المازيكاتي

«أصوات مصرية» في الجونة 2026.. أين تقف الحكاية المصرية؟

بعد إعلان اختيارات «سيني جونة».. لماذا يستحق برنامج «أصوات مصرية» التوقف؟

قبل أقل من شهر على انطلاق الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي في الفترة من 15 إلى 23 أكتوبر 2026، أعلن برنامج سيني جونة لدعم إنتاج الأفلام قائمته الجديدة التي تضم 13 مشروعًا في مرحلة التطوير و6 أفلام في مرحلة ما بعد الإنتاج، إلى جانب 4 مشروعات ضمن البرنامج الأحدث «أصوات مصرية». وجاء الإعلان بعد استقبال أكثر من 310 مشروعات من أنحاء العالم العربي، في رقم يعكس اتساع المنافسة على فرص الدعم داخل المنصة الصناعية للمهرجان.

لكن بالنسبة للقارئ المصري، فإن القيمة الأهم هنا ليست فقط في عدد المشاريع المختارة، بل في أن «أصوات مصرية» نفسه وُلد هذا العام كبرنامج مخصص لدعم الأفلام المصرية في مراحل التطوير المبكرة. أطلقه مهرجان الجونة رسميًا في 23 أغسطس 2026 بهدف مساعدة المشاريع التي تملك إمكانات فنية واضحة، لكنها تحتاج إلى صقل ملفاتها الإنتاجية والعروض التقديمية وخطط التنفيذ قبل التوجه إلى جهات التمويل.

ما هو برنامج «أصوات مصرية» داخل «سيني جونة»؟

بحسب ما أعلنه المهرجان، صُمم البرنامج كمسار غير تنافسي يركز على التدريب والتوجيه، بدل الاكتفاء بمنح المشروعات مقعدًا في سوق أو منصة عرض. الفكرة، كما شرح أحمد شوقي رئيس سيني جونة، جاءت بعد ملاحظة تزايد عدد المشاريع المصرية المتقدمة سنويًا إلى مرحلة التطوير، وهو ما جعل من الصعب استيعابها جميعًا داخل البرنامج الرئيسي رغم وجود أعمال واعدة تحتاج فقط إلى دعم مهني أكثر تفصيلًا.

الأرقام هنا مهمة: المهرجان قدّر أن سيني جونة يتلقى نحو 100 مشروع مصري في مرحلة التطوير سنويًا. ومن هذا الواقع خرجت مبادرة «أصوات مصرية» لاختيار 4 مشروعات مصرية هذا العام، بهدف تحسين ملفاتها، وعروضها، وخطط إنتاجها، ورفع فرصها في الوصول لاحقًا إلى التمويل والشراكات.

كما يتولى المنتج علاء الأسعد مهمة التوجيه الخاصة بمشروعات «أصوات مصرية»، بينما يضم برنامج الإرشاد العام في سيني جونة أسماء مثل روبين سيتيزن من مهرجان تورونتو، وسولاي غربية من «آفاق»، وأريانا كاستولدي في مجال الوثائقيات، بما يؤكد أن البرنامج لا يكتفي بالاحتفاء الرمزي بالمواهب المصرية، بل يربطها بخبرة مهنية عابرة للحدود.

المشروعات الأربعة المختارة.. أي صورة تقدمها عن السينما المصرية الآن؟

القائمة التي أُعلنت تضم أربعة مشاريع: «الطريق إلى الجنة» من إخراج مي القمحاوي وإنتاج بسام مرتضى، و«دينا: آخر امرأة ترقص» من إخراج محمود رشاد وإنتاج أمير الشناوي، و«طريق إلى الأزرق» من إخراج أبانوب يوسف وإنتاج محمد رشاد، و«لا عزاء للأطفال» من إخراج ريم مرسي وإنتاج ميرال الفخراني.

اللافت أولًا أن هذه العناوين وحدها تكشف تنوعًا في المزاج والاهتمام. هناك عناوين تميل إلى البعد الوجودي والروحي مثل «الطريق إلى الجنة»، وأخرى تحمل أثرًا شخصيًا أو سيريًا مثل «دينا: آخر امرأة ترقص»، وثالثة تبدو مفتوحة على المجاز البصري والحمولة النفسية مثل «طريق إلى الأزرق»، فيما يوحي «لا عزاء للأطفال» بانشغال اجتماعي وإنساني حاد. ومن دون القفز إلى استنتاجات غير موثقة حول الحبكات نفسها، يمكن القول إن الاختيار يميل إلى القصص ذات الحس الإنساني الفردي أكثر من الأعمال ذات العناوين التجارية أو المراهنة على الصيغ المألوفة.

1) «الطريق إلى الجنة».. حضور لموهبة مصرية في بداية المسار

اختيار مشروع مي القمحاوي مع المنتج بسام مرتضى يلفت النظر إلى رهان البرنامج على أسماء تحتاج إلى مساحة تطوير مؤسسية. وهذا يتسق مع فلسفة «أصوات مصرية» نفسها، التي لا تستهدف المشاريع المكتملة الجاهزية بقدر ما تبحث عن إمكان النمو. في سوق تمويل عربي ودولي شديد التنافس، يصبح وجود منتج صاحب خبرة إلى جوار مخرج أو مخرجة في مرحلة البناء عاملًا حاسمًا في عبور المشروع من الفكرة إلى الملف القابل للتقديم.

2) «دينا: آخر امرأة ترقص».. عنوان لافت وإنتاج من أمير الشناوي

من بين المشروعات الأربعة، يبدو «دينا: آخر امرأة ترقص» الأكثر قابلية لجذب الانتباه السريع على مستوى العنوان. المشروع من إخراج محمود رشاد وإنتاج أمير الشناوي، وحضوره داخل البرنامج يعكس اهتمامًا بنوع من القصص التي تراهن على الشخصية المركزية بوصفها مدخلًا إلى حكاية أوسع. وحتى قبل معرفة تفاصيل الفيلم كاملة، فإن هذا النمط من المشاريع عادة ما يملك فرصة جيدة في الترويج داخل أسواق المهرجانات إذا نجح في تقديم بطله أو بطلتِه باعتبارهما مفتاحًا لسؤال ثقافي أو اجتماعي أكبر.

3) «طريق إلى الأزرق».. مشروع مصري بشراكات عابرة للحدود

المشروع الثالث، «طريق إلى الأزرق»، يحمل جنسية إنتاجية مركبة: مصر وفرنسا وبلجيكا وتونس، وهو من إخراج أبانوب يوسف وإنتاج محمد رشاد. هذا التفصيل مهم جدًا لأن أحد تحديات السينما المصرية المستقلة اليوم ليس فقط تطوير الفكرة، بل بناء شبكة إنتاج مشترك تسمح للمشروع بالتحرك خارج الحدود المحلية. وجود هذا المشروع داخل «أصوات مصرية» يقول إن البرنامج لا يرى “المصري” بوصفه منغلقًا على التمويل المحلي وحده، بل كجزء من خريطة تعاون أوسع يمكن أن تمنح الحكاية المصرية عمرًا أطول في التداول والمشاركة.

4) «لا عزاء للأطفال».. قصة مصرية بامتداد إنتاجي دولي

أما «لا عزاء للأطفال» من إخراج ريم مرسي وإنتاج ميرال الفخراني، فيأتي بشراكة بين مصر وكندا والولايات المتحدة. مرة أخرى، يبرز الميل نفسه: القصص المصرية الجديدة لا تتحرك فقط داخل المجال المحلي، بل تُبنى منذ التطوير على تصور دولي للإنتاج والعرض. وهذا لا ينتقص من مصريتها، بل قد يكون أحد شروط بقائها وقدرتها على الوصول، خصوصًا في الأفلام التي تتناول موضوعات حساسة أو ذات بعد إنساني عالمي.

ما الذي يكشفه حضور مصر خارج «أصوات مصرية» أيضًا؟

قوة الحضور المصري لا تتوقف عند البرنامج المستحدث. ففي قائمة التطوير الرئيسية داخل سيني جونة تظهر مشاريع مصرية أخرى مثل «خارج القطيع» للمخرج عادل أحمد يحيى وإنتاج سوسن يوسف، و«عرب المعادي» للمخرجة آيتن أمين وإنتاج لؤي خريش. كما تضم القائمة مشروع «في انتظار الجنة» من مصر وبلجيكا والسويد وإيطاليا، من إخراج وإنتاج محمد صيام، إضافة إلى مشروع التحريك الطويل «بعد الأربعين» من مصر وبلجيكا، بإخراج سامح علاء وإنتاج مارك لطفي.

هذا التوزع مهم لأن «أصوات مصرية» لا يعمل في فراغ، بل داخل موجة أوسع من الحضور المصري في الدورة التاسعة. الفارق أن البرنامج الجديد يمنح فرصة لمشاريع قد لا تكون جاهزة بعد لمنافسة المشاريع العربية الأكبر على الأرضية نفسها، لكنه يضعها على السكة المهنية الصحيحة قبل الوصول إلى تلك اللحظة.

ولماذا يهم هذا قبل 15 أكتوبر تحديدًا؟

لأن الفترة السابقة لانطلاق المهرجان هي اللحظة التي تتشكل فيها التوقعات، وتُقرأ القوائم ليس فقط باعتبارها إعلانًا إداريًا، بل كخريطة لما يشغل صناع السينما المصريين الآن. من الواضح أن الحكاية المصرية في الجونة 2026 ليست حكاية واحدة: هناك مشاريع ذات نزعة شخصية، وأخرى منفتحة على الإنتاج المشترك، وأعمال تحمل رهانات فنية واضحة أكثر من رهانها على المعادلات التجارية السريعة.

كذلك، فإن إطلاق «أصوات مصرية» هذا العام، بالتوازي مع الاستعداد للدورة التاسعة التي يقود رؤيتها الفنية أندرو محسن، يرسل رسالة مباشرة عن رغبة المهرجان في الاستثمار في المراحل المبكرة لا الاكتفاء بعرض النتائج النهائية. وهذه نقطة بالغة الأهمية لصناعة السينما في مصر، لأن أزمة كثير من المشاريع لا تبدأ عند التصوير، بل قبل ذلك بكثير: عند كتابة الملف، وتحديد خطة التمويل، وصياغة العرض المقنع أمام الشركاء.

الخلاصة.. أي حضور للمواهب والقصص المصرية؟

الحضور المصري داخل «أصوات مصرية» قبل انطلاق مهرجان الجونة في 15 أكتوبر 2026 يبدو حضورًا نوعيًا أكثر منه عدديًا. نعم، البرنامج يضم أربعة مشاريع فقط، لكن قيمته الحقيقية أنه موجه بالكامل إلى تقوية المشروع المصري في لحظة شديدة الحساسية من عمره: لحظة التحول من فكرة واعدة إلى مشروع قابل للحياة. ومع وجود مشاريع مصرية أخرى في قوائم التطوير والتحريك والإنتاج المشترك، يمكن القول إن الدورة التاسعة ترسم صورة لسينما مصرية تبحث عن لغة جديدة، وشراكات أوسع، ومساحة أرحب للحكاية الشخصية.

وبينما لا يرتبط هذا الملف مباشرة بزاوية حفلات الصيف التي تتصدر الاهتمام التحريري حاليًا، فإن الجونة نفسها تدخل خريف 2026 وهي تجهز لموعد ثقافي وفني كبير قد يعيد ترتيب النقاش حول أولويات الصناعة: هل نكتفي بالنجوم على السجادة الحمراء، أم نمنح المساحة نفسها للمشروعات التي قد تصنع أفلام الغد؟ في «أصوات مصرية»، تبدو الإجابة أوضح من أي وقت مضى.