المازيكاتي

أزمة «حق الأداء العلني» تشعل خلافًا بين النقابات والمنتجين

أزمة «حق الأداء العلني» تتصدر المشهد الفني في مصر

دخل ملف حق الأداء العلني مرحلة جديدة من الجدل داخل الوسط الفني المصري، بعد تبادل المواقف بين النقابات الفنية من جهة، وغرفة صناعة السينما من جهة أخرى، حول أحقية الفنانين والمؤلفين في الحصول على مقابل مالي عند إعادة عرض الأعمال السينمائية والتليفزيونية، وحول ما إذا كان يجوز تضمين العقود ما يفيد التنازل عن هذا الحق أم لا.

الجدل تصاعد خلال الأيام الماضية في مصر، خاصة بعد بيانات وتصريحات متلاحقة صدرت في الفترة بين أواخر يونيو وبداية يوليو 2026، شارك فيها ممثلو النقابات الفنية، وعلى رأسهم الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية، إلى جانب المستشار القانوني للنقابات الفنية الدكتور حسام لطفي، بينما ردت غرفة صناعة السينما برئاسة المنتج هشام عبد الخالق ببيان رسمي يوضح موقف المنتجين من المسألة.

ماذا تقصد النقابات بـ«حق الأداء العلني»؟

وفق الطرح الذي تتبناه النقابات الفنية وعدد من المتخصصين في الملكية الفكرية، فإن حق الأداء العلني يهدف إلى ضمان حصول فناني الأداء والمبدعين على عائد مادي عند إعادة استغلال الأعمال الفنية التي شاركوا فيها، سواء عبر العرض التلفزيوني أو المنصات أو غيرها من صور الإتاحة للجمهور. وقد أكد أشرف زكي في تصريحات منشورة مطلع يوليو 2026 أن التحرك الجاري يستهدف بناء نظام يوفر دخلًا مستمرًا للفنانين وأسرهم مع تكرار عرض الأعمال، لا سيما في ظل اتساع سوق العرض عبر المنصات الرقمية. كما وصف الفنان والنائب ياسر جلال الملف بأنه قضية تمس مستقبل الصناعة وحقوق العاملين بها.

وفي السياق نفسه، أوضح السيناريست أيمن سلامة أن الفكرة ليست جديدة على مصر، مشيرًا إلى أن تنظيم تحصيل هذا النوع من الحقوق له جذور تاريخية داخل منظومة حماية الملكية الفكرية، وأن المبدأ يقوم على حصول صاحب الإسهام الإبداعي على مقابل عادل عند إعادة استغلال العمل.

دور مستشار النقابات الفنية.. وما الذي قاله حسام لطفي؟

المستشار القانوني للنقابات الفنية الدكتور حسام لطفي دخل على خط الأزمة مؤكدًا، في تصريحات صحفية منشورة أواخر يونيو 2026، أن التحرك الحالي جاء بعد مناقشات مؤسسية شارك فيها ممثلون عن النقابات، وأن الهدف هو حفظ الحقوق المجاورة لحق المؤلف وتفعيلها بصورة قانونية واضحة. كما أشار إلى أهمية تسجيل بيانات الفنانين وأعضاء النقابات لضمان متابعة حقوقهم عند التطبيق.

ووفق ما نُشر عن اجتماعات التحضير لهذا الملف، فقد شارك فيها كل من الفنان ياسر جلال، والدكتور أشرف زكي، والمخرج مسعد فودة نقيب المهن السينمائية، والسيناريست أيمن سلامة رئيس جمعية مؤلفي الدراما، إلى جانب ممثلين عن الجهات المعنية بالملف الحقوقي والتنظيمي.

غرفة صناعة السينما: لا إلزام بعقود موحدة

في المقابل، أصدرت غرفة صناعة السينما يوم 8 يوليو 2026 بيانًا رسميًا عقب اجتماع حضره أكثر من 40 منتجًا، من بينهم أسماء بارزة مثل إسعاد يونس وطارق الجنايني وجابي خوري وأحمد السبكي ومحمد فوزي وصفي الدين محمود، إلى جانب ممثلين عن قنوات فضائية ومنصات عرض، وكذلك إبراهيم أبو ذكري بصفته رئيس اتحاد المنتجين العرب.

البيان حمل موقفًا واضحًا من المنتجين، إذ رفضت الغرفة فكرة إلزام شركات الإنتاج بعقود موحدة تعدها أي جهة أخرى، مؤكدة أن المنتج من حقه صياغة العقد الذي يراه مناسبًا لحفظ حقوق الاستغلال المالي الخاصة بالمصنف السينمائي أو التليفزيوني. كما شددت الغرفة على أن قانون حماية الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002 لم يفرض نموذجًا موحدًا للعقود، ولم يمنع الاتفاق على التنازل عن حق الأداء العلني باعتباره - من وجهة نظرها - أحد حقوق الاستغلال المالي القابلة للتصرف.

الغرفة استندت كذلك إلى مبدأ «العقد شريعة المتعاقدين»، معتبرة أن التعاقد الحر بين المنتج والفنان أو المؤلف يظل الأساس الحاكم للعلاقة، ما دام يتم في إطار القانون.

كيف تقرأ النقابات هذا الرد؟

الرد النقابي لم يتأخر كثيرًا. ففي 9 يوليو 2026، صدر بيان مشترك يؤكد أن حماية حقوق الفنانين لا تتعارض مع مصالح المنتجين، وأن التحركات الجارية لا تستهدف إرباك السوق أو تعطيل الإنتاج، بل استعادة حقوق العاملين في المجال الفني وتفعيل نصوص قانونية قائمة بالفعل. وأوضح البيان أن قوانين النقابات، ومنها قانون نقابة المهن السينمائية رقم 35 لسنة 1978 وتعديلاته، تُحمّل النقابات مسؤولية كفالة حقوق الأعضاء في الأداء العلني داخل مصر وخارجها، والسعي لاستصدار ما يلزم من تشريعات وآليات تنفيذية.

من هنا، تبدو نقطة الخلاف الأساسية بين الطرفين مرتبطة بتفسير الطبيعة القانونية لهذا الحق: هل هو حق مالي يجوز التنازل عنه ضمن الأجر المقطوع في العقد؟ أم أنه حق يجب توفير ضمانات أقوى لحمايته عند كل إعادة استغلال لاحقة للعمل؟

ما الذي جرى تحت قبة مجلس الشيوخ؟

الملف لم يبقَ حبيس البيانات الإعلامية، بل وصل إلى مجلس الشيوخ المصري. فقد شهدت لجنة الثقافة والسياحة والآثار خلال يونيو 2026 مناقشات بشأن مقترح لتفعيل حق الأداء العلني، تقدم به النائب الفنان ياسر جلال. وشارك في الجلسة الدكتور هشام عزمي رئيس الجهاز المصري للملكية الفكرية، حيث تناولت المناقشات آليات التفعيل، وأهمية الوصول إلى صيغة تعاقدية متوازنة تنظم العلاقة بين الفنانين والمنتجين وجهات الاستغلال المختلفة.

هذه النقطة مهمة للغاية، لأنها تعني أن الخلاف الحالي لا يدور فقط في ساحة التصريحات، بل أصبح جزءًا من نقاش تشريعي ومهني أوسع حول مستقبل الحقوق المجاورة في الصناعة الفنية المصرية، خصوصًا مع تغير أنماط المشاهدة والانتقال المكثف إلى المنصات الرقمية.

لماذا تزداد حساسية الملف الآن؟

السبب الأبرز هو التغير الكبير في طريقة استهلاك المحتوى. فالأعمال المصرية لم تعد تعتمد فقط على العرض الأول في السينما أو على البث التلفزيوني التقليدي، بل أصبحت تُعاد مشاهدتها وتوزيعها على نطاق واسع عبر قنوات ومنصات متعددة، ما يثير سؤالًا متكررًا داخل الوسط: من يستفيد ماليًا من إعادة الاستغلال المتكرر للعمل؟

النقابات ترى أن الفنانين والمؤلفين والمخرجين يجب أن يكون لهم نصيب من هذا العائد في بعض الحالات، بينما يخشى المنتجون من أن يؤدي التوسع في المطالبات إلى تحميل الصناعة أعباء إضافية، أو إلى تعقيد التعاقدات وعمليات البيع للمنصات، في وقت تقول فيه الغرفة إن الصناعة تواجه بالفعل تحديات اقتصادية وتشغيلية.

ما المتوقع في المرحلة المقبلة؟

حتى الآن، لا يبدو أن الأزمة حُسمت نهائيًا. لكن المؤكد أن الملف يتجه نحو مزيد من التفاوض القانوني والمؤسسي، سواء عبر النقابات الفنية أو من خلال الجهات التشريعية والتنظيمية المعنية بالملكية الفكرية في مصر. والسيناريو الأقرب هو استمرار الحوار للوصول إلى صيغة توازن بين حق الفنان في حماية عائده المستقبلي، وحق المنتج في إدارة واستغلال المصنف الذي تحمل كلفته ومخاطره المالية.

وبالنسبة لجمهور الفن في مصر، فإن هذه الأزمة تكشف جانبًا مهمًا من الكواليس التي تحكم صناعة الدراما والسينما، وتطرح سؤالًا أكبر من مجرد خلاف نقابي أو إنتاجي: كيف يمكن تحديث العلاقة بين الإبداع والتمويل في زمن العرض الرقمي المفتوح؟

  • أبرز الأطراف في الأزمة: النقابات الفنية، غرفة صناعة السينما، المنتجون، فنانو الأداء، المؤلفون، مجلس الشيوخ.
  • أهم الأسماء المطروحة: أشرف زكي، حسام لطفي، ياسر جلال، هشام عبد الخالق، مسعد فودة، هشام عزمي، أيمن سلامة.
  • المرجعية القانونية الأبرز: قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002، وقانون نقابة المهن السينمائية رقم 35 لسنة 1978 وتعديلاته.

وفي انتظار ما ستسفر عنه الاجتماعات المقبلة، يبقى «حق الأداء العلني» واحدًا من أكثر ملفات فن مصري سخونة في صيف 2026، لأنه يمس بصورة مباشرة توازن المصالح بين صناع الإبداع وممولي الإنتاج في واحدة من أهم الصناعات الثقافية في مصر.