آمال مثلوثي تعود بألبوم «مرا» برسالة نسوية جريئة
عودة فنية جديدة لآمال مثلوثي عبر ألبوم «مرا»
تعود الفنانة التونسية آمال مثلوثي، المعروفة عالميًا باسم EMEL، إلى الواجهة بألبومها «مرا»، وهو عمل صدر في 19 أبريل 2024 ويقدم امتدادًا مختلفًا لمسيرتها التي ارتبطت منذ بداياتها بفكرة الحرية والاحتجاج الفني. في هذا المشروع، لا تكتفي مثلوثي بتقديم أغانٍ جديدة، بل تبني عالمًا سمعيًا كاملًا يضع المرأة في مركز الحكاية، سواء على مستوى الموضوعات أو على مستوى صناعة الألبوم نفسه.
وبالنسبة للقارئ المصري المهتم بأخبار الفن العربي، فإن أهمية هذا الألبوم لا تتوقف عند كونه إصدارًا جديدًا لفنانة تونسية بارزة، بل لأنه يطرح نموذجًا فنيًا قريبًا من مزاج الجمهور الذي يتابع اليوم الأعمال العابرة للأنماط، حيث تختلط الموسيقى الإلكترونية مع البوب والهيب هوب دون أن تفقد الأغاني بعدها الإنساني أو نبرتها العربية.
ما الذي يميز ألبوم «مرا»؟
يحمل عنوان الألبوم كلمة «مرا»، أي «امرأة» باللهجة العربية، وهو اختيار يوضح طبيعة المشروع منذ البداية. العمل يأتي برؤية نسوية صريحة، ويعكس اهتمام آمال مثلوثي بقضايا النساء والتمثيل العادل لهن داخل الصناعة الموسيقية، لا بوصفهن موضوعًا للأغنية فقط، بل باعتبارهن شريكات كاملات في الكتابة والإنتاج والتنفيذ.
اللافت في الألبوم أن مثلوثي ذهبت فيه إلى مساحة صوتية أكثر جرأة مقارنة بأعمالها التي عُرفت لدى شريحة واسعة من الجمهور العربي منذ أغنية «كلمتي حرة». هنا تبدو المقاربة أكثر حداثة وإيقاعًا، مع حضور واضح للإلكترونيك، وإيقاعات مستمدة من الهيب هوب، وتلوينات بوب معاصر تمنح المشروع طابعًا عالميًا من دون أن يقطع صلته بجذوره الثقافية.
بين الصوت الشخصي والرسالة العامة
لا ينحصر «مرا» في كونه ألبومًا ذا طابع احتجاجي مباشر، بل يقدم خطابًا فنيًا أوسع عن الحرية والسلام والتضامن الإنساني. هذا ما يجعل العمل قريبًا من فكرة «البيان الفني»، حيث تتحول الأغنية إلى مساحة للتعبير عن تجارب النساء، وعن مقاومة العنف بأشكاله المختلفة، سواء كان عنفًا اجتماعيًا أو رمزيًا أو سياسيًا.
ومن هذه الزاوية، يكتسب الألبوم قيمة خاصة في المشهد الثقافي العربي، لأنه يطرح قضية المرأة عبر أدوات فنية معاصرة، بعيدًا عن المباشرة الخطابية الثقيلة. الأغاني هنا لا تكتفي بالشعار، بل تعتمد على بناء مزاجي وصوتي يجعل الرسالة جزءًا من التجربة السمعية نفسها.
آمال مثلوثي من «كلمتي حرة» إلى «مرا»
اسم آمال مثلوثي حاضر بقوة في الذاكرة العربية منذ ارتبط صوتها بأغنية «كلمتي حرة»، التي تحولت إلى واحدة من أكثر الأغاني التصاقًا بصورة الثورة التونسية. كما سبق لها أن قدمت أداءً لافتًا في حفل جائزة نوبل للسلام عام 2015، وهو ما رسخ مكانتها كفنانة عربية ذات حضور دولي، تجمع بين الحس الشعري والنبرة الاحتجاجية.
لكن «مرا» لا يعيد إنتاج تلك اللحظة القديمة، بل يثبت أن مثلوثي تسعى إلى تجاوز الصورة النمطية لفنانة الاحتجاج. فبدل البقاء في المساحة نفسها، تختبر هنا شكلًا موسيقيًا أكثر انفتاحًا على التجريب، مع حفاظها على ثبات الموضوعات التي شغلتها منذ البداية: الكرامة، الجسد، الحرية، والهوية.
ألبوم نسوي في التكوين أيضًا
من أبرز النقاط التي حظيت باهتمام عند صدور «مرا» أن الألبوم بُني بتعاون نسائي واسع، إذ اختارت آمال مثلوثي أن تمنح النساء دورًا أساسيًا في تفاصيل المشروع الفنية. هذه الفكرة تضيف بعدًا عمليًا إلى رسالته، لأن الحديث عن تمكين المرأة لا يبقى محصورًا داخل الكلمات، بل يمتد إلى آليات العمل نفسها داخل الاستوديو وخلف الكواليس.
وتشير التقارير المنشورة عن الألبوم إلى مشاركة أسماء نسائية من خلفيات مختلفة، بما يمنح العمل بعدًا عابرًا للحدود واللغات. وهذا التنوع ينسجم مع شخصية مثلوثي الفنية التي عاشت وتحركت بين أكثر من فضاء ثقافي، واعتادت مخاطبة جمهور عربي ودولي في الوقت نفسه.
لماذا يهم هذا الألبوم جمهور «السينما والدراما»؟
رغم أن «مرا» ألبوم موسيقي في الأساس، فإن حضوره يتقاطع بوضوح مع اهتمامات قسم السينما والدراما. فمثل هذه الأعمال غالبًا ما تترك أثرًا يتجاوز الاستماع المباشر إلى الصورة والدراما والوثائقيات، خاصة حين تمتلك هذا القدر من الوضوح البصري والموضوعي. موسيقى آمال مثلوثي، بطابعها السينمائي الكثيف، تبدو مؤهلة للعبور إلى مساحات الساوندتراك، والأعمال الدرامية التي تبحث عن صوت نسائي قوي ومعاصر.
وفي السياق المصري، يتزايد اهتمام الجمهور بأشكال الفن التي تمزج الرسالة الاجتماعية بالصياغة الجمالية، سواء في الأفلام المستقلة أو المسلسلات ذات الطابع الإنساني. من هنا يمكن قراءة «مرا» كجزء من موجة أوسع من الأعمال العربية التي تسعى إلى إعادة تعريف صورة المرأة داخل المشهد الفني، ليس فقط كشخصية درامية، بل كصاحبة خطاب وأداة تغيير.
لغة موسيقية تناسب العصر
يعتمد الألبوم على بناء صوتي حديث يجعله قريبًا من المستمع الشاب الذي يتنقل بسهولة بين المنصات الرقمية وأنواع الموسيقى المختلفة. وهذا عنصر مهم في نجاح أي عمل فني اليوم، لأن قوة الرسالة وحدها لا تكفي من دون قالب جذاب وقابل للتداول. آمال مثلوثي تبدو واعية بهذه المعادلة؛ فهي تقدم مضمونًا جادًا، لكن عبر إنتاج معاصر وإيقاعات قادرة على الوصول إلى جمهور متنوع داخل المنطقة العربية وخارجها.
- تاريخ الإصدار: 19 أبريل 2024
- الاسم الفني المتداول عالميًا: EMEL
- الطابع الموسيقي: إلكترونيك، بوب، وهيب هوب
- الثيمة الرئيسية: المرأة، الحرية، ومناهضة العنف
قراءة أخيرة في دلالة «مرا»
في النهاية، يمكن اعتبار «مرا» واحدًا من أبرز الإصدارات العربية التي لفتت الانتباه في 2024، ليس فقط بسبب اسم آمال مثلوثي وثقل تجربتها، بل لأن الألبوم ينجح في الجمع بين الموقف والابتكار. هو عمل يراهن على الموسيقى كمساحة مقاومة وشفاء وتضامن، ويؤكد أن الفن العربي المعاصر ما زال قادرًا على إنتاج أصوات مؤثرة تتفاعل مع قضايا الناس من دون أن تتخلى عن الطموح الجمالي.
وبالنسبة للمتابع المصري، فإن «مرا» يستحق التوقف عنده بوصفه مشروعًا يفتح نقاشًا أوسع حول حضور المرأة في الصناعات الإبداعية العربية، وحول قدرة الألبوم الغنائي نفسه على أن يكون حدثًا ثقافيًا يتقاطع مع الدراما والصورة والوعي العام. هكذا تعود آمال مثلوثي، لا لتكرر نجاحاتها السابقة، بل لتؤكد أن صوتها ما زال يملك ما يقوله، وبشكل أكثر نضجًا وجرأة.