المازيكاتي

جدل أغنية أصالة يعيد سؤال ملكية اللحن التراثي

أغنية واحدة فتحت بابًا قديمًا للنقاش

عاد اسم الفنانة السورية أصالة نصري إلى واجهة الأخبار الفنية عربيًا، ليس فقط بسبب حفل عودتها إلى دمشق بعد غياب طويل، ولا بسبب مشروعها الغنائي الجديد المستند إلى التراث السوري، بل أيضًا بسبب الجدل الذي أُثير حول أغنية «على روض الحبيب»، بعدما رأى متابعون ونقاد أن بنيتها اللحنية تقترب بوضوح من الأغنية العربية الشهيرة «زوروني كل سنة مرة» المرتبطة في الوجدان المصري باسم الموسيقار سيد درويش.

هذا الجدل اكتسب زخمًا أكبر بعدما تحدثت الدكتورة ياسمين فراج، أستاذة النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون في مصر، عن وجود تشابه فني واضح بين العملين، موضحة أن المقام الموسيقي والتسلسل النغمي في أجزاء واسعة من الأغنية الجديدة يقتربان من لحن «زوروني كل سنة مرة»، مع وجود تنويعات في الصياغة وليس قطيعة كاملة معه.

ما الذي حدث بالضبط؟

النقاش بدأ بعد تقديم أصالة للأغنية ضمن مشروعها السوري الجديد، وهو ألبوم طرحته في 7 سبتمبر 2026 بالتعاون مع روتانا، ويضم 14 أغنية مستوحاة من الفلكلور والموروث الشعبي في المحافظات السورية المختلفة. الألبوم قُدم بوصفه تحية فنية إلى سوريا وتنوعها الثقافي، لا باعتباره مجموعة ألحان جديدة من الصفر.

وبحسب ما أعلنته تغطيات فنية متعددة، فإن هذا المشروع تزامن مع عودة أصالة إلى الغناء في دمشق، حيث أحيت حفلًا جماهيريًا في صالة الفيحاء يوم 17 سبتمبر 2026، وهو أول حفل لها في سوريا منذ نحو 15 إلى 16 عامًا، وسط اهتمام واسع من الصحافة العربية والجمهور.

في هذا السياق، جاءت أغنية «على روض الحبيب» كجزء من عمل أكبر يشتبك مع الذاكرة الشعبية السورية، لكن قربها السمعي من «زوروني كل سنة مرة» نقل النقاش من حدود التذوق إلى سؤال أكثر حساسية: هل نحن أمام استلهام تراثي مشروع، أم إعادة تقديم لحن معروف ارتبط تاريخيًا بسيد درويش؟

ياسمين فراج: تشابه لحني واضح من منظور أكاديمي

القراءة التي قُدمت من جانب الدكتورة ياسمين فراج كانت حاسمة نسبيًا من الناحية الفنية. فبحسب التصريحات المنشورة، رأت أن المسألة لا تبدو مجرد تقاطع عابر في جملة موسيقية قصيرة، بل تقارب ملحوظ في البناء اللحني العام، وهو ما يفسر سبب الانطباع السريع لدى المستمع المصري تحديدًا عند سماع الأغنية.

أهمية هذا الرأي لا تعود فقط إلى الجدل الدائر على منصات التواصل، بل إلى أن «زوروني كل سنة مرة» ليست أغنية عابرة في الذاكرة الفنية المصرية. فهي من الأعمال التي ارتبطت مبكرًا باسم سيد درويش، وغناها بعد ذلك أكثر من مطرب عربي عبر أجيال مختلفة، من بينهم فيروز وصباح فخري وكارم محمود، ما جعلها واحدة من أكثر الألحان العربية رسوخًا وانتشارًا.

هل اللحن مصري خالص أم له جذور أقدم؟

هنا يتعقد الملف. فبينما يتمسك قطاع واسع من المتابعين في مصر بنسبة اللحن إلى سيد درويش بحكم حضوره التاريخي الثابت في الغناء المصري، تظهر في المقابل روايات وبحوث موسيقية تتحدث عن جذور أقدم للحن، بعضها يربطه بإنشاد ديني أو بصيغ تراثية متداولة في المشرق، ومنها روايات تشير إلى صلة محتملة بالملا عثمان الموصلي.

لكن حتى مع وجود هذا الجدل البحثي، فإن النقطة الجوهرية التي يكررها متخصصون هي أن وجود أصل تراثي أو روايات سابقة لا يلغي الارتباط التاريخي الراسخ للأغنية بسيد درويش في الوعي العربي الحديث. وبمعنى آخر، قد تكون للألحان الشعبية طبقات من التناقل والتطوير، إلا أن النسخة التي عاشت وانتشرت وأصبحت علامة فارقة في تاريخ الموسيقى العربية تحمل بصمة سيد درويش بوضوح في الذاكرة المصرية والعربية.

مشروع أصالة السوري.. إحياء للذاكرة لا إعلان لملكية جديدة

لفهم الجدل بصورة أهدأ، من المهم النظر إلى طبيعة المشروع الذي قدمته أصالة (@assala على إنستغرام). فالألبوم السوري صدر بوصفه احتفاءً بالموروث المحلي في سوريا، وضم أغنيات موزعة على المحافظات السورية الأربع عشرة، في محاولة لالتقاط تنوع البيئات الموسيقية من دمشق إلى حلب والساحل والجزيرة وحوران.

هذا يعني أن أصالة لم تتقدم بالمشروع، وفق المواد المنشورة عنه، باعتباره ألبوم ألحان أصلية جديدة بالكامل، بل باعتباره إعادة تقديم معاصرة لمواد متداولة في الذاكرة الشعبية. ومن هنا، فإن المشكلة بالنسبة لكثير من المنتقدين ليست في الغناء من التراث بحد ذاته، بل في الحساسية الكبيرة المحيطة بأي لحن يقترب من «زوروني كل سنة مرة»، نظرًا لما يمثله هذا العمل في تاريخ الغناء المصري.

لماذا يهم هذا الجدل الجمهور المصري تحديدًا؟

في مصر، لا تُستقبل مسألة الألحان التراثية كقضية تقنية فقط، بل كجزء من الذاكرة الوطنية المرتبطة برواد النهضة الموسيقية. وسيد درويش ليس مجرد اسم في أرشيف الطرب، بل رمز تأسيسي غيّر شكل الأغنية العربية الحديثة، لذلك فإن أي تشابه مع أحد أشهر ألحانه يلفت الانتباه فورًا، خصوصًا إذا جاء في لحظة انتشار جماهيري واسع وعلى لسان نجمة بحجم أصالة.

كما أن «زوروني كل سنة مرة» تحديدًا تحمل مكانة خاصة لدى المستمع المصري؛ فهي من الأغاني التي عبرت الزمن وتجاوزت حدود جيلها الأول، وتكرست لاحقًا عبر نسخ متعددة في الإذاعة والحفلات والمنصات الرقمية. لهذا كان من الطبيعي أن يخرج النقاش سريعًا من دائرة المقارنة الموسيقية إلى سجال أوسع حول التراث، والملكية الرمزية، وحدود إعادة التوظيف الفني.

عودة أصالة إلى دمشق منحت القضية صدى أكبر

اللافت أن الجدل تزامن مع لحظة شديدة الرمزية في مسيرة أصالة، بعد عودتها إلى الغناء في دمشق في سبتمبر 2026. تقارير صحفية عربية عدة وصفت الحفل بأنه عودة تاريخية بعد غياب طويل، كما أشارت إلى أن الألبوم السوري جاء متوازيًا مع هذه العودة، بما منحه بعدًا وجدانيًا وسياسيًا وثقافيًا في آن واحد.

هذا الزخم جعل أي تفصيل فني داخل المشروع قابلًا للتضخم السريع، خاصة عندما يتعلق الأمر بأغنية تمس ذاكرة سمعية مشتركة بين مصر وسوريا وبلدان عربية أخرى. ومن هنا، فإن الضجة حول «على روض الحبيب» لم تكن مجرد ملاحظة نقدية معزولة، بل امتدادًا طبيعيًا للترقب الكبير المحيط بعودة أصالة وبمشروعها التراثي الجديد.

بين الاقتباس والتناص.. أين تقف الحقيقة؟

التمييز بين الاقتباس والتناص وإعادة الإحياء التراثي ليس دائمًا سهلًا في الموسيقى العربية، خصوصًا حين تكون الألحان قد انتقلت شفهيًا عبر عقود طويلة وتعددت صيغ أدائها من بلد إلى آخر. ومع ذلك، فإن الرأي النقدي الذي برز بقوة في الأيام الأخيرة يميل إلى أن أغنية أصالة لا يمكن التعامل معها بوصفها بعيدة تمامًا عن «زوروني كل سنة مرة»، لأن التشابه يتجاوز المصادفة السمعية البسيطة.

وفي الوقت نفسه، لا توجد في المواد الموثقة المتاحة دلالة على أن أصالة قدمت العمل باعتباره اختراعًا لحنيًا جديدًا منفصلًا عن التراث. لذلك يبدو أن جوهر القضية اليوم ليس اتهامًا مباشرًا بقدر ما هو خلاف على توصيف الأصل الموسيقي، وعلى الطريقة التي ينبغي بها تقديم الأعمال التراثية حين تتقاطع مع ألحان شديدة الشهرة والرسوخ.

الخلاصة

ما جرى مع أغنية «على روض الحبيب» يوضح أن استعادة التراث العربي ليست مهمة سهلة، خصوصًا عندما تتداخل فيها الهويات المحلية مع الذاكرة المشتركة للأغنية العربية. فبين من يراها امتدادًا لموروث سوري أعادت أصالة تقديمه، ومن يصر على أنها قريبة جدًا من «زوروني كل سنة مرة» بصيغتها المعروفة المرتبطة بسيد درويش، يبقى المؤكد أن الجدل أعاد فتح ملف قديم وحساس عن من يملك اللحن التراثي حين يصبح جزءًا من الوجدان العربي العام.

وبالنسبة للقارئ المصري، تبقى القيمة الأهم في هذا السجال أنه يذكّر بمكانة سيد درويش في تاريخ الموسيقى، وبأن الأرشيف الغنائي العربي لا يزال حيًا وقادرًا على إشعال النقاش كلما عاد إلى الواجهة بصوت جديد.