أيمن بهجت قمر: سيد حجاب فتح لي باب تترات الدراما
أيمن بهجت قمر يستعيد البدايات: سيد حجاب كان المعلم الأقرب إلى القلب
عاد اسم الشاعر الغنائي والسيناريست المصري أيمن بهجت قمر إلى الواجهة بعد حديثه عن الكواليس الأولى لدخوله عالم تترات المسلسلات، وهو المسار الذي ارتبط لاحقاً بعدد كبير من الأعمال الدرامية التي علقت في ذاكرة الجمهور العربي. وخلال ظهوره التلفزيوني في يناير 2025، تحدث قمر بصراحة عن الدور الحاسم الذي لعبه الشاعر الكبير الراحل سيد حجاب في تشكيل وعيه الفني، مؤكداً أنه لم يكن مجرد اسم كبير في حياته المهنية، بل كان أقرب إلى الأب الروحي والأستاذ الذي احتواه في مرحلة صعبة ومهّد له الطريق نحو هذا النوع الخاص من الكتابة.
هذه الشهادة لا تأتي من فراغ؛ فمسيرة سيد حجاب في الثقافة العربية جعلته أحد أهم الأسماء التي منحت تترات الدراما مكانتها الخاصة، بينما تحوّل أيمن بهجت قمر لاحقاً إلى واحد من أبرز المجددين في هذا المجال، عبر لغة أقرب إلى الناس وإحساس أكثر التصاقاً بالشخصيات والدراما نفسها.
كيف بدأ الخيط الأول بين أيمن بهجت قمر وسيد حجاب؟
بحسب ما رواه أيمن بهجت قمر، فإن سيد حجاب لم يكتفِ بالنصيحة الفنية، بل قدّم له دعماً إنسانياً واضحاً بعد وفاة والده. وأوضح أن حجاب احتواه في تلك الفترة، وقرّبه من عالم الشعر بصورة عملية، فأعطاه قصائده ليقرأها، وكان يسمعه أغاني المسرحيات، في تجربة صنعت جزءاً مهماً من تكوينه الفني واللغوي. هذا النوع من الرعاية المباشرة يفسّر لماذا يصر قمر على وصفه بالأب الروحي، لا مجرد معلم عابر في بداية المشوار.
كما أشار قمر في أكثر من مناسبة إلى أن تأثره بسيد حجاب جاء جنباً إلى جنب مع قراءاته المبكرة لبيرم التونسي وصلاح جاهين، وهو ما انعكس لاحقاً على أسلوبه الذي يميل إلى البساطة الذكية، والسخرية الرشيقة، والقدرة على التقاط تفاصيل الحياة اليومية في كلمات قابلة للغناء والتداول.
«الوتد».. الانطلاقة الأولى في عالم التترات
اللحظة الفارقة في هذا المسار كانت مع مسلسل «الوتد». فقد كشف أيمن بهجت قمر أن هذا العمل كان أول مسلسل يكتب له تترًا، وأنه حصل وقتها على 2000 جنيه مقابل 18 أغنية داخل العمل. كما أشار إلى أن أغنية البداية حملت مطلعاً ظل عالقاً في ذاكرته بوصفها بوابته الحقيقية إلى هذا العالم.
أهمية هذه المحطة لا ترتبط فقط بكونها البداية، بل لأنها وضعت اسمه مبكراً داخل منطقة شديدة الخصوصية في الدراما العربية، وهي منطقة التتر؛ ذلك النص الغنائي المكثف الذي يلخّص روح العمل ويمنح المشاهد مفتاحه الشعوري قبل انطلاق الأحداث.
ومن هنا يمكن فهم لماذا بقي «الوتد» حاضراً في كل مرة يتحدث فيها قمر عن البدايات. فالنجاح في كتابة تتر مؤثر لا يعني فقط كتابة كلمات جميلة، بل يتطلب إدراكاً درامياً عميقاً، وقدرة على ترجمة الحالة النفسية والاجتماعية للمسلسل في دقائق قليلة.
من التلمذة إلى التجديد: كيف صنع أيمن بهجت قمر بصمته؟
مع مرور الوقت، لم يتوقف أيمن بهجت قمر عند حدود التعلّم من جيل الأساتذة، بل نجح في تكوين نبرة خاصة به. ووفق بيانات سيرته الفنية المنشورة على مواقع التوثيق السينمائي، فقد توسعت أعماله بين كتابة الأغاني والسيناريو، كما ارتبط اسمه بعدد كبير من تترات المسلسلات، من بينها أعمال مثل «أهل كايرو» و«ابن الأرندلي» و«الشك».
وفي حديث آخر، قال قمر إنه كتب أغانٍ لما يصل إلى 150 مسلسلاً، وهو رقم يعكس حجم حضوره في هذا الفرع من الصناعة الفنية. كما برز اسمه في تترات لاقت رواجاً جماهيرياً واسعاً مثل «إمام الدعاة»، وهو العمل الذي أوضح أنه كتبه متبرعاً بأجره، وغناه محمد فؤاد، وكان سبباً مهماً في اتساع حضوره داخل هذا اللون الفني.
المثير هنا أن تجربة قمر لم تكن امتداداً حرفياً لمدرسة سيد حجاب، بل تطويراً عليها. فإذا كان جيل حجاب قد أسّس للمكانة الوجدانية والفكرية للتتر، فإن جيل أيمن بهجت قمر أعاد تقديمه بصياغات أكثر اقتراباً من اللغة اليومية، من دون التخلي عن العمق الدرامي.
حتى الأجر كان يحمل حكاية مع سيد حجاب
ومن التفاصيل اللافتة التي كشفها قمر أيضاً، حكايته الطريفة مع أجر التترات، إذ روى أنه تعمّد في إحدى المرات طلب مبلغ كبير من منتج جديد، لا لشيء إلا حتى يُصبح هناك مبرر لأن يطلب أستاذه سيد حجاب أجراً أعلى، انطلاقاً من أن الأستاذ ينبغي أن يكون في مكانة مالية تليق بقيمته إذا كان تلميذه يحصل على رقم أكبر. الحكاية تكشف جانباً آخر من علاقة الامتنان التي ظل قمر يحتفظ بها تجاه الشاعر الراحل، كما تعكس إدراكه المبكر لفارق القيمة الرمزية بين الأجيال داخل صناعة الدراما.
لماذا يبقى التتر مهماً في ذاكرة المشاهد العربي؟
في السوق العربية عموماً، والمصرية خصوصاً، لا يُنظر إلى تتر المسلسل بوصفه مقدمة فنية هامشية، بل باعتباره جزءاً من الهوية الكاملة للعمل. كثير من المشاهدين في مصر والمنطقة يتذكرون المسلسلات من تتراتها قبل تفاصيل بعض الحلقات نفسها، وهو ما يفسر استمرار الاهتمام بهذا اللون رغم تبدل عادات المشاهدة ومنصات العرض.
وفي هذا السياق، تبدو شهادة أيمن بهجت قمر مهمة لأنها تعيد التذكير بأن تترات الدراما لم تنشأ من فراغ، بل من تقليد فني وثقافي ساهم في بنائه شعراء كبار مثل سيد حجاب، ثم واصل تطويره كتّاب من أجيال لاحقة. لذلك فإن الحديث عن البدايات هنا ليس مجرد حنين شخصي، بل توثيق لمسار كامل داخل صناعة الترفيه العربية.
حضور مستمر في المشهد الفني
بعيداً عن استعادة الذكريات، يظل أيمن بهجت قمر اسماً فاعلاً في المشهد الفني المصري حتى الآن. فإلى جانب تاريخه الطويل في الأغنية والدراما، تُظهر التغطيات الفنية الحديثة استمرار حضوره كمؤلف وكاتب كلمات في أعمال معاصرة، ما يمنح تصريحاته عن سيد حجاب وزناً إضافياً؛ لأنها صادرة عن صاحب تجربة ممتدة، لا عن حكاية قديمة فقط.
كما أن استدعاء اسم سيد حجاب في هذا التوقيت يفتح الباب مجدداً أمام نقاش أوسع حول قيمة الكلمة في الدراما، ودور الشعراء في صناعة ذاكرة جماعية عابرة للسنوات والحدود. وبين جيل التأسيس وجيل التجديد، يبقى المؤكد أن رحلة أيمن بهجت قمر مع التترات بدأت من باب واضح: أستاذ آمن بموهبته، ومسلسل أول منحه الفرصة، وموهبة عرفت كيف تحول الفرصة إلى مسار كامل.
- أبرز ما أكده أيمن بهجت قمر: سيد حجاب كان صاحب التأثير الأهم في دخوله هذا المجال.
- أول تتر في مشواره: مسلسل «الوتد».
- تفاصيل من البداية: 2000 جنيه مقابل 18 أغنية داخل العمل.
- من أبرز التترات اللاحقة: «إمام الدعاة»، «أهل كايرو»، «ابن الأرندلي»، «الشك».
وبالنسبة لجمهور الدراما في مصر والعالم العربي، فإن هذا النوع من الاعترافات يضيف طبقة إنسانية ثمينة إلى تاريخ الأعمال التي أحبها الناس. فخلف كل تتر عالق في الوجدان، هناك في العادة معلم، وتلميذ، ولحظة بداية لا تُنسى.