المازيكاتي

بوبيني تستعيد 40 عامًا من ذاكرة الراي في فرنسا

بوبيني تحتفي بأربعة عقود من الراي

تعود مدينة بوبيني، الواقعة في ضاحية سين سان دوني قرب باريس، إلى واجهة المشهد الموسيقي الفرنسي مع عرض احتفالي يستعيد مرور 40 عامًا على أول مهرجان كبير لموسيقى الراي استضافته دار الثقافة MC93 في بوبيني (@MC93Bobigny على إنستغرام). ووفق البرنامج الرسمي للمؤسسة، يحمل العرض عنوان "Il était une fois le raï"، ويُقدَّم بوصفه احتفالًا بالذكرى الأربعين لـمهرجان الراي في بوبيني الذي ترك أثرًا مفصليًا في تاريخ هذا اللون الغنائي داخل فرنسا وخارجها.

أهمية المناسبة لا تتعلق فقط بالحنين إلى الثمانينيات، بل أيضًا باستعادة لحظة ثقافية غيرت موقع الراي في أوروبا. فالمهرجان الأول الذي احتضنته بوبيني في يناير 1986 يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره بوابة عبور الراي من دوائره المحلية والمغاربية إلى الجمهور الفرنسي الأوسع، قبل أن ينطلق لاحقًا إلى الساحة العالمية.

لماذا يُعد مهرجان 1986 لحظة فارقة؟

البيانات المنشورة من MC93 تؤكد أن دار الثقافة استقبلت في يناير 1986، وللمرة الأولى في فرنسا، كبار أسماء الراي الجزائري، وهو ما أسس لمكانة موسيقى أصبحت اليوم جزءًا من المشهد الثقافي الفرنسي. وتوضح مصادر أرشيفية فرنسية أن انطلاقة المهرجان كانت يوم 23 يناير 1986، وشهدت ظهور عدد من الأسماء التي ستصبح لاحقًا علامات كبرى في الراي.

من بين الأسماء التي ارتبطت بتلك المرحلة: الشاب خالد، المعروف عالميًا اليوم باسم خالد (@chebkhaledofficial على إنستغرام)، والشاب مامي، إلى جانب الشيخة الريميتي والشابة فضيلة والشاب الصحراوي. هذه الأسماء لم تكن مجرد ضيوف على منصة فنية، بل كانت تمثل جيلاً حمل الراي من وهران والغرب الجزائري إلى مسارح باريس، ثم إلى سوق الموسيقى العالمية في أواخر الثمانينيات والتسعينيات.

من وهران إلى باريس ثم إلى العالم

ما يجعل استعادة هذه الذكرى مهمة لقراء قسم الموسيقى والمشاهير هو أن قصة الراي ليست فقط قصة نوع موسيقي، بل قصة نجوم صنعوا حضورًا جماهيريًا واسعًا. فبعد مهرجان بوبيني بوقت قصير، بدأت أسماء مثل خالد ومامي في اختراق السوق الفرنسية بشكل أوسع، قبل أن تتحول أغنيات الراي إلى مادة أساسية في الحفلات والإذاعات والتعاونات العابرة للثقافات. وتشير تقارير ومقالات أرشيفية فرنسية إلى أن هذا المهرجان كان نقطة الانطلاق الحقيقية لخروج الراي من الإطار "الجاليوي" إلى الفضاء العام الفرنسي.

وبالنسبة للجمهور المصري، تبدو هذه السيرة مألوفة من زاوية أخرى: كيف يمكن لنمط موسيقي مرتبط ببيئة محلية محددة أن يتحول، عبر المسرح والإعلام والنجومية، إلى ظاهرة جماهيرية أوسع. هذه بالضبط هي الحكاية التي يكررها عرض بوبيني الاحتفالي اليوم، لكن من خلال استدعاء الذاكرة الفنية للراي ورواده، لا من خلال السرد التاريخي وحده.

MC93... المسرح الذي احتضن التحول

تقع MC93 – Maison de la Culture de Seine-Saint-Denis في بوبيني، وهي مؤسسة ثقافية معروفة في الضاحية الباريسية، وتصف نفسها بأنها فضاء فني في قلب منطقة تعكس أسئلة التنوع الثقافي والشباب في فرنسا. وفي موسم 2026-2027، أدرجت المؤسسة أمسية "Opéraï Vol. 1 — Il était une fois le raï" يوم 2 أكتوبر 2026 ضمن برنامجها، بوصفها عرضًا موسيقيًا يحتفل بمرور 40 عامًا على مهرجان بوبيني الأسطوري.

هذا الربط بين الاحتفاء بالماضي ووضعه داخل برنامج ثقافي معاصر يعكس كيف بات الراي جزءًا من الذاكرة الفنية الفرنسية، لا مجرد موجة موسيقية عابرة. ومن اللافت أيضًا أن موسم MC93 نفسه يتضمن انفتاحًا على فضاءات متوسطية وعربية، من بينها شراكات مرتبطة بمصر، ما يمنح الحدث بعدًا ثقافيًا أوسع يتجاوز الحفل نفسه.

نجوم الراي الذين صنعوا الأسطورة

حين يُذكر الراي في فرنسا، يبقى الشاب خالد الاسم الأكثر شهرة على المستوى الدولي. أرشيف الصحافة الفرنسية يضعه في قلب جيل الثمانينيات الذي ظهر في بوبيني، قبل أن يصبح واحدًا من أكثر الأصوات المغاربية انتشارًا في العالم. كما يظهر اسم الشاب مامي بوضوح ضمن النجوم الذين رسخوا هذا النوع الغنائي بعد مشاركتهم في تلك الانطلاقة.

أما الشيخة الريميتي، فتمثل الجسر بين الجذور الأقدم للراي وبين صيغته الحديثة التي انتشرت عبر أصوات "الشباب" و"الشابات". وفي كثير من الاستعادات الصحفية الفرنسية لمهرجان 1986، تُذكر الريميتي بوصفها "الأم الروحية" لهذا اللون، في مقابل الجيل الذي منح الراي مظهره الجماهيري الجديد.

لماذا يهم الخبر القارئ في مصر؟

رغم أن الحدث يقام في فرنسا ويدور حول موسيقى جزائرية المنشأ، فإن صداه عربي بامتياز. الراي حاضر منذ سنوات طويلة في الذائقة الموسيقية المصرية والعربية، سواء عبر الأغاني المعروفة لخالد ومامي، أو من خلال تأثيره على تجارب البوب والمزج الموسيقي في المنطقة. لذلك فإن استعادة بوبيني لهذه الذكرى تبدو أقرب إلى إعادة فتح ملف واحد من أنجح مسارات الانتشار الموسيقي العربي في أوروبا.

ومن زاوية صحفية، فإن قصة بوبيني تؤكد أن النجومية لا تُصنع فقط بالأغنيات الناجحة، بل أيضًا بالمحطات التاريخية التي تنقل الفنان من جمهوره الأول إلى جمهور أوسع. وهذا ما فعله مهرجان 1986 عندما جمع على مسرح واحد أصواتًا كانت لا تزال في طور الصعود، قبل أن تتحول لاحقًا إلى أيقونات فنية عابرة للأجيال.

أربعون عامًا بعد البداية

بعد مرور أربعة عقود، يبدو أن الراي لم يفقد قدرته على استدعاء الذكريات أو على تحريك النقاش حول الهوية والهجرة والنجومية الشعبية. والاحتفال الذي تستضيفه بوبيني اليوم لا يقدّم مجرد سهرة نوستالجية، بل يعيد تثبيت مكانة هذا اللون الموسيقي ضمن تاريخ الفن في فرنسا، مع التذكير بأن بدايته الأوروبية الحديثة انطلقت من مسرح واحد في ضاحية باريسية، ثم واصلت طريقها إلى العالم.

  • المكان: MC93 في بوبيني، ضاحية باريس.
  • المناسبة: 40 عامًا على مهرجان الراي في بوبيني.
  • التاريخ المرجعي للمهرجان الأول: 23 يناير 1986.
  • موعد العرض الاحتفالي المدرج في البرنامج: 2 أكتوبر 2026.
  • أبرز الأسماء المرتبطة بالانطلاقة: الشاب خالد، الشاب مامي، الشيخة الريميتي، الشابة فضيلة، الشاب الصحراوي.

في النهاية، يظل مشهد بوبيني شاهدًا على لحظة نادرة تحولت فيها موسيقى خرجت من الشارع والذاكرة الشعبية في الجزائر إلى لغة احتفال وهوية ونجومية على المسارح الأوروبية. وبعد 40 عامًا، ما زالت تلك الأغاني قادرة على استدعاء جمهور جديد، من باريس إلى القاهرة، بالقدر نفسه من الشغف والحنين.