المازيكاتي

إلغاء حفلات مؤيدي الأسد يفتح جدل الفن والسياسة في سوريا

موجة اعتراضات فنية في سوريا.. وحفل محمد إسكندر في قلب الجدل

عاد الجدل حول العلاقة بين الفن والسياسة إلى الواجهة في سوريا خلال يوليو 2026، بعد تصاعد احتجاجات شعبية ضد فنانين ارتبطت أسماؤهم خلال السنوات الماضية بتأييد نظام بشار الأسد. وأحدث حلقات هذا الجدل تمثلت في إلغاء حفل المطرب اللبناني محمد إسكندر، الذي كان مقرراً إقامته في منطقة وادي النصارى بريف حمص، بالتزامن مع تداول مقاطع وصور تظهر تمزيق وإزالة إعلانات الحفل في مدينة يبرود بريف دمشق.

القضية لم تعد مجرد خلاف عابر على مواقع التواصل، بل باتت تعكس تحوّلاً أوسع في المزاج العام داخل سوريا، حيث يرفض قطاع من السوريين عودة بعض الأسماء الفنية إلى المسارح من دون مساءلة أخلاقية أو مراجعة واضحة لمواقفها السابقة، خصوصاً إذا كانت تلك المواقف قد جاءت في سنوات شديدة الحساسية من تاريخ البلاد.

ما الذي حدث في واقعة محمد إسكندر؟

بحسب ما جرى تداوله على نطاق واسع في وسائل إعلام عربية خلال الأيام الماضية، كان محمد إسكندر يستعد لإحياء حفل في أحد المطاعم السياحية بريف حمص، قبل أن يُلغى الحفل وسط حالة اعتراض علنية. كما انتشرت مشاهد من يبرود تُظهر إزالة صور دعائية مرتبطة بالحفل، في إشارة واضحة إلى رفض محلي لظهوره الفني في هذا التوقيت.

ويحضر اسم محمد إسكندر هنا بسبب مواقفه السابقة المؤيدة للأسد، إذ ارتبط اسمه منذ سنوات بأغانٍ وتصريحات اعتبرها معارضون جزءاً من خطاب التأييد السياسي، وهو ما جعل أي محاولة لعودته إلى إحياء حفلات داخل سوريا تصطدم سريعاً بحساسية الذاكرة العامة، لا سيما في المناطق التي ما زالت تنظر إلى تلك المرحلة بوصفها جرحاً مفتوحاً.

ليست حالة منفردة.. إلغاء حفل شادي جميل سبقها

ما حدث مع محمد إسكندر لا يبدو منفصلاً عن سياق أوسع. ففي يونيو 2026 أُلغِي أيضاً حفل للفنان السوري شادي جميل كان مقرراً في دار الأوبرا بدمشق يوم 8 يوليو 2026، بعد إعلان الشركة المنظمة عنه في 20 يونيو 2026 وما تبعه من موجة اعتراض واسعة. لاحقاً، أكدت جهات إعلامية سورية أن الإلغاء جاء على خلفية مواقف جميل المؤيدة للنظام السابق.

الأهم من قرار الإلغاء نفسه كان الرسالة السياسية والثقافية التي رافقته. فقد برز موقف واضح من وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح، الذي شدد في تصريحات متداولة على أن من سبق له تمجيد النظام لا يحق له الوقوف على خشبات المسارح الثقافية قبل تقديم اعتذار للسوريين. هذا الموقف أعطى الانطباع بأن المسألة لم تعد مجرد استجابة لضغط إلكتروني، بل جزءاً من مزاج مؤسسي داخل المشهد الثقافي السوري الجديد.

هل يمكن فصل الفن عن السياسة؟

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس سورياً فقط، بل عربي أيضاً: هل يمكن فعلاً فصل الفن عن السياسة؟ في الظروف العادية قد يميل كثيرون إلى التعامل مع الأغنية أو الحفل أو العمل الدرامي بوصفه منتجاً فنياً مستقلاً عن مواقف صاحبه. لكن في حالات الصراع العنيف، يصبح الأمر أكثر تعقيداً، لأن الفنان لا يُنظر إليه فقط باعتباره صاحب صوت أو حضور جماهيري، بل أيضاً كفاعل رمزي يمكن أن يمنح الشرعية أو يسحبها.

في الحالة السورية تحديداً، يرى معترضون أن بعض الفنانين لم يكتفوا بالصمت، بل شاركوا علناً في تلميع صورة السلطة خلال سنوات دامية، عبر أغنيات ومناسبات وظهور إعلامي حمل رسائل سياسية مباشرة. من هذا المنظور، يصبح استقبالهم مجدداً على المسارح وكأن شيئاً لم يكن أمراً مستفزاً بالنسبة إلى جزء من الجمهور.

في المقابل، يطرح آخرون فكرة أن الفن يجب أن يبقى مساحة مفتوحة، وأن الإقصاء الدائم قد لا يكون حلاً، خصوصاً إذا اقترن بتبدّل في المواقف أو مراجعة صريحة. لكن حتى هذا الطرح يظل مشروطاً، لأن الرأي العام لا يتعامل مع كل الأسماء بالمعيار نفسه، بل يفرّق بين من التزم الصمت، ومن انخرط بوضوح في خطاب تعبوي وسياسي.

لماذا يهم هذا الجدل القارئ المصري؟

بالنسبة إلى جمهور فن عربي في مصر، تتجاوز أهمية هذه القصة حدود سوريا وحدها. فالمشهد الفني العربي بطبيعته عابر للحدود، والفنان اللبناني أو السوري أو الأردني يتحرك داخل سوق جماهيري واحد تقريباً، من بيروت إلى دمشق وصولاً إلى القاهرة والخليج. لذلك فإن أي تبدل في معايير القبول الجماهيري أو المؤسسي في بلد محوري ينعكس على صورة الفنان عربياً.

كما أن القضية تمس سؤالاً مألوفاً في المنطقة كلها: هل يُحاسَب الفنان على مواقفه؟ وهل يمكن للجمهور أن يستهلك العمل الفني بمعزل عن قناعات صاحبه؟ هذه الأسئلة تتكرر كلما ارتبط اسم فنان بملف سياسي حساس، لكنها في سوريا تبدو أكثر حدّة لأن الذاكرة لا تزال قريبة والاصطفافات السابقة لم تتحول بعد إلى مجرد تاريخ.

بين الذاكرة العامة وحق العودة إلى المسرح

الواضح أن الساحة السورية تمر بمرحلة إعادة تعريف لعلاقة الثقافة بالمسؤولية العامة. فالمؤسسات الرسمية، وفي مقدمتها وزارة الثقافة، تبدو أكثر ميلاً إلى مراعاة المزاج الشعبي في ما يخص الأسماء المرتبطة بالنظام السابق. وفي الوقت نفسه، يواصل الشارع التعبير عن موقفه بوسائل مباشرة، من حملات الاعتراض الرقمية إلى رفض المواد الدعائية على الأرض.

هذا لا يعني بالضرورة وجود قاعدة موحدة أو قانون ثابت يطبق على كل الفنانين بالطريقة نفسها، لكنه يكشف عن معيار جديد للقبول: ليس الصوت وحده كافياً، ولا التاريخ الفني بمفرده يضمن العودة، بل هناك سؤال أخلاقي وسياسي صار يسبق الدعوة إلى الحفل.

خلاصة المشهد

إلغاء حفل محمد إسكندر، بعد أسابيع قليلة من إلغاء حفل شادي جميل، يؤكد أن الاحتجاج على الفنانين المؤيدين للأسد لم يعد مجرد موجة عابرة، بل صار عنواناً رئيسياً في النقاش الثقافي السوري خلال 2026. وبين من يرى أن المسرح لا يجب أن ينسى، ومن يطالب بإتاحة فرصة جديدة بعد الاعتذار أو المراجعة، يبقى الثابت أن الفن في المنطقة العربية لا يعيش بعيداً عن السياسة، خاصة عندما تكون الذاكرة الجماعية مثقلة بالخسارات.

وفي المحصلة، تبدو الإجابة الأقرب إلى الواقع أن فصل الفن عن السياسة ليس قراراً نظرياً يُتخذ بسهولة، بل مسألة يحددها السياق. وفي سوريا اليوم، هذا السياق يقول بوضوح إن الجمهور لا يزال يعتبر الموقف السياسي جزءاً من صورة الفنان، وليس تفصيلاً يمكن تجاهله عند رفع الستار.