أزمة أصالة تعيد "زوروني كل سنة مرة" إلى الواجهة
أزمة أصالة تُشعل النقاش حول واحدة من أيقونات الغناء العربي
عاد اسم المطربة السورية أصالة إلى صدارة النقاش الفني في مصر والمنطقة العربية، بعد الجدل الذي أُثير إثر تقديمها أغنية "على روض الحبيب" خلال حفل في دمشق، مع الإشارة إلى أن اللحن من التراث السوري. هذا التوصيف فتح باباً واسعاً للاعتراض في الأوساط الفنية المصرية، لأن كثيرين رأوا أن البنية اللحنية تعيد إلى الأذهان بوضوح أغنية "زوروني كل سنة مرة" المنسوبة تاريخياً إلى الموسيقار المصري سيد درويش، أحد أبرز رموز التجديد في الموسيقى العربية.
وبالنسبة للقارئ المصري، فالقضية هنا لا تتعلق بمجرد تشابه عابر بين لحنين، بل تمس عملاً يُنظر إليه باعتباره جزءاً أصيلاً من الذاكرة الموسيقية المصرية، وواحداً من الأغاني التي ارتبطت باسم فنان الشعب سيد درويش، الذي وثّقته الجهات الرسمية المصرية بوصفه صاحب عشرات الأدوار والموشحات والطقطوقات، ومن بينها "زوروني كل سنة مرة".
ماذا قالت الجهات الفنية في مصر؟
الرد الأبرز جاء من جمعية المؤلفين والملحنين والناشرين المصرية، التي أكدت في بيان تناولته وسائل إعلام مصرية يوم 21 سبتمبر 2026 أن أغنية "زوروني كل سنة مرة" موثقة ومسجلة رسمياً باسم سيد درويش، وأن ما طُرح تحت مسمى التراث السوري يتقاطع، بحسب القراءة الموسيقية التي استندت إليها الجمعية، مع اللحن المعروف للأغنية المصرية الشهيرة. كما شددت الجمعية على أن إعلان النسبة إلى التراث السوري يحمّل صاحبه مسؤولية مهنية في التثبت من المعلومة قبل طرحها على الجمهور.
الجدل لم يتوقف عند هذا الحد، إذ ظهرت أيضاً مواقف متباينة داخل محيط ورثة سيد درويش. فبحسب تغطية صحفية مصرية نُشرت في 20 سبتمبر 2026، صدرت تصريحات متعارضة بشأن مدى التشابه بين العملين، ما أضاف طبقة جديدة من الجدل القانوني والفني حول من يملك حق الحديث باسم التراث الفني للموسيقار الراحل، ومن يملك الحسم في مسألة التطابق الموسيقي: الورثة أم اللجان الفنية المتخصصة.
القصة الأصلية لأغنية "زوروني كل سنة مرة"
بعيداً عن سجال الأيام الأخيرة، فإن تاريخ الأغنية نفسها يكشف لماذا بقيت حاضرة في الوجدان المصري حتى الآن. مصادر مصرية رسمية وصحفية تتفق على أن سيد درويش، المولود عام 1892 والمتوفى في 15 سبتمبر 1923، كان قد رسخ مكانته بوصفه مجدد الموسيقى المصرية، وأن "زوروني كل سنة مرة" من أشهر الطقاطيق المرتبطة باسمه. كما تنسب بعض المراجع كلمات الأغنية إلى بديع خيري، أحد أبرز شركائه في صناعة الغناء والمسرح الغنائي.
وتشير الرواية الأكثر تداولاً في المصادر المصرية إلى أن الأغنية بدأت رحلتها إلى الانتشار الواسع في الإسكندرية عام 1917، عندما سمع الفنان الكبير جورج أبيض سيد درويش يؤديها في قهوة الحميدية على الميناء الشرقي. لاحقاً، طُلب من درويش أن يلقّن الأغنية للمطرب حامد مرسي لتُقدَّم بين فصول عروض فرقة جورج أبيض على مسرح الهمبرا بالإسكندرية، خلال عرض مسرحية "لويس الحادي عشر". ووفق هذه الرواية، كان نجاح الأغنية من اللحظات التي أسهمت في انتقال سيد درويش إلى القاهرة وانطلاق مرحلته الأوسع في المسرح الغنائي.
لماذا تثير نسبة اللحن إلى الفولكلور حساسية خاصة في مصر؟
في مصر، لا يُنظر إلى سيد درويش باعتباره مجرد ملحن تاريخي، بل بوصفه ركناً من أركان القوة الناعمة المصرية. والهيئة العامة للاستعلامات تضعه ضمن أعلام مصر الثقافيين، وتؤكد أن إنتاجه، رغم قصر حياته، شمل عشرات الأعمال التي نقلت الموسيقى من النخبة إلى الشارع، ورافقت التحولات الوطنية والاجتماعية في بدايات القرن العشرين. لذلك، فإن أي التباس يتعلق بنسبة أحد ألحانه إلى تراث آخر يلامس مباشرة فكرة الهوية الموسيقية وحفظ الذاكرة الفنية.
ومن هنا يمكن فهم سرعة انتشار الغضب على مواقع التواصل في مصر، لأن المسألة لا تخص أصالة (@assyrianasalareal على إنستغرام) وحدها، ولا ترتبط فقط بأغنية جديدة، بل تمس اسماً بحجم سيد درويش الذي لا تزال أعماله تُدرّس وتُستعاد في الندوات والاحتفاءات الرسمية والفنية حتى اليوم. قبل أيام فقط، شهدت مصر فعاليات ثقافية استحضرت إرثه ضمن الحديث عن الموسيقى المصرية ومستقبلها، وهو ما يوضح أن حضوره ليس أرشيفياً فقط، بل معاصر أيضاً في النقاش الثقافي.
بين "على روض الحبيب" و"زوروني".. أين تقف المسألة فنياً؟
على المستوى النقدي، ظهرت آراء أكاديمية ترى أن هناك تشابهاً ملحوظاً بين العملين. فقد نقلت وسائل إعلام مصرية عن الدكتورة ياسمين فراج، أستاذة النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون، أن المقام والتسلسل النغمي في أجزاء واسعة يبدوان متقاربين، مع وجود محاولات للتنويع في الصياغة. هذا لا يحسم وحده النزاع القانوني، لكنه يعزز فكرة أن الجدل لم ينشأ من فراغ، بل من قراءة فنية متخصصة.
في المقابل، هناك من فرّق بين التشابه والتطابق الكامل، وهي نقطة جوهرية في أي نقاش يتعلق بالحقوق الفنية أو نسب الألحان. لكن المؤكد حتى الآن، وفق ما أمكن التحقق منه من مصادر مصرية موثوقة، أن اسم "زوروني كل سنة مرة" عاد بقوة إلى الواجهة لأن الأغنية الأصلية ما زالت في الوعي الجمعي عملاً مصرياً معروفاً وموثقاً باسم سيد درويش، لا مجرد لحن مجهول المصدر.
ما الذي يجعل الأغنية حية بعد أكثر من قرن؟
ربما السر في أن "زوروني كل سنة مرة" جمعت البساطة والوجدان وسهولة الحفظ، وهي عناصر ارتبطت بعبقرية سيد درويش في مخاطبة الناس مباشرة. بعض الروايات الصحفية القديمة والحديثة تقول إن الأغنية استلهمت من موقف عاطفي شخصي، وهو ما منحها هذا الصدق القريب من السمع المصري والعربي معاً، قبل أن يعيد غنائها عدد كبير من المطربين عبر العقود. ومع كل عودة لها، يتجدد النقاش حول معنى التراث: هل هو ما يتناقله الناس فقط، أم ما نعرف أصحابه ووثائقه وتاريخه بوضوح؟
- المؤكد تاريخياً: الأغنية مرتبطة باسم سيد درويش في مصادر مصرية رسمية وصحفية.
- المؤكد راهناً: الجدل انفجر بعد وصف لحن "على روض الحبيب" بأنه من التراث السوري.
- المؤكد فنياً: هناك آراء متخصصة تحدثت عن تشابه واضح في البنية اللحنية.
- غير المحسوم نهائياً: حدود المسؤولية القانونية والفنية في هذا النوع من القضايا.
في النهاية، أعادت الأزمة تذكير الجمهور العربي، وخصوصاً في مصر، بأن التراث الموسيقي ليس مادة للحنين فقط، بل ملف حساس يتداخل فيه التاريخ والتوثيق والهوية والحق الأدبي. وبينما يستمر الجدل حول أصالة، يبقى الرابح الأكبر في هذه اللحظة هو اسم سيد درويش الذي عاد ليتصدر المشهد من جديد، بعد أكثر من مئة عام على ولادة لحن لا يزال قادراً على إشعال النقاش في العالم العربي.