المهرجان القومي للمسرح يكرّم عبد الرحمن أبو زهرة في يوم الوفاء
المهرجان القومي للمسرح يواصل الاحتفاء برموز الفن المصري
يأتي اسم الفنان الراحل عبد الرحمن أبو زهرة في صدارة لحظات الوفاء التي يشهدها المهرجان القومي للمسرح المصري خلال دورته التاسعة عشرة، إذ يخصص المهرجان فعالية بعنوان "يوم الوفاء لرموز المسرح" لاستعادة أثر واحد من أهم أصحاب البصمة في تاريخ الأداء المسرحي والدرامي في مصر. ويقام المهرجان هذا العام برئاسة الفنان محمد رياض وبرعاية وزارة الثقافة المصرية، ضمن دورة انطلقت في 25 يوليو 2026 وتستمر حتى 11 أغسطس 2026 تحت شعار "في كل مصر".
الفعالية تحمل بعدًا خاصًا هذه المرة، لأنها تأتي بعد أسابيع من رحيل أبو زهرة، الذي غاب عن الساحة الفنية في 11 مايو 2026 بعد رحلة طويلة صنع خلالها مكانة نادرة بين نجوم المسرح والدراما والإذاعة والسينما. ويمثل إدراج اسمه في برنامج الوفاء داخل المهرجان امتدادًا لنهج المؤسسة في ربط الأجيال الجديدة بجذور المسرح المصري ورواده الذين أسهموا في تشكيل وجدانه.
دورة 2026.. مسرح يمتد من القاهرة إلى المحافظات
الدورة الحالية من المهرجان القومي للمسرح المصري، برئاسة محمد رياض، تحمل ملامح تنظيمية وفنية لافتة، إذ أعلن المهرجان أن الفعاليات لا تقتصر على القاهرة فقط، بل تمتد إلى محافظات عدة في إطار التوسع الثقافي والوصول إلى جمهور أوسع. كما انطلق حفل الافتتاح على المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية مساء السبت 25 يوليو 2026، بحضور قيادات ثقافية وفنية وشخصيات عامة، بينما تضمن البرنامج عروضًا وندوات وورشًا وماستر كلاس ولقاءات فكرية مرتبطة بالحركة المسرحية في مصر.
هذا السياق يمنح تكريم اسم عبد الرحمن أبو زهرة وزنًا إضافيًا، لأن الاحتفاء به لا يأتي كفقرة بروتوكولية، بل كجزء من خطاب ثقافي يربط بين الماضي والحاضر، ويؤكد أن تاريخ المسرح المصري لا يُقرأ فقط عبر النصوص والعروض، بل أيضًا عبر سِيَر الفنانين الذين صنعوا لغته وحضوره.
لماذا يحظى عبد الرحمن أبو زهرة بهذه المكانة؟
يصعب الحديث عن عبد الرحمن أبو زهرة من دون التوقف أمام علاقته الأصيلة بالمسرح. الفنان الراحل وُلد في 8 مارس 1934 بمدينة دمياط، وتخرج في المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1958، ثم بدأ رحلته العملية على المسرح القومي في 1959. ومنذ بداياته، ارتبط اسمه بالعروض التي جمعت بين الانضباط الأدائي والقدرة على بناء الشخصية من الداخل، وهي عناصر جعلته واحدًا من الوجوه الأهم في أجيال المسرح الحديث في مصر.
ولم تتوقف مسيرته عند خشبة المسرح فقط، بل امتدت إلى التلفزيون والسينما والإذاعة، مع احتفاظه دائمًا بهالة الفنان المسرحي القادر على ضبط النبرة والحركة والإيقاع. وبين جمهور الدراما، بقيت أدواره حاضرة في الذاكرة المصرية والعربية، سواء عبر شخصياته المركبة أو حضوره الصوتي المميز الذي منحه مكانة فريدة في أعمال الدبلجة أيضًا.
أعمال مسرحية بارزة في مشواره
ضمن ما وثقته الجهات الثقافية المصرية عند نعيه، ترك أبو زهرة قائمة مهمة من العروض المسرحية التي رسخت اسمه بين كبار الفنانين، ومن بينها:
- الفرافير
- حلاق بغداد
- ياسين وبهية
- بداية ونهاية
- الابن الأكبر
- الحسين ثائرًا
- لعبة السلطان
- ست الملك
- السبنسة
هذه الأعمال وغيرها تفسر لماذا يُستعاد اسمه كلما جرى الحديث عن فن الأداء القائم على الحضور اللغوي والقدرة على الانتقال بين الكلاسيكي والشعبي، وبين الشخصيات التاريخية والاجتماعية.
تكريم بعد الرحيل.. معنى ثقافي يتجاوز الرثاء
اختيار اسم عبد الرحمن أبو زهرة ضمن فعالية "يوم الوفاء لرموز المسرح" يحمل دلالة تتجاوز مجرد التأبين. فالمهرجان هنا يعيد وضع الفنان الراحل في موقعه الطبيعي داخل الذاكرة المؤسسية للمسرح المصري، خاصة أن المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية كان قد أشار عند نعيه إلى أنه سبق تكريمه في 2018 تقديرًا لدوره بين رواد المسرح المصري.
وتكمن أهمية هذا النوع من الفعاليات في أنه يمنح الجمهور الأصغر سنًا فرصة للتعرف على أسماء صنعت تاريخ الخشبة قبل زمن المنصات الرقمية والانتشار السريع، كما يمنح الوسط المسرحي نفسه فرصة لمراجعة القيمة الفنية للرموز الذين أسسوا معايير الأداء والالتزام المهني.
محمد رياض ورؤية المهرجان في دورة الوفاء والتوسّع
منذ إعلان تفاصيل الدورة التاسعة عشرة، ركز المهرجان القومي للمسرح المصري بقيادة محمد رياض على فكرة الانفتاح على المحافظات، إلى جانب الاحتفاء بالرموز الفنية التي دعمت المسرح المصري عبر عقود. وفي افتتاح الدورة، أكد البرنامج الرسمي حضور عدد من المكرمين من رموز الفن والثقافة، في احتفالية أرادت أن توازن بين دعم الحاضر وحفظ إرث الرواد.
وفي هذا الإطار، يبدو تكريم عبد الرحمن أبو زهرة متسقًا تمامًا مع فلسفة الدورة: مسرح يتحرك داخل مصر جغرافيًا، ويعود في الوقت نفسه إلى ذاكرته التاريخية. ولهذا فإن ندوة الوفاء الخاصة باسمه تكتسب قيمة مضاعفة، لأنها تُعيد تقديم سيرته بوصفها جزءًا من الحكاية الكبرى للمسرح المصري، لا مجرد مسيرة فردية لفنان محبوب.
أبو زهرة في ذاكرة الجمهور المصري
رغم أن الخبر يرتبط بالمسرح أساسًا، فإن مكانة عبد الرحمن أبو زهرة لدى الجمهور المصري أوسع من ذلك بكثير. أجيال متعددة عرفته من خلال أدواره في التلفزيون، ومن بينها حضوره اللافت في أعمال اجتماعية وشعبية، بينما احتفظت السينما بملامح أخرى من موهبته، وبقي صوته علامة خاصة في الذاكرة العربية. هذه القدرة على العبور بين الوسائط المختلفة منحت أي تكريم له طابعًا جماهيريًا، لا نخبوية فيه، وجعلت اسمه مفهومًا ومؤثرًا لدى المتابع العادي كما لدى المسرحيين والنقاد.
ومن هنا، فإن استعادة سيرته داخل مهرجان مسرحي وطني لا تبدو معزولة عن وجدان الناس، بل أقرب إلى رد جميل مستحق لفنان أسهم في تشكيل جزء من الوعي الفني المصري على مدى أكثر من ستة عقود.
لحظة وفاء تليق باسم كبير
في النهاية، تبدو فعالية الوفاء لاسم عبد الرحمن أبو زهرة داخل المهرجان القومي للمسرح المصري واحدة من أكثر محطات الدورة التاسعة عشرة دلالة وإنسانية. فهي لا تستعيد فقط فنانًا راحلًا، بل تستدعي قيمة كاملة يمثلها: احترام المهنة، والانحياز للنص الجيد، والقدرة على صناعة أثر يبقى بعد الغياب.
وبينما تتواصل عروض وندوات المهرجان حتى 11 أغسطس 2026، يظل الاحتفاء باسم أبو زهرة تذكيرًا واضحًا بأن المسرح المصري لا يعيش على الحاضر وحده، بل على ذاكرة ممتدة من الرواد الذين جعلوا الخشبة المصرية واحدة من أهم مساحات الفن والتنوير في العالم العربي.