"القصص" ينعش ذاكرة مصر مع الأوسكار عبر عقود
اختيار جديد يعيد فتح ملف مصر في الأوسكار
عاد اسم السينما المصرية إلى واجهة النقاش الفني بعد اختيار فيلم "القصص" ممثلًا رسميًا لمصر في سباق أوسكار أفضل فيلم دولي ضمن الدورة الـ99، المقرر أن تُقام عام 2027. وبحسب ما نُشر عن الفيلم، فإن العمل من تأليف وإخراج أبو بكر شوقي، ويضم في بطولته نيللي كريم (@nellykarim_official على إنستغرام) إلى جانب أمير المصري وأحمد كمال وفاليري باشنر وصبري فواز وشريف دسوقي، كما تدور أحداثه حول عازف بيانو مصري شاب يخطط للسفر إلى فيينا وسط تحولات سياسية واجتماعية تمتد بين عامي 1967 و1984. وتشير البيانات المنشورة عن الفيلم إلى أن مدته 111 دقيقة، وأنه عُرض في مهرجان تالين الليالي السوداء، ثم شارك لاحقًا في مسارات مهرجانية أخرى.
أهمية هذا الاختيار لا تتوقف عند الفيلم نفسه، بل تمتد إلى كونه يعيد تسليط الضوء على علاقة مصر التاريخية بفئة الفيلم الدولي في جوائز الأكاديمية، وهي علاقة بدأت مبكرًا جدًا عربيًا وأفريقيًا، لكنها لم تصل حتى الآن إلى ترشيح نهائي رسمي ضمن القائمة القصيرة أو الخماسية الأخيرة.
ما الذي يعنيه تمثيل مصر في فئة أفضل فيلم دولي؟
الأكاديمية الأميركية لفنون وعلوم الصور المتحركة تعتمد في هذه الفئة على ترشيح فيلم واحد فقط من كل دولة أو إقليم عبر لجنة اختيار محلية معتمدة، ثم تُراجع الأعمال المقدمة ضمن قائمة الأهلية قبل المرور إلى مراحل الفرز اللاحقة. هذا ما توضحه قواعد الأكاديمية العامة الخاصة بفئة International Feature Film، وهو ما يفسر لماذا يتحول إعلان الفيلم الممثل لمصر كل عام إلى حدث ثقافي مهم داخل الوسط السينمائي.
وفي الحالة المصرية، يؤكد الرصد المنشور محليًا أن البداية كانت مع "باب الحديد" ليوسف شاهين، وهو ما جعله أول فيلم مصري، بل وأول فيلم عربي وأفريقي، يدخل هذا المسار التنافسي رسميًا منذ انطلاق المشاركات المصرية المنتظمة في أواخر الخمسينيات. كما أن مصر واصلت إرسال أفلامها على فترات متفاوتة، مع سنوات نشاط أكبر وأخرى شهدت تراجعًا أو انقطاعًا محدودًا.
من يوسف شاهين إلى الجيل الجديد
حين يُذكر تاريخ مصر مع الأوسكار، يبقى اسم يوسف شاهين حاضرًا بقوة. فبحسب الرصد المحلي، كان شاهين صاحب أكثر من مشاركة مصرية عبر أفلام مثل "باب الحديد" و"إسكندرية... ليه؟" و"إسكندرية كمان وكمان" و"المصير". وهذه المشاركات رسخت لفكرة أن الفيلم المصري يمكنه أن يدخل المنافسة العالمية من بوابة رؤية مؤلف واضحة وهوية محلية قوية.
القائمة المصرية عبر العقود ضمت أيضًا عناوين أصبحت علامات في تاريخ السينما العربية، من بينها "دعاء الكروان" و"اللص والكلاب" و"القاهرة 30" و"المومياء" و"إمبراطورية ميم" و"أريد حلا". وجود هذه الأعمال في سجل المشاركات لا يعني فقط تمثيلًا شرفيًا، بل يكشف كيف حاولت مصر تقديم تنوع كبير في موضوعاتها، من الأدب والهوية والطبقة الوسطى إلى قضايا المرأة والذاكرة الوطنية.
محطات بارزة في السنوات الأخيرة
خلال العقد الأخير، استعادت مصر حضورًا أكثر انتظامًا في السباق. ومن أبرز المحطات الحديثة فيلم "اشتباك" للمخرج محمد دياب، الذي ظهر ضمن قائمة الدول المتقدمة للأوسكار لعام 2016، وفق القائمة الرسمية التي نشرتها الأكاديمية ضمن 85 دولة مشاركة في تلك الدورة.
بعده جاء "يوم الدين" للمخرج أبو بكر شوقي، وقد أدرجته الأكاديمية بالفعل ضمن قائمة الدول المتقدمة في سباق 2018، وهو ما منح اسم شوقي حضورًا متجددًا في ملف الأوسكار المصري قبل عودته الآن مع "القصص".
وفي السنوات الأحدث، واصلت مصر الدفع بأعمال لافتة مثل "سعاد"، الذي ورد باسم مصر في قائمة الأهلية الرسمية للدورة 94 من جوائز الأوسكار، ثم "رحلة 404" الذي ظهر في قائمة الأهلية الرسمية للدورة 97، وهو الفيلم الذي حمل البطولة لمنى زكي وجرى اختياره محليًا ممثلًا لمصر في سباق 2025.
نيللي كريم وحضور لافت في أفلام الأوسكار المصرية
اللافت هذا العام أن اختيار "القصص" يمنح نيللي كريم حضورًا متكررًا في الأفلام التي تمثل مصر في السباق الدولي خلال فترة قصيرة. فالرصد المنشور اليوم أشار إلى وجودها في ثلاثة أفلام اختيرت لتمثيل مصر خلال آخر أربع سنوات: "فوي فوي فوي"، ثم "عيد ميلاد سعيد"، وأخيرًا "القصص". هذا التكرار يعكس مكانتها المستقرة داخل المشهد السينمائي المصري، خصوصًا في المشاريع التي تميل إلى الحس الفني والمهرجاني بالتوازي مع جماهيرية أبطالها.
وبالنسبة إلى أبو بكر شوقي، فإن عودته إلى هذا المسار تمنحه موقعًا خاصًا أيضًا، بعدما سبق أن مثّل مصر بفيلم "يوم الدين"، قبل أن يعود الآن بفيلم جديد مختلف في زمنه الدرامي وتكوينه البصري وحساسيته الموسيقية، وفق المعلومات المنشورة عن "القصص".
لماذا يبقى الوصول إلى الترشيح النهائي صعبًا؟
رغم هذا التاريخ الطويل، فإن التحدي الأكبر أمام الفيلم المصري يظل في الانتقال من خانة الاختيار المحلي إلى الترشيح النهائي داخل الأكاديمية. المنافسة في فئة الفيلم الدولي تضم سنويًا عشرات الدول، وتخضع لاعتبارات فنية وتوزيعية وحملات ترويجية وعرض دولي منظم، إلى جانب حضور قوي في المهرجانات الكبرى. لذلك فإن مجرد الوجود ضمن قائمة الأهلية يظل خطوة أولى فقط، لكنها مع ذلك خطوة بالغة الأهمية لصناعة الصورة الدولية للسينما المصرية.
أبرز الأفلام المصرية التي مثّلت البلاد في الأوسكار
- باب الحديد (1958)
- دعاء الكروان (1959)
- اللص والكلاب (1962)
- القاهرة 30 (1966)
- المومياء (1969)
- المصير (1997)
- عمارة يعقوبيان (2006)
- اشتباك (2016)
- يوم الدين (2018)
- سعاد (2021)
- فوي فوي فوي (2023)
- رحلة 404 (2024/97th Oscars eligibility)
- القصص (ممثل مصر للدورة 99)
ماذا بعد "القصص"؟
اختيار "القصص" لا يضمن بالضرورة وصول الفيلم إلى القوائم النهائية، لكنه يضعه في مسار دولي شديد الأهمية، خصوصًا مع اسم مخرجه وسجل بطولته والاهتمام المتجدد بتاريخ المشاركات المصرية. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن متابعة هذا الملف لا تتعلق فقط بجائزة عالمية شهيرة، بل بفكرة أوسع: كيف تروي السينما المصرية نفسها للعالم، وأي صورة تختار تقديمها حين تتحدث باسم مصر على أكبر منصة سينمائية دولية؟ في هذا المعنى تحديدًا، يبدو "القصص" فصلًا جديدًا في رحلة طويلة لم تُكتب نهايتها بعد.