المازيكاتي

بعد «ليلة عظيمة».. كيف تبدأ الأوبرا موسمها بالكلاسيكيات؟

افتتاح يراهن على الذاكرة الفنية لا على المفاجأة فقط

مع بداية الموسم الفني 2026-2027، اختارت دار الأوبرا المصرية أن تفتتح برنامجها في القاهرة عبر حفل يحمل عنوان «ليلة عظيمة»، وهو اختيار يقول الكثير عن فلسفة البداية نفسها. فبدلاً من تقديم عمل واحد طويل أو رهان افتتاحي مغلق على اسم بعينه، جاء الحفل كصيغة بانورامية تستدعي كلاسيكيات الأوبرا والباليه والموسيقى العالمية في أمسية واحدة على المسرح الكبير، لتقدم للجمهور مدخلاً سريعاً وكثيفاً إلى روح الموسم الجديد.

وبحسب ما أعلنته مصادر صحفية مصرية موثوقة قبل الحفل وبعده، فقد قُدمت الاحتفالية على المسرح الكبير مساء الأربعاء 9 سبتمبر 2026 في الثامنة مساءً، بقيادة المايسترو محمد سعد باشا مع أوركسترا أوبرا القاهرة، وبمشاركة فرقة باليه أوبرا القاهرة تحت الإشراف الفني لـأرمينيا كامل، وفرقة أوبرا القاهرة بإشراف جولي فيظي، وكورال أوبرا القاهرة بإشراف باسكال روزيه، بينما تولى الإخراج مهدي السيد. كما حضر اسم الدكتور رضا الوكيل في الافتتاح بصفته رئيس دار الأوبرا المصرية وأحد المشاركين غنائياً في الحفل.

هذه الصيغة ليست مجرد احتفال بروتوكولي ببداية الموسم، بل إعلان واضح عن الطريقة التي تريد بها دار الأوبرا المصرية أن تخاطب بها جمهور القاهرة: تجميع الأعمال الخالدة في قالب أقرب إلى العرض المختصر عالي الإيقاع، بحيث يجد المتفرج القديم ما يعرفه، ويجد المتلقي الجديد باباً سهلاً للدخول إلى عالم قد يبدو بعيداً أو نخبوياً إذا قُدم بصورته التقليدية الكاملة منذ اللحظة الأولى.

كيف أعادت «ليلة عظيمة» تقديم الكلاسيكيات؟

البرنامج نفسه يكشف الإجابة. فقد ضم مختارات من أعمال شهيرة مثل «زواج فيجارو» و«الناي السحري» لموتسارت، و«كافاليريا روستيكانا» لبييترو ماسكاني، و«صلاة الغروب في صقلية» و«التروفاتوري» لفيردي، و«توسكا» و«توراندوت» لبوتشيني، إلى جانب «كارمينا بورانا» لكارل أورف، ومشاهد من «بحيرة البجع» لتشايكوفسكي، و«كارمن» لبيزيه، وتابلوه راقص من «الأمير إيجور» لبورودين.

هذا الترتيب ليس عشوائياً. فدار الأوبرا هنا لا تعيد تقديم الكلاسيكيات عبر استنساخها حرفياً، بل عبر الانتقاء والضغط الدرامي. بمعنى آخر، يتم اختيار المقاطع الأكثر شهرة وتأثيراً بصرياً وسمعياً، ثم ترتيبها داخل ليلة واحدة تسمح بتجاور الغناء الأوبرالي مع الباليه والكورال والأوركسترا. النتيجة أن الكلاسيكيات تتحول من أعمال طويلة تحتاج استعداداً خاصاً إلى تجربة مشاهدة أكثر انفتاحاً على جمهور بداية الموسم، خصوصاً في مدينة مزدحمة الإيقاع مثل القاهرة.

الرهان على العرض المركب

أحد أهم عناصر هذه المقاربة أن الأوبرا لم تقدم الغناء منفصلاً عن الصورة. مشاركة الباليه والكورال إلى جانب الأوركسترا صنعت عرضاً مركباً، وهو ما يمنح الأعمال الكلاسيكية حياة مختلفة على الخشبة. الجمهور لا يتلقى اللحن وحده، بل يرى الحركة والكتلة البشرية وتبدلات الإيقاع المسرحي، بما يجعل التلقي أسهل وأكثر مباشرة، حتى لمن لا يملك معرفة مسبقة بتاريخ الأوبرات أو بلغاتها الأصلية.

ومن هنا يمكن فهم سبب اختيار المسرح الكبير تحديداً لافتتاح بهذا الشكل؛ فهو القاعة الأقدر داخل دار الأوبرا المصرية على استيعاب هذا النوع من العروض الجامعة بين الصوت والحركة والتشكيل البصري، وهو أيضاً الفضاء الأكثر ارتباطاً في الذاكرة الثقافية القاهرية بفكرة «الحدث الفني الكبير».

نجوم الدار في المقدمة.. لا الاعتماد على ضيف عابر

اللافت أيضاً أن «ليلة عظيمة» اعتمدت على أسماء من داخل المنظومة الفنية نفسها، لا على نجم ضيف يُستدعى فقط لصناعة الزخم. فقد شارك في الغناء كل من رضا الوكيل وجولي فيظي وإيمان مصطفى وجيهان فايد وإنجي محسن وإبراهيم ناجي وأسامة علي وسلمى الجبالي وإلهامي أمين ونوريستا الميرغني وملك الشافعي وعزت غانم وعمرو مدحت وداليا فاروق وعماد عادل ومصطفى مدحت.

هذه النقطة مهمة في قراءة افتتاح الموسم. فدار الأوبرا المصرية لا تقول فقط إنها تملك برنامجاً، بل تقول أيضاً إنها تملك كوادرها الفنية القادرة على حمل هذا البرنامج. وفي مؤسسة ثقافية بحجم الأوبرا، يصبح تقديم الوجوه المرتبطة بها جزءاً من تثبيت الهوية، لا مجرد تفصيل تنظيمي.

لماذا تناسب هذه الوصفة جمهور القاهرة الآن؟

في بداية أي موسم، يكون التحدي مزدوجاً: استعادة الجمهور المعتاد من ناحية، وجذب متفرجين جدد من ناحية أخرى. وهنا تبدو وصفة «ليلة عظيمة» عملية للغاية. فالعرض المختاراتي يمنح الجمهور فرصة التعرف إلى عدد كبير من العناوين العالمية في زيارة واحدة، ويقلل رهبة الاقتراب من الفن الأوبرالي، خصوصاً لدى الشباب أو العائلات التي قد تبدأ رحلتها مع الأوبرا من الأعمال الأشهر قبل الانتقال إلى العروض الكاملة.

كما أن هذه البداية تتقاطع بشكل غير مباشر مع مزاج حفلات الصيف الممتد إلى بدايات سبتمبر في القاهرة، من حيث الاعتماد على الأمسية الجامعة والبرنامج المتنوع وسهولة التلقي. صحيح أن الحدث ينتمي مؤسسياً إلى افتتاح موسم جديد لا إلى مهرجان صيفي بالمعنى التقليدي، لكن روح البرمجة هنا تستفيد من منطق الحفلات الكبرى: تنوع سريع، أسماء متعددة، ومشاهد معروفة تضمن تفاعلاً فورياً.

من التراث العالمي إلى وظيفة محلية

ورغم أن الأعمال المقدمة أوروبية المنشأ في معظمها، فإن الزاوية التي تجعل الموضوع ينتمي بوضوح إلى «فن مصري» هي أن التقديم نفسه مصري خالص: مؤسسات مصرية، وفرق مصرية عاملة داخل دار الأوبرا، وإدارة برمجة تستهدف جمهور القاهرة في لحظة افتتاح موسم محلي. بهذا المعنى، لا تستورد الأوبرا الكلاسيكيات بوصفها مادة أجنبية جامدة، بل تعيد تدويرها داخل سياق ثقافي مصري حي، يربط بين التعليم الفني والمتعة العامة والرمزية المؤسسية.

افتتاح يحمل رسالة للموسم كله

المعلومات المتاحة عن انطلاقة الموسم تشير إلى أن دار الأوبرا المصرية تتجه إلى موسم ثري ومتنوع يجمع بين الإبداع العالمي والتراث العربي، وهي صيغة أعلنتها التغطيات الصحفية المرتبطة بالافتتاح. لذلك يمكن قراءة «ليلة عظيمة» باعتبارها بياناً مكثفاً للموسم: لا قطيعة مع الكلاسيكيات، ولا تجميد لها أيضاً. بل إعادة صياغة مستمرة تجعلها قابلة للمشاهدة من جديد في القاهرة اليوم.

وفي هذا المعنى تحديداً، نجح الافتتاح في أن يؤدي أكثر من وظيفة دفعة واحدة: الاحتفاء ببداية السنة الفنية، تذكير الجمهور بمكانة المسرح الكبير، إبراز فرق الأوبرا الأساسية، وتقديم باقة من أشهر الأعمال العالمية بشكل مدروس ومكثف. هذه ليست مجرد ليلة افتتاح، بل طريقة لتجديد العقد بين دار الأوبرا وجمهورها.

  • الموعد: الأربعاء 9 سبتمبر 2026
  • المكان: المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية
  • عنوان الافتتاح: «ليلة عظيمة»
  • القيادة الموسيقية: المايسترو محمد سعد باشا
  • الإخراج: مهدي السيد
  • الفرق المشاركة: أوركسترا أوبرا القاهرة، فرقة أوبرا القاهرة، كورال أوبرا القاهرة، فرقة باليه أوبرا القاهرة

في النهاية، يبدو أن دار الأوبرا المصرية اختارت أن تبدأ موسم 2026-2027 من نقطة مأمونة فنياً لكنها ذكية جماهيرياً: الكلاسيكيات المعروفة، ولكن في صيغة عرض حديثة الإيقاع. وهذا بالضبط ما يمنح بداية الموسم في القاهرة معناها؛ أن تبقى الأعمال الخالدة حاضرة، لكن بطريقة تجعلها أقرب إلى جمهور اليوم، لا أبعد عنه.