المازيكاتي

أزمة حق الأداء العلني تتصاعد والمنتجون يثبتون موقفهم

أزمة حق الأداء العلني تدخل مرحلة أكثر سخونة

عادت أزمة حق الأداء العلني إلى صدارة المشهد الفني في مصر خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما اتسعت دائرة النقاش بين غرفة صناعة السينما من جهة، والنقابات الفنية من جهة أخرى، حول آلية تطبيق الحقوق المالية المرتبطة بعرض الأعمال السينمائية والتليفزيونية. ويأتي ذلك في وقت تعتبر فيه الأطراف المختلفة أن المسألة لا تخص الفنانين وحدهم، بل تمس شكل التعاقدات داخل الصناعة ومستقبل العلاقة بين المنتجين وفناني الأداء والمؤلفين.

التحرك الأبرز بدأ بعد مناقشات برلمانية تبناها الفنان وعضو مجلس الشيوخ ياسر جلال، الذي طرح في مايو 2026 مقترحًا لتفعيل حق الأداء العلني استنادًا إلى قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002، بما يضمن حصول فناني الأداء من ممثلين ومطربين وعازفين على حقوقهم باعتبارها من الحقوق المجاورة. هذا المسار أعاد الملف بقوة إلى الواجهة، وفتح الباب أمام اجتماعات متتالية داخل الوسط الفني.

كيف بدأت التحركات داخل النقابات الفنية؟

في 26 يونيو 2026 شهدت نقابة المهن السينمائية اجتماعًا موسعًا ضم المخرج مسعد فودة، نقيب المهن السينمائية، والدكتور أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، إلى جانب ياسر جلال والكاتب أيمن سلامة والمستشار ماضي توفيق الدقن والفنان إيهاب فهمي. وأسفر الاجتماع عن اتفاق مبدئي على إعداد تصور لعقد نموذجي يضمن عدم تنازل الفنانين عن حقوقهم الفكرية وحقوق الأداء العلني في التعاقدات الجديدة.

وبعد ذلك بأيام، واصلت النقابات تحركاتها بعقد اجتماعات تنظيمية لمناقشة الآليات التنفيذية والإجرائية الخاصة بتفعيل القانون، وسط دعم من عدد كبير من الفنانين الذين حضروا اجتماعات موسعة داخل نقابة المهن التمثيلية، من بينهم يحيى الفخراني، ليلى علوي، إلهام شاهين، شريف منير، أكرم حسني، بيومي فؤاد وباسم سمرة. هذا الحضور عكس أن الملف لم يعد قانونيًا فقط، بل أصبح قضية مهنية تمس شريحة واسعة من العاملين في المجال.

ماذا تقول غرفة صناعة السينما؟

في المقابل، حسمت غرفة صناعة السينما، برئاسة المنتج هشام عبد الخالق، موقفها عبر بيان صدر في 8 يوليو 2026 عقب اجتماع حضره أكثر من 40 منتجًا، من بينهم إسعاد يونس وطارق الجنايني وجابي خوري وأحمد السبكي ومحمد فوزي وصفي الدين محمود، إضافة إلى ممثلين عن قنوات فضائية. وأكدت الغرفة في بيانها أن المنتج هو صاحب حق استغلال المصنف السينمائي أو التليفزيوني طوال مدة الاستغلال المتفق عليها، وأنه لا يوجد في القانون ما يفرض على المنتجين الالتزام بعقود موحدة أعدتها أي جهة أخرى.

كما شددت الغرفة على أن حق الأداء العلني من وجهة نظرها يدخل ضمن الحقوق المالية القابلة للتصرف أو التنازل وفقًا لشروط التعاقد، وليس حقًا أدبيًا لا يجوز المساس به. وأضافت أن المطالبة بمقابل أداء علني عن الأعمال السابقة لا تكون قائمة تلقائيًا، بل ترتبط بما إذا كان الفنان أو المؤلف قد احتفظ بهذا الحق صراحة في عقده مع المنتج.

الغرفة لفتت أيضًا إلى أن المنتجين يسددون بالفعل رسمًا نسبيًا مقررًا قانونًا لصالح النقابات الفنية، تبلغ قيمته 2% من قيمة عقود أعضاء النقابات المشاركين في الفيلم أو المسلسل، واعتبرت أن الصناعة تواجه أصلًا أعباء مالية كبيرة، من ارتفاع تكلفة الإنتاج إلى تضخم أجور بعض النجوم وبعض عناصر التنفيذ.

أين يقف القانون في هذه الأزمة؟

المرجعية الأساسية في هذا النزاع هي قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002. ووفقًا للنصوص المنشورة عبر قاعدة WIPO Lex، يتمتع فنانو الأداء بحقوق أدبية دائمة وغير قابلة للتصرف، مثل نسبة الأداء إلى صاحبه ومنع تشويهه، بينما يتمتعون أيضًا بحقوق مالية استئثارية تشمل إتاحة الأداء للجمهور ومنع استغلاله دون إذن كتابي مسبق. كما يقرر القانون أن مدة حماية الحقوق المالية لفناني الأداء تمتد إلى 50 سنة من تاريخ الأداء أو التسجيل، بحسب الأحوال.

النقطة الأكثر حساسية هنا هي أن القانون نفسه يفرّق بين الحقوق الأدبية غير القابلة للتصرف، والحقوق المالية التي يمكن أن تكون محل اتفاقات تعاقدية. ومن هذه الزاوية نشأ الخلاف: فالنقابات تدفع نحو عقود تحمي حق الفنان في الأداء العلني مستقبلًا، بينما يتمسك المنتجون بأن التنازل عن هذا الحق المالي جائز إذا ورد في العقد بشكل واضح. وهذا يعني أن جوهر الأزمة ليس إنكار وجود الحق من الأساس، بل الخلاف على كيفية الاحتفاظ به أو نقله داخل التعاقدات.

أشرف زكي وياسر جلال في قلب المشهد

يُعد الدكتور أشرف زكي أبرز الوجوه الحاضرة في الملف، باعتباره نقيب المهن التمثيلية والطرف الذي يدفع نحو حوار مباشر مع المنتجين للوصول إلى صيغة توازن بين حقوق الفنانين واستمرارية الصناعة. وقد أعلن في تصريحات صحفية أنه طلب عقد جلسة مع رئيس غرفة صناعة السينما لفتح باب النقاش وتحقيق ما وصفه بـالصالح العام، مؤكدًا أن الجميع في مركب واحد.

أما ياسر جلال، فبرز دوره ليس فقط كفنان، بل أيضًا كنائب في مجلس الشيوخ يتبنى الملف تشريعيًا ومهنيًا. ووفق ما ورد في الاجتماعات الأخيرة، فإن رؤيته تقوم على أن تحصيل حقوق الأداء العلني من جهات العرض، سواء كانت قنوات أو منصات محلية وعربية وأجنبية تعرض الأعمال المصرية، قد ينعكس بموارد إضافية على الفنانين ويدعم الحصيلة المالية الرسمية كذلك.

ما الذي يمكن أن يحدث في الأيام المقبلة؟

المؤشرات الحالية تقول إن الأزمة تتجه إلى مرحلة تفاوض حاسمة أكثر من كونها مواجهة نهائية. فالمعسكر النقابي يسعى إلى تثبيت بنود واضحة في العقود الجديدة تمنع التنازل التلقائي عن حقوق الأداء العلني، بينما يصر المنتجون على الحفاظ على حرية التعاقد ورفض أي صيغة إلزامية موحدة. وإذا عُقد الاجتماع المرتقب بين غرفة صناعة السينما ونقابة المهن التمثيلية، فمن المرجح أن يتركز النقاش حول الأعمال الجديدة أولًا، باعتبارها المساحة الأسهل للوصول إلى تسوية عملية.

أما بالنسبة للأعمال القديمة، فتبدو الصورة أكثر تعقيدًا، لأن أي مطالبة مالية فيها ستظل مرتبطة بفحص العقود السابقة وما إذا كانت قد تضمنت احتفاظًا صريحًا بهذا الحق أم لا. ولهذا يتوقع مراقبون أن يستمر الجدل القانوني حول الأعمال المنتجة في سنوات سابقة، حتى لو نجحت الأطراف في وضع أسس جديدة للتعامل مع التعاقدات القادمة. وهذا استنتاج مبني على مواقف الغرفة والنقابات كما وردت في بياناتها وتصريحاتها الأخيرة.

لماذا تهم الأزمة جمهور الفن في مصر؟

قد يبدو الملف قانونيًا ومهنيًا في ظاهره، لكنه يخص جمهور الفن أيضًا، لأن أي تغير في خريطة الحقوق والعقود سينعكس على تكلفة الإنتاج، وعلاقة الفنانين بالمنصات والقنوات، وربما على شكل صناعة الدراما والسينما في مصر خلال السنوات المقبلة. كما أن نجاح التوافق على صيغة عادلة قد يفتح بابًا أوسع أمام حماية حقوق المبدعين المصريين في الداخل والخارج، خاصة مع استمرار عرض الأعمال المصرية على منصات متعددة داخل المنطقة العربية وخارجها.

في المحصلة، لا تزال أزمة حق الأداء العلني مفتوحة على أكثر من سيناريو، لكن الثابت حتى الآن أن النقاش خرج من نطاق الكواليس إلى مساحة أوسع داخل الوسط الفني المصري. وبين تمسك المنتجين بحرية التعاقد، وإصرار النقابات على تحصين حقوق الفنانين، يبدو أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت الصناعة ستصل إلى صيغة توافقية، أم أن الملف سيتجه إلى جولات قانونية وتنظيمية أطول.