المهرجان القومي للمسرح يفتح ملف الموسيقى والغناء في العروض
الموسيقى والغناء في قلب النقاش المسرحي
يواصل المهرجان القومي للمسرح المصري توسيع مساحاته الفكرية والفنية في دورته التاسعة عشرة، مع طرح ملف توظيف الموسيقى والغناء في العروض المسرحية بوصفه واحدًا من أكثر الموضوعات ارتباطًا بجماليات الخشبة وقدرتها على التأثير في الجمهور. ويأتي هذا النقاش ضمن فعاليات دورة 2026 التي تُقام برئاسة الفنان محمد رياض، في وقت يسعى فيه المهرجان إلى تقديم صورة أوسع عن المشهد المسرحي المصري، ليس فقط عبر العروض، بل أيضًا من خلال الندوات والورش واللقاءات الفكرية.
أهمية هذا المحور لا تنبع من كونه شأنًا تقنيًا يخص صُنّاع العرض وحدهم، بل لأنه يمس علاقة المتفرج بالمسرح بشكل مباشر. فالموسيقى والغناء في العرض المسرحي يمكن أن يتحولا إلى عنصر درامي يشارك في بناء المعنى، وصناعة الإيقاع، وتكثيف المشاعر، أو حتى إعادة تشكيل تلقي الحكاية نفسها، خاصة في العروض التي تميل إلى الاستعراض أو الشعرية أو استدعاء التراث الغنائي المصري. وهذه الرؤية تنسجم مع توجهات المهرجان هذا العام نحو مناقشة أشكال التطوير في اللغة المسرحية المعاصرة.
دورة 2026.. أرقام تعكس اتساع الحركة المسرحية
الحديث عن الموسيقى والغناء يأتي داخل دورة تشهد حضورًا واسعًا على مستوى الأنشطة والعروض. فبحسب ما أُعلن في افتتاح الدورة التاسعة عشرة، استقبلت مسابقة العروض 126 عرضًا، وتأهل منها 35 عرضًا إلى المسابقة الرسمية، إلى جانب 3 عروض على الهامش. كما تشمل الدورة برنامجًا فكريًا وتدريبيًا كبيرًا يضم 23 ندوة فكرية و11 ورشة في القاهرة، فضلًا عن امتداد الفعاليات إلى المنصورة ضمن شعار «في كل مصر».
وأُقيم الافتتاح الرسمي للدورة يوم السبت 25 يوليو 2026 على المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، بينما تستمر الفعاليات حتى 11 أغسطس 2026. وتشير هذه المواعيد إلى أن المهرجان لا يكتفي بدور الاحتفاء السنوي، بل يتحرك كمنصة ممتدة لقراءة واقع المسرح المصري، بما في ذلك قضايا الأداء، والكتابة، والصوت، والموسيقى، وبناء الجمهور.
لماذا يبدو هذا الملف مهمًا الآن؟
في السنوات الأخيرة، اتجهت قطاعات واسعة من المسرح المصري إلى استعادة الصوت الغنائي بوصفه جزءًا من التكوين الدرامي، سواء عبر الأعمال التي تعتمد على الأشعار والألحان الأصلية، أو من خلال عروض تستلهم القالب الغنائي والاستعراضي، أو حتى أعمال تستخدم الموسيقى الحية كعنصر أساسي داخل المشهد. ومن هنا، فإن مناقشة توظيف الموسيقى والغناء لا تبدو ترفًا تنظيريًا، بل تلامس تجربة حاضرة بالفعل في عدد من العروض المشاركة أو المصاحبة لفعاليات المهرجان. وهذا استنتاج تحليلي تدعمه طبيعة العروض والأنشطة المُعلنة في الدورة الحالية.
من بين الأمثلة اللافتة هذا العام، عرض «فتاة المترو» الذي يقدمه المهرجان كأول تجربة إنتاجية له، بالتعاون بين وزارة الثقافة وصندوق التنمية الثقافية. ويستند العرض إلى نص فائز في مسابقة التأليف المسرحي، مع أشعار لعبدالله حسن وألحان وموسيقى لشريف حمدان، ما يجعله نموذجًا واضحًا لعلاقة الموسيقى ببنية العمل المسرحي وليس مجرد عنصر مكمّل له. كما يشارك في بطولته الفنان عزت زين إلى جانب خريجي ومتدربي ورش المهرجان.
كذلك تضم قائمة العروض الرسمية أعمالًا تحمل في عناوينها أو موضوعاتها صلة مباشرة بالغناء والموسيقى، من بينها «يوم أن قتلوا الغناء» المشارك ضمن عروض الهيئة العامة لقصور الثقافة، وهو ما يبرز حضور هذا الخط الفني داخل برمجة الدورة نفسها، وليس فقط على مستوى النقاش الفكري المصاحب لها.
محمد رياض ورهان توسيع دور المهرجان
الفنان محمد رياض أكد في أكثر من مناسبة أن المهرجان لم يعد مجرد مناسبة لعرض الأعمال المتنافسة، بل صار حالة مسرحية ممتدة تهدف إلى دعم الأجيال الجديدة والاحتفاء بالرواد وتوسيع الانتشار الجغرافي والثقافي للمسرح. وفي هذا السياق، تبدو مناقشة موضوعات مثل الموسيقى والغناء جزءًا من مشروع أشمل لتطوير أدوات العرض المصري ومواكبة التحولات الجمالية في المسرح الحديث.
كما كشف رياض أن الميزانية المخصصة للمهرجان تبلغ 4.1 مليون جنيه، بينما تتجاوز القيمة الفعلية للأنشطة والخدمات والعروض 30 مليون جنيه، وهو ما يعكس حجم الشراكات المؤسسية التي تقف خلف الدورة الحالية، بما في ذلك التعاون مع أكاديمية الفنون لاستضافة بعض الأنشطة والاستفادة من الخبرات الأكاديمية والفنية.
الموسيقى على الخشبة.. بين الزينة والبناء الدرامي
أكثر ما يمنح هذا النقاش أهمية لدى جمهور الفن في مصر هو أنه يقترب من سؤال قديم متجدد: متى تكون الموسيقى في المسرح عنصرًا حيًا داخل الحكاية، ومتى تتحول إلى مجرد خلفية صوتية؟ الإجابة تختلف من عرض إلى آخر، لكن المؤكد أن التجارب الأنجح عادة ما تجعل الموسيقى والغناء جزءًا من الشخصية والموقف والزمن المسرحي، لا مجرد فاصل بين المشاهد. وفي المسرح المصري تحديدًا، يظل التراث الغنائي والاستعراضي رصيدًا كبيرًا يمكن استثماره مع الحفاظ على روح المعاصرة. وهذه قراءة نقدية تستند إلى طبيعة الأعمال والفعاليات التي يبرزها المهرجان هذا العام.
ومن زاوية جماهيرية، فإن هذا النوع من الندوات يهم القارئ المصري لأنه يفسر كيف تُصنع المتعة على المسرح، ولماذا تعلق بعض الأغنيات أو الجمل اللحنية في الذاكرة بعد انتهاء العرض. كما يفتح الباب أمام صُنّاع المسرح الشباب لإعادة التفكير في العلاقة بين النص والموسيقى والأداء الصوتي، خصوصًا مع وجود ورش تدريبية واسعة النطاق ضمن الدورة الحالية.
دلالة خاصة لقسم «الموسيقى والمشاهير»
بالنسبة لمتابعي أخبار الفن في مصر، فإن التركيز على هذا الملف يضع الموسيقى في مكانها الطبيعي داخل المشهد المسرحي، لا باعتبارها عنصرًا ثانويًا، بل بوصفها شريكًا أساسيًا في صناعة الأثر الفني. كما أن وجود أسماء معروفة في إدارة الدورة وفعالياتها، على رأسها محمد رياض، يضيف زخمًا جماهيريًا وإعلاميًا للنقاش، ويمنحه فرصة للوصول إلى جمهور أوسع خارج الدوائر المسرحية المتخصصة.
وفي المحصلة، تبدو مناقشة توظيف الموسيقى والغناء في العروض المسرحية واحدة من العلامات المهمة في دورة 2026 من المهرجان القومي للمسرح المصري. فهي لا تكتفي بالاحتفاء بالعروض، بل تطرح سؤالًا فنيًا مباشرًا عن مستقبل الصوت على الخشبة المصرية: كيف يمكن للموسيقى أن تُضيف معنى، وكيف يتحول الغناء من أداء جميل إلى لغة مسرحية كاملة؟ هذا هو الرهان الحقيقي الذي يمنح الندوة قيمتها داخل دورة حافلة بالأرقام والفعاليات والرهان على جمهور جديد للمسرح في مصر.
- رئيس المهرجان: محمد رياض.
- الدورة الحالية: التاسعة عشرة لعام 2026.
- موعد الفعاليات: من 25 يوليو إلى 11 أغسطس 2026.
- عدد العروض الرسمية: 35 عرضًا، مع 3 عروض على الهامش وفق أرقام الافتتاح.
- من أبرز العروض المرتبطة بالموسيقى: «فتاة المترو» و«يوم أن قتلوا الغناء».