أزمة «حق الأداء العلني» تربك السينما المصرية
تصعيد جديد في ملف شائك داخل صناعة الشاشة
دخلت أزمة حق الأداء العلني مرحلة أكثر سخونة في مصر خلال يوليو 2026، بعدما تحولت من نقاش قانوني متخصص إلى ملف يمس علاقة المنتجين بفناني الأداء والمؤلفين، ويطرح أسئلة مباشرة حول العقود، وآلية تحصيل المقابل المالي عند إعادة عرض الأعمال على القنوات التلفزيونية أو إتاحتها عبر المنصات الرقمية. وفي قلب المشهد برز اسم المنتج هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، باعتباره المتحدث الأوضح باسم المنتجين في هذه المواجهة المهنية والقانونية.
الملف، رغم طابعه المحلي، يلفت انتباه المتابعين في قسم فن عالمي لأنه يرتبط بنقاش أوسع تعرفه أسواق الترفيه حول العالم: من يملك عوائد الاستغلال اللاحق للأعمال السمعية البصرية؟ وهل يحصل الممثل والمؤلف على مقابل جديد مع كل عرض، أم أن العقد الأصلي مع المنتج يحسم المسألة منذ البداية؟
ما الذي أشعل الأزمة؟
شرارة الخلاف ظهرت بوضوح بعد بيانات وتحركات متبادلة بين النقابات الفنية وغرفة صناعة السينما، على خلفية المطالبة بتفعيل حق الأداء العلني لفناني الأداء والمؤلفين في المصنفات السينمائية والتلفزيونية. ووفق ما نشرته وسائل إعلام مصرية، فإن الخلاف لا يدور حول وجود الفكرة من حيث المبدأ فقط، بل حول كيفية التطبيق، وهل يصبح الحق تلقائيًا أم مشروطًا بما يرد في التعاقدات الفردية. كما برز جدل آخر بشأن فكرة العقود الموحدة التي ترى بعض الأطراف أنها وسيلة لحماية الحقوق مستقبلًا، بينما يرفضها المنتجون باعتبارها قيدًا على حرية التعاقد.
غرفة صناعة السينما أصدرت بيانًا في 8 يوليو 2026 أكدت فيه أنه لا يوجد إلزام على المنتجين باستخدام نماذج عقود موحدة من أي جهة، وأن حق الأداء العلني يُعد — من وجهة نظرها — حقًا ماليًا يجوز التنازل عنه وفقًا لقانون حماية الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002، إذا نص العقد على ذلك. هذا الطرح وضع المنتجين في مواجهة مباشرة مع المطالبين بجعل الحق أكثر رسوخًا في التعاقدات المقبلة.
اجتماعات طارئة وترقب داخل الوسط الفني
وتشير التغطيات المنشورة إلى أن غرفة صناعة السينما عقدت اجتماعًا موسعًا حضره أكثر من 40 منتجًا، إلى جانب ممثلين عن قنوات ومنصات، لمناقشة تداعيات تفعيل حق الأداء العلني على الصناعة وعلى تسويق الأعمال وبيعها. وتحدثت تقارير عن حالة ترقب داخل الأوساط الإنتاجية لما قد تنتهي إليه المداولات بين الغرفة والنقابات، خصوصًا أن أي صيغة جديدة قد تؤثر على تكلفة الإنتاج، وبنود التعاقد، وشكل العلاقة مع جهات العرض داخل مصر وخارجها.
في المقابل، أعلنت نقابة المهن التمثيلية برئاسة الدكتور أشرف زكي عن اجتماع تنظيمي داخلي يضم أعضاء النقابات الفنية لمناقشة الآليات التنفيذية والترتيبات الإجرائية اللازمة لتفعيل القانون، بما يعكس أن المسألة لم تعد مجرد سجال إعلامي، بل انتقلت إلى مرحلة إعداد تصورات عملية للتنفيذ.
ماذا يقول القانون المصري؟
الأساس التشريعي للنقاش هو قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002. وبحسب النصوص المنشورة عبر قاعدة WIPO Lex، يتمتع فنانو الأداء بحقوق اقتصادية حصرية على استغلال أدائهم، بينها إتاحة الأداء للجمهور أو نقله إلى الجمهور، كما يقرر القانون أيضًا مبدأ المقابل العادل في بعض أوجه الاستخدام العلني أو الإذاعي ما لم يوجد اتفاق على خلاف ذلك. هذه النقطة تحديدًا هي التي فتحت باب التفسير الواسع: هل الأصل هو الاستحقاق، أم أن الاتفاق التعاقدي يمكن أن ينقل هذا الحق أو يحد من المطالبة به؟
ومن هنا ظهر ما وصفته بعض التغطيات بـ«ثغرة العقود»، أي أن كثيرًا من العقود القديمة أو السائدة في السوق ربما لم تتضمن احتفاظًا صريحًا من الفنان أو المؤلف بهذا الحق، وهو ما تستند إليه غرفة صناعة السينما لتأكيد أن المنتجين اكتسبوا حقوق الاستغلال المالي ضمن الاتفاقات الموقعة، بينما يرى مؤيدو التفعيل أن الوقت حان لإعادة تنظيم المشهد بما يضمن حماية أوسع للأجيال الجديدة والورثة.
هشام عبد الخالق في صدارة المشهد
المنتج هشام عبد الخالق لم يكتفِ بالبيانات، بل تحدث في أكثر من مناسبة عن مخاوف المنتجين من أن يؤدي التطبيق غير المنظم إلى إرباك السوق. عبد الخالق، الذي يشغل رئاسة غرفة صناعة السينما منذ 2024، قال إن المنتجين لم يكونوا طرفًا أصيلًا في المناقشات الأولى، وإن أي تنظيم جديد يجب أن يراعي طبيعة الصناعة وعلاقة المنتج بالقنوات والمنصات والجهات الممولة. كما حذر من انعكاسات محتملة على بيع المصنفات الفنية وعلى دورة الاستثمار في السينما والدراما.
وبالنسبة للمنتجين، فإن القلق الأكبر لا يرتبط فقط بمبدأ الدفع، بل بمن سيتحمل الكلفة النهائية، وكيف ستُحتسب النسب، وما إذا كانت المنصات الدولية أو القنوات العارضة ستقبل نماذج مالية جديدة في سوق تنافسي شديد الحساسية. هذه المخاوف تفسر حالة الاستنفار التي شهدها الوسط خلال الأيام الماضية.
النقابات: حماية الحقوق لا تعني هدم الصناعة
على الجانب الآخر، يتمسك المدافعون عن تفعيل الحق بأن القضية في جوهرها تتعلق بحماية الحقوق الاقتصادية للمؤلفين وفناني الأداء عند إعادة استغلال الأعمال بعد إنتاجها الأول. وتذهب بعض الآراء القانونية التي تناولتها الصحافة المصرية إلى أن تنظيم هذا الملف عبر عقود أكثر وضوحًا أو عبر تعديل تشريعي مستقبلي قد يقلل من النزاعات، بدلًا من ترك المسألة رهينة تفسيرات متباينة من عمل إلى آخر.
كما تؤكد النقابات، بحسب البيانات المتداولة، أن الهدف ليس تعطيل الصناعة ولا خلق مواجهة مفتوحة مع المنتجين، وإنما وضع إطار يضمن توازنًا بين من يمول العمل ومن يشارك في صنع قيمته الفنية. وفي سوق يشهد توسعًا في المشاهدة الرقمية وإعادة تدوير المحتوى على المنصات، تبدو هذه المطالب أقرب إلى نقاش عالمي حول العدالة في توزيع العوائد.
لماذا يهم هذا الجدل القارئ المصري الآن؟
بالنسبة للجمهور في مصر، قد يبدو الملف قانونيًا ومعقدًا، لكنه عمليًا يؤثر على شكل الإنتاج في السنوات المقبلة. فإذا اتجهت الصناعة إلى عقود جديدة تمنح الفنانين والمؤلفين نصيبًا لاحقًا من العوائد، فقد يعاد ترتيب ميزانيات الأعمال، وأجور بعض الفئات، وحتى نماذج الشراكة مع المنصات. وإذا انتصر منطق التعاقدات الحالية كما يراه المنتجون، فستظل الأولوية للعقد الفردي بوصفه المرجع الحاسم.
الأرجح أن الأزمة لم تصل بعد إلى كلمتها الأخيرة. فهناك اجتماعات، ومناقشات قانونية، وضغط من أطراف متعددة داخل الوسط الفني. لكن المؤكد أن حق الأداء العلني لم يعد ملفًا هامشيًا، بل صار واحدًا من أكثر ملفات الصناعة حساسية في 2026، لأنه يضع المال والحقوق والعقود في نقطة تقاطع واحدة، ويكشف في الوقت نفسه حاجة السوق المصرية إلى صياغة أكثر وضوحًا للعلاقة بين الإبداع والملكية والاستغلال التجاري.
أبرز النقاط في الأزمة
- تاريخ التصعيد الأبرز: مطلع ومنتصف يوليو 2026.
- أطراف الخلاف: النقابات الفنية وغرفة صناعة السينما والمنتجون.
- محور الجدل: هل حق الأداء العلني يُستحق تلقائيًا أم وفق ما يحدده العقد؟
- نقطة الخلاف الثانية: مسألة العقود الموحدة وإلزام المنتجين بها.
- الانعكاس المتوقع: تأثير محتمل على بيع الأعمال للقنوات والمنصات وتكلفة الإنتاج.
وإلى أن تعلن الصيغة النهائية أو أي تفاهم رسمي جديد، ستبقى الأنظار معلقة على ما ستسفر عنه اجتماعات الغرفة والنقابات، في واحدة من أهم المعارك القانونية والمهنية التي شهدها الوسط الفني المصري مؤخرًا.