترب من المسرح والفيلم القصير.
- لأنها تعيد قراءة التراث الشعبي من داخل أسئلة الحاضر، لا من باب الزخرفة الفولكلورية.
- لأن الجولان في أعمالها ليس موضوعاً سياسياً فقط، بل فضاء درامي حي.
- ولأن صوتها النسائي يضيف زاوية مختلفة إلى مشهد الراب العربي المرتبط غالباً بأصوات ذكورية.
في المحصلة، تبدو إباء منذر واحدة من الأسماء التي تستحق اهتماماً أكبر داخل التغطية العربية للثقافة البصرية والموسيقى البديلة. فمشروعها، الخارج من الجولان السوري المحتل، يلتقط تفاصيل الهوية والذاكرة والحدود، ثم يحولها إلى مادة فنية تتجاوز مكان المنشأ إلى أسئلة أوسع تخص المنطقة كلها. وبالنسبة للمتابع المصري، فإن قيمة هذه التجربة لا تكمن فقط في موضوعها السياسي، بل في قدرتها على تقديم أغنية تُرى بقدر ما تُسمع؛ وهذا تحديداً ما يجعلها أقرب إلى روح السينما والدراما المعاصرة.