«بنج كلي» يعيد الجدل حول صورة الأطباء والتمريض في الدراما
«بنج كلي» يفتح ملفًا قديمًا بين الدراما والقطاع الصحي
عاد الجدل حول صورة الأطباء والتمريض في الأعمال الدرامية العربية بقوة مع عرض مسلسل «بنج كلي»، وهو عمل مصري من 15 حلقة يُعرض على منصة شاهد، وتدور أحداثه حول طبيبة التخدير «دعاء» التي تجد نفسها داخل عالم المستشفيات، وسط صراعات مهنية وأسرار تنكشف من داخل غرفة العمليات. وبحسب صفحة العمل على منصة شاهد، يشارك في بطولته سلمى أبو ضيف ودياب وعلا رشدي وكمال أبو رية ومحمد مهران وسلوى محمد علي، فيما تتولى الإخراج نادين خان ويكتب السيناريو محمد سليمان عبدالمالك.
لكن الاهتمام بالمسلسل لم يتوقف عند قصته أو أبطاله، إذ تحول سريعًا إلى محور نقاش مهني بعد اعتراضات من ممثلين عن التمريض وأطباء التخدير على بعض المشاهد، معتبرين أنها تقدم صورة غير دقيقة عن طبيعة العمل داخل المستشفيات، خصوصًا في ما يتعلق بدور التمريض وإجراءات التخدير داخل العمليات.
لماذا أثار «بنج كلي» هذه الموجة من الانتقادات؟
الاعتراض الأبرز جاء من الدكتورة كوثر محمود، نقيب عام التمريض في مصر، التي انتقدت ما وصفته بصورة مغلوطة للمهنة، مؤكدة في تصريحات صحفية محلية أن بعض المشاهد تُهمش الدور الحقيقي لأطقم التمريض داخل المنظومة الصحية. كما نقلت صحف مصرية عن نقابة الأطباء تفاعلًا مع الجدل الدائر بشأن طريقة تصوير عمل طبيب التخدير داخل غرفة العمليات، بعد ملاحظات تداولها أطباء ومتابعون على مواقع التواصل.
المسلسل نفسه يقوم على خلفية طبية واضحة؛ فالبطلة التي تجسدها سلمى أبو ضيف تعمل طبيبة تخدير، بينما يقدم دياب شخصية جرّاح، وهو ما جعل أي خطأ مهني أو تفصيلة درامية محل تدقيق كبير من العاملين في المجال الصحي، خاصة في مصر حيث ظل ملف صورة التمريض في الدراما حاضرًا لسنوات.
5 أعمال فنية واجهت أزمات مع الأطباء والتمريض
1) «بنج كلي».. الجدل الأحدث
يُعد «بنج كلي» أحدث مثال على الصدام بين الدراما والقطاع الصحي. المسلسل انطلق عرضه في أغسطس 2026 على شاهد وMBC مصر، ويدور حول أسرار تنكشف داخل مستشفى حكومي، مع خط درامي قائم على التخدير والعمليات الجراحية. الاعتراضات تركزت على مشاهد رآها أطباء تخدير غير منطقية مهنيًا، إلى جانب انتقاد نقيب التمريض لطريقة تقديم الممرضين داخل الأحداث. هذه الأزمة أعادت للأذهان سجالات مشابهة شهدتها الدراما المصرية من قبل.
2) «وضع أمني».. دعوى قضائية من نقابة التمريض
في يونيو 2017، دخل مسلسل «وضع أمني» ضمن قائمة الأعمال التي أثارت غضب نقابة التمريض في مصر. ووصل الأمر وقتها إلى دعوى أمام القضاء الإداري طالبت بوقف عرض العمل، على أساس أنه يتضمن إساءة لصورة التمريض. ووفق ما نشرته وسائل إعلام مصرية في ذلك الوقت، رأت النقابة أن بعض المشاهد قدمت الممرضات بشكل سلبي لا يعكس واقع المهنة ولا حجم المسؤولية الواقعة على العاملين فيها.
ورغم أن المسلسل لم يكن طبيًا في الأساس، فإن ظهور شخصيات تمريضية بطريقة اعتُبرت مهينة كان كافيًا لاندلاع الأزمة، في إشارة إلى أن الحساسية لا ترتبط فقط بالأعمال التي تدور داخل المستشفيات، بل أيضًا بأي توظيف درامي للمهنة.
3) «شاش × قطن».. ضمن نفس التحرك القانوني
في الفترة نفسها، شمل التحرك القضائي ذاته مسلسل «شاش × قطن». وبحسب ما نشرته بوابة الأهرام ووسائل إعلام مصرية عام 2017، اعتبرت نقيبة التمريض وقتها أن العملين قدما المهنة في «أسوأ الصور» بما يضر بسمعة المرأة المصرية وهيئة التمريض. هذا المثال مهم لأنه يكشف أن النقابة لم تتعامل مع القضية باعتبارها واقعة معزولة، بل باعتبارها نمطًا متكررًا في بعض المعالجات الدرامية.
4) «زهرة وأزواجها الخمسة».. واحدة من أقدم الأزمات الأشهر
إذا كان الجمهور يتذكر الجدل المحيط بمسلسل «زهرة وأزواجها الخمسة» بطولة غادة عبد الرازق، فإن جزءًا من هذا الجدل ارتبط مباشرة بمهنة التمريض. في عام 2010، اعترضت نقابة التمريض على صورة البطلة في بداية الأحداث حين ظهرت ممرضة متهمة داخل السياق الدرامي بسرقة أدوية وابتزاز مرضى، وهو ما اعتبرته النقابة إساءة واضحة للمهنة.
وأصبحت هذه الواقعة من العلامات الفارقة في العلاقة المتوترة بين بعض الأعمال الرمضانية والقطاع الصحي، لأنها دفعت الاحتجاج من نطاق الانتقاد الإعلامي إلى المطالبة بوقف العرض. كما أنها كرست فكرة أن الشخصية السلبية حين تُلصق بمهنة بعينها قد تتحول إلى أزمة رأي عام، خاصة إذا كانت المهنة مرتبطة بخدمة إنسانية مباشرة مثل التمريض.
5) «المهاجر» في الجزائر.. الجدل ليس مصريًا فقط
الظاهرة لم تقتصر على مصر. ففي الجزائر، أثار مسلسل «المهاجر» خلال موسم رمضان 2026 انتقادات من نقابة الصحة هناك، بعد اعتراضها على حلقة صُوِّر فيها طبيب داخل مستشفى في سلوك اعتُبر مسيئًا لأخلاقيات المهنة. وتحدثت تقارير صحفية عن مطالبة مهنية بوقف عرضه أمام الجهات التنظيمية المختصة، بدعوى أن العمل يسيء إلى سمعة القطاع الصحي ويشوّه صورة الممارسين.
أهمية هذه الحالة أنها تؤكد أن التوتر بين الدراما والقطاعات المهنية في العالم العربي ليس أمرًا محليًا أو استثنائيًا، بل ظاهرة أوسع ترتبط بمدى دقة الكتابة والبحث قبل تقديم شخصيات تعمل في مجالات حساسة.
بين حرية الدراما والمسؤولية المهنية
في العادة، يدافع صناع الدراما عن حقهم في بناء شخصيات متخيلة، بما فيها الشخصيات الفاسدة أو المقصرة داخل أي مهنة. لكن النقابات المهنية ترى أن التكرار المستمر لنمط سلبي واحد قد يصنع صورة ذهنية مضللة لدى الجمهور، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمهن يضع الناس فيها ثقتهم وحياتهم يوميًا، مثل الطب والتمريض.
ومن هنا يمكن فهم سبب الحساسية الكبيرة تجاه مسلسلات مثل «بنج كلي». فالمشاهد المصري والعربي لا يتابع فقط عملاً تشويقيًا داخل المستشفى، بل يربط ما يراه على الشاشة بتجربته الواقعية مع الطبيب أو الممرض أو غرفة العمليات. وكلما اقترب العمل من التفاصيل الطبية الدقيقة، ارتفعت توقعات الجمهور والمهنيين بأن تكون المعالجة أكثر انضباطًا.
هل تدفع أزمة «بنج كلي» الدراما الطبية إلى مراجعة نفسها؟
اللافت أن «بنج كلي» جاء في لحظة تشهد فيها الدراما العربية توسعًا في الأعمال القصيرة والمنصات، مع رغبة واضحة في استكشاف عوالم مهنية جديدة. لكن هذا التوسع يضع على الكتاب والمخرجين عبئًا إضافيًا: الاستعانة بمستشارين متخصصين، وتفادي الاختزال الكاريكاتيري، وعدم تحويل المهن الطبية إلى مجرد أداة للصدمة أو الإثارة.
بالنسبة للقارئ في مصر، تبدو القضية أبعد من مجرد خلاف حول مسلسل. إنها نقاش متجدد عن صورة المهن الخدمية في الفن، وعن الحدود الفاصلة بين الخيال الدرامي والإنصاف المهني. وبينما يواصل «بنج كلي» جذب الانتباه كأحد أحدث الأعمال الطبية عربيًا، يبقى السؤال: هل يصبح هذا الجدل فرصة لدراما أكثر دقة، أم يظل مجرد حلقة جديدة في أزمة قديمة؟