«أرشيف المرأة اليمنية».. حين يصير الفن ذاكرة للنساء
«أرشيف المرأة اليمنية».. مشروع ثقافي يعيد كتابة الذاكرة من منظور النساء
في لحظة يثقل فيها النزاع المستمر في اليمن حياة ملايين النساء، تبرز مبادرات ثقافية تحاول أن تنقذ ما قد يضيع بين الحرب والمنفى والنسيان. من بين هذه المبادرات يأتي «أرشيف المرأة اليمنية»، وهو مشروع تأسس في 2022 بمبادرة من الشاعرة والباحثة اليمنية سبأ حمزة (@Saba_Hamzah على إنستغرام) بالتعاون مع الفنانة التشكيلية والكاتبة جهاد جار الله، بهدف جمع وحفظ قصص النساء اليمنيات وتجاربهن داخل اليمن وفي الشتات، مع توسيع معنى الأرشفة ليشمل الأدب والفنون البصرية والشهادات الشخصية واليوميات والصور.
المبادرة لا تتعامل مع الأرشيف بوصفه مجرد مخزن للوثائق، بل كمساحة حية لإنتاج المعرفة من منظور نسوي، خصوصًا في بلد لا تزال فيه الروايات الرسمية والسياسية تطغى على السرديات الفردية واليومية. وفي هذا الإطار، تبدو الكتابة الإبداعية والقصيدة والعمل البصري أدوات موازية للتاريخ، تلتقط ما لا تقوله التقارير والبيانات الجامدة.
منصة عابرة للحدود منذ انطلاقها في 2022
وفق المعلومات المتاحة عن المشروع، انطلق «أرشيف المرأة اليمنية» في أكتوبر/تشرين الأول 2022، ليكون منصة ثنائية اللغة تُعنى بتوثيق خبرات اليمنيات في الداخل والمهجر، وتقديمها من خلال أشكال متعددة من السرد والأرشفة. وتشير مواد منشورة عن المبادرة إلى أنها تهتم بجمع القصص الشخصية، والمقابلات الشفوية، والرسائل، واليوميات، إلى جانب الأعمال الفنية والكتابة الإبداعية، بما يسمح ببناء ذاكرة أكثر اتساعًا ومرونة من الأرشيف التقليدي.
هذا التصور يكتسب أهمية مضاعفة في الحالة اليمنية؛ فسنوات الحرب الطويلة، والانقسام السياسي، والنزوح، والهجرة، كلها عوامل جعلت حفظ الذاكرة مهمة ملحّة، لا سيما حين يتعلق الأمر بأصوات النساء التي غالبًا ما تُدفع إلى الهامش. وتفيد تغطيات ثقافية للمشروع بأن القائمات عليه يردنه أيضًا حركة فكرية تعيد تعريف معنى الأرشفة في زمن الحرب والمنفى، وليس مجرد موقع يجمع المواد ويعرضها.
سبأ حمزة: شاعرة وباحثة تعمل بين الأدب والعدالة المعرفية
تُعرف سبأ حمزة بأنها شاعرة وباحثة ومربية يمنية تقيم في هولندا، وتركز أعمالها على تقاطعات الذاكرة وإنتاج المعرفة والعدالة الاجتماعية والنسوية. كما صدر لها ديوانان شعريان، هما «تراتيل عذراء» عام 2012 و«حصتنا من السماء» عام 2021. وتظهر سيرتها المهنية أيضًا اهتمامًا واضحًا بالأساليب التربوية البديلة والبحث الفني، وهو ما يفسر حضور الأدب والفن في صلب «أرشيف المرأة اليمنية» لا على هامشه.
ومن خلال هذا المشروع، تتحول القصيدة أو اللوحة أو الشهادة الصوتية إلى مادة تحفظ التجربة الإنسانية نفسها، لا مجرد خبر عنها. هذه النقلة مهمة للقارئ العربي عمومًا، وللقارئ المصري خصوصًا، لأنها تقدم نموذجًا مختلفًا لفهم الثقافة اليمنية المعاصرة: ثقافة لا تُختزل في مشاهد الحرب، بل تُرى كذلك من خلال قدرة النساء على إنتاج المعنى وتسجيل الحياة اليومية ومقاومة المحو.
لماذا تبدو هذه المبادرة ضرورية الآن؟
أهمية المشروع لا تنفصل عن الواقع الإنساني الصعب في اليمن. فبحسب UNFPA، يحتاج نحو 19.5 مليون شخص في اليمن خلال 2025 إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية، بينما تتعرض النساء والفتيات لأثر غير متناسب من الأزمة. وتشير البيانات نفسها إلى أن 6.2 مليون امرأة وفتاة معرضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وأن ما يزيد على 90% من المناطق الريفية تفتقر إلى الخدمات اللازمة للاستجابة لهذه الانتهاكات والوقاية منها. كما أن قرابة 80% من بين 4.8 مليون نازح داخليًا في اليمن هن من النساء والفتيات.
وفي تقارير أخرى، تؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن برنامجها في اليمن للفترة 2025-2026 يركز على ثلاثة مسارات رئيسية: قيادة النساء في بناء السلام، والحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، والتمكين الاقتصادي. هذه الصورة تفسر لماذا لا يبدو توثيق حياة النساء ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة سياسية ومعرفية وإنسانية في آن واحد.
الأدب والفنون البصرية كوثائق موازية
ما يميز «أرشيف المرأة اليمنية» أنه لا يفصل بين التوثيق والإبداع. فبدلًا من الاكتفاء بالسجلات الرسمية، يمنح مساحة للفنون البصرية والكتابة الإبداعية بوصفهما شكلين من أشكال الأرشفة. وهذه فكرة تحمل بعدًا عربيًا أوسع؛ إذ تعيد الاعتبار لما يمكن أن تفعله الثقافة حين تعجز المؤسسات أو تتأخر. القصيدة هنا ليست تعليقًا على الحدث فقط، بل أثرًا من آثاره. واللوحة ليست تزيينًا للسرد، بل جزءًا من صنعه.
ومن بين الأنشطة المرتبطة بالمبادرة، برز مشروع «جدارية هنّ»، كما ظهرت أيضًا فعالية «أرشيف شتات هنّ» بالتعاون مع متحف العالم في روتردام خلال 2025، وهي فعالية ركزت على الذاكرة النسائية في الشتات وقدّمت مواد أرشيفية وشعرية وفنية في سياق حوار ثقافي عابر للحدود. هذا الامتداد الدولي يوضح أن السردية اليمنية النسائية لم تعد محصورة جغرافيًا داخل البلاد، بل باتت تتشكل كذلك في فضاءات اللجوء والهجرة والتعليم والعمل الثقافي في الخارج.
ما الذي يضيفه المشروع للمشهد العربي؟
بالنسبة إلى جمهور «فن عربي» في مصر، يلفت هذا المشروع الانتباه إلى مسار ثقافي عربي يتقدم خارج دوائر الإنتاج التجاري المعتادة. فهنا لا نتحدث عن معرض فني منفصل عن الواقع، ولا عن ندوة نخبوية معزولة، بل عن مبادرة تربط الفن بالتاريخ الاجتماعي، وتربط الشعر بالأرشيف، وتربط الذاكرة الشخصية بالذاكرة الجماعية.
كما أن التجربة اليمنية في هذا السياق تحمل خصوصية كبيرة؛ فهي تأتي من بلد يعرف واحدًا من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في المنطقة، ومع ذلك لا تزال فيه أصوات نسائية تصنع المعرفة وتبتكر أدواتها الخاصة للحفظ والتعبير. وهذا ما يمنح «أرشيف المرأة اليمنية» وزنه الحقيقي: أنه لا يوثق المعاناة فقط، بل يوثق أيضًا القدرة على البقاء والكتابة والتخيّل.
بين الحرب والذاكرة.. من يروي الحكاية؟
السؤال الذي يطرحه المشروع، بصورة غير مباشرة، هو: من يملك حق كتابة التاريخ؟ في الحالات التي تُهمش فيها أصوات النساء، يصبح الأرشيف النسوي وسيلة لاستعادة هذا الحق. وحين يُكتب التاريخ من اليوميات والشهادات والقصائد والصور، تتسع الصورة، ويصبح المجتمع مرئيًا بطريقة أكثر عدلًا.
لهذا تبدو مبادرة «أرشيف المرأة اليمنية» أكثر من مجرد منصة ثقافية؛ إنها محاولة جادة لحفظ تاريخ اجتماعي موازي، تكتبه النساء بأنفسهن، بلغتهن، ومن مواقعهن المختلفة بين اليمن والشتات. وفي زمن عربي تتزاحم فيه الأخبار العاجلة وتضيع التفاصيل الإنسانية سريعًا، يذكّرنا هذا النوع من المشاريع بأن الثقافة قد تكون أحيانًا آخر خط دفاع ضد النسيان.
- تأسيس المبادرة: 2022
- المؤسستان: سبأ حمزة وجهاد جار الله
- مجال العمل: توثيق تجارب النساء اليمنيات عبر الشهادات والكتابة والفنون
- النطاق: اليمن والشتات
- الأهمية الراهنة: حفظ الذاكرة النسائية في ظل حرب ونزوح وأزمة إنسانية ممتدة