المازيكاتي

الجزائر تدفع بـ"رقية" إلى سباق أوسكار أفضل فيلم دولي

الجزائر تختار "رقية" لتمثيلها في سباق الأوسكار

دخلت السينما الجزائرية جولة جديدة من المنافسة العالمية بعد اختيار فيلم "رقية" للمخرج الجزائري يانيس كوسيم لتمثيل الجزائر في فئة أفضل فيلم دولي ضمن الدورة الـ99 من جوائز الأوسكار. وبذلك تراهن الجزائر هذا العام على عمل ينتمي إلى منطقة أقل شيوعًا في السينما العربية، هي الرعب النفسي، مع قصة تستدعي ذاكرة التسعينيات وما ارتبط بها من توتر وعنف خلال ما يُعرف في الجزائر بـالعشرية السوداء.

الترشيح يأتي في توقيت مهم، لأن الموعد النهائي لتقديم الأفلام إلى الأكاديمية الأميركية لفئة الفيلم الدولي محدد في 30 سبتمبر 2026، وفق القواعد المعتمدة للدورة الـ99. وهذا يعني أن اختيار الجزائر لـ"رقية" يضع الفيلم رسميًا على خريطة السباق قبل إعلان القائمة المختصرة لاحقًا ضمن الجدول الزمني المعتاد للأكاديمية.

فيلم رعب جزائري يستلهم جرحًا تاريخيًا

بعيدًا عن القوالب التجارية المعتادة، يقدّم يانيس كوسيم في أول أفلامه الروائية الطويلة عملًا يمزج بين الرعب والتأمل في الذاكرة الجماعية. وتدور أحداث "رقية" بين زمنين، حيث يعود أحمد إلى قريته عام 1993 بعد حادث يتركه فاقدًا للذاكرة، بينما تتوازى حكايته مع شخصية الراقي في زمن لاحق، وسط تصاعد مشاعر الخوف والالتباس والعنف. هذا البناء الزمني المزدوج منح الفيلم مساحة للتعامل مع الرعب بوصفه أداة درامية لقراءة الماضي، لا مجرد وسيلة لإخافة المشاهد.

وبالنسبة للقارئ المصري، تبدو أهمية هذا التوجه في أنه يفتح بابًا أوسع أمام حضور سينما النوع عربيًا، خصوصًا أن أفلام الرعب المرتبطة بسياق سياسي واجتماعي محلي لا تزال محدودة نسبيًا في المنطقة. ومن هنا يكتسب "رقية" قيمة إضافية، لأنه لا يقدّم الرعب كزخرفة بصرية، بل يربطه بمرحلة تاريخية تركت أثرًا عميقًا في الوعي الجزائري.

من فينيسيا إلى سباق الجوائز

الاهتمام بالفيلم لم يبدأ مع إعلان ترشيحه للأوسكار فقط، بل سبقه حضوره في أسبوع النقاد الدولي ضمن الدورة الـ82 من مهرجان فينيسيا السينمائي، حيث شارك ضمن الأفلام المتنافسة في نسخة 2025. وتؤكد بيانات البرنامج الرسمي أن الفيلم عُرض في فينيسيا مطلع سبتمبر 2025، ما منحه منصة دولية مبكرة ساعدت في لفت الأنظار إليه داخل دوائر النقد والمهرجانات.

كما حصد الفيلم لاحقًا الجائزة الكبرى في المهرجان الدولي للفيلم بالجزائر، وهو ما عزز مكانته محليًا قبل التوجه إلى الأوسكار. هذا المسار، من مهرجان دولي بارز إلى تتويج داخل الجزائر، يمنح "رقية" زخمًا مهمًا في موسم الجوائز، حتى لو ظلت المنافسة في فئة الفيلم الدولي شديدة الصعوبة كل عام.

يانيس كوسيم.. اسم جزائري يقترب من المشهد العالمي

يُعد يانيس كوسيم من الأصوات التي راكمت حضورها تدريجيًا عبر الأفلام القصيرة قبل الوصول إلى الفيلم الطويل. وتوضح المواد التعريفية الخاصة بالفيلم في فينيسيا أن كوسيم، المولود عام 1977، سبق له إنجاز عدة أعمال قصيرة، من بينها Khouya وKhti، كما شارك في كتابة أعمال سينمائية أخرى، وأسّس مجموعة Plateau19 الداعمة للسينما المستقلة في الجزائر.

هذا المسار يفسر لماذا يُنظر إلى "رقية" ليس فقط كترشيح جزائري جديد للأوسكار، بل أيضًا كنقطة تحول في مشوار مخرجه. فالفيلم هو أول عمل روائي طويل لكوسيم، وجاء ضمن إنتاج مشترك بين الجزائر وفرنسا وقطر والسعودية، ما يعكس طبيعة الإنتاج العربي-المتوسطي المعاصر الذي يعتمد على الشراكات العابرة للحدود للوصول إلى أسواق ومهرجانات أوسع.

أبطال الفيلم وتفاصيله الفنية

بحسب البيانات المنشورة عن الفيلم، يضم طاقم التمثيل أسماء مثل علي ناموس في دور أحمد، إلى جانب أكرم جغيم ومصطفى جادجام وهناء منصور وليديا هاني. كما تولى كوسيم كتابة السيناريو بنفسه، بينما حملت الصورة توقيع جان-ماري ديلورم، وشارك في المونتاج سارة زانون وماكسيم بوزي-غارسيا. مدة الفيلم تبلغ 94 دقيقة، فيما تصنفه المصادر المتاحة ضمن أفلام الرعب.

ومن اللافت أن بعض المصادر الدولية وصفت الفيلم بأنه العمل الطويل الأول للمخرج، بينما أوردت مادة أخرى مدة مختلفة هي 89 دقيقة. وبالاستناد إلى صفحات العرض الرسمية في فينيسيا وأسبوع النقاد، تبدو مدة 94 دقيقة هي الأقرب للاعتماد التحريري هنا، لأنها وردت في البرمجة الرسمية للفيلم وقت عرضه بالمهرجان.

ماذا يعني هذا الترشيح للسينما الجزائرية؟

ترشيح "رقية" يسلّط الضوء على رغبة الجزائر في تقديم صورة مختلفة عن إنتاجها السينمائي أمام الأكاديمية. فبدل الاكتفاء بالأعمال التاريخية أو الاجتماعية المباشرة، جاء الاختيار لفيلم يستخدم أدوات الرعب لبناء خطاب عن الذاكرة والخوف والهوية. وهذا النوع من الاختيارات قد يكون أكثر جذبًا للمتابعين خارج المنطقة، خاصة عندما يكون مدعومًا بمسار مهرجاني واضح وموضوع محلي شديد الخصوصية.

بالنسبة للمشهد العربي عمومًا، يضيف الفيلم مثالًا جديدًا على قدرة الأعمال المغاربية على اقتحام المنافسات العالمية عبر لغة بصرية مغايرة. كما أن استدعاء العشرية السوداء في إطار سينمائي نوعي يفتح نقاشًا فنيًا أوسع حول كيفية تحويل الذاكرة السياسية إلى مادة درامية تصل إلى جمهور دولي دون أن تفقد خصوصيتها المحلية.

متى تتضح فرص الفيلم في الأوسكار؟

بعد إرسال الترشيحات الرسمية من الدول، تمر الفئة الدولية بعدة مراحل قبل الوصول إلى القائمة النهائية للمرشحين. والأكيد حتى الآن أن الجزائر حسمت ممثلها، وأن الفيلم أصبح حاضرًا رسميًا في سباق أوسكار 2027 الخاص بالأفلام الصادرة وفق دورة الجائزة الحالية. أما الانتقال إلى المراحل التالية فسيعتمد على اختيارات لجان الأكاديمية وموقع الفيلم داخل قائمة المنافسين من مختلف دول العالم.

وفي كل الأحوال، فإن وصول "رقية" إلى هذه المرحلة يمنحه دفعة جماهيرية وإعلامية مهمة، ويمنح اسم يانيس كوسيم حضورًا أوسع داخل دوائر المتابعة العربية والدولية. وبالنسبة لجمهور السينما في مصر، قد يكون الفيلم من الأعمال التي تستحق المتابعة خلال موسم المهرجانات والجوائز، ليس فقط لأنه مرشح رسميًا من الجزائر، بل لأنه يختبر شكلًا جديدًا من الحكي العربي القائم على التوتر النفسي واستعادة الذاكرة عبر سينما الرعب.

  • اسم الفيلم: رقية
  • المخرج: يانيس كوسيم
  • النوع: رعب نفسي
  • مدة الفيلم: 94 دقيقة
  • بلد الترشيح للأوسكار: الجزائر
  • العرض الدولي البارز: أسبوع النقاد في مهرجان فينيسيا 2025
  • الموضوع: استعادة ظلال العشرية السوداء في الجزائر