المازيكاتي

جوانا خلف تنقل أزمة الجنسية اللبنانية إلى المسرح في باريس

مسرحية شخصية بمرآة سياسية

تخوض الممثلة والكاتبة جوانا خلف تجربة مسرحية لافتة في باريس من خلال عملها الفردي «لبنانية أمًا عن ست»، أو بالفرنسية Libanaise de mère en fille، وهو عرض يضع قضية الهوية والانتماء وحقوق المرأة في قلب الحكاية. العمل قُدم على مسرح لو فونامبول مونمارتر في العاصمة الفرنسية خلال الفترة من 12 إلى 16 يونيو/حزيران 2026، ضمن فعاليات مهرجان Nouvel Acte المخصص للأصوات المسرحية الجديدة.

العمل يستند إلى قصة بطلة تُدعى كلويه، وُلدت في فرنسا لأم لبنانية وأب فرنسي، وتكبر وهي تحمل لبنان في اللغة والذاكرة والمطبخ والحكايات العائلية، قبل أن تصطدم بحقيقة قانونية قاسية: البلد الذي تشعر أنه جزء من تكوينها لا يعترف لها بحق المواطنة عبر الأم. هذه المفارقة هي العمود الفقري للمسرحية، لكنها تتحول على الخشبة إلى نقاش أوسع عن العدالة والهوية وحدود الانتماء.

من سيرة ذاتية إلى خطاب مسرحي عام

أهمية العمل لا تتوقف عند بنائه الدرامي، بل تمتد إلى كونه مستلهمًا من تجربة جوانا خلف نفسها. فخلف، وهي ممثلة فرنسية-لبنانية درست التمثيل في Cours Florent في باريس، وسبق أن عملت بين بيروت وباريس، قالت في تغطية نشرتها صحيفة لوريان لو جور في 14 يونيو/حزيران 2026 إن المسرحية تنطلق من واقع قانوني تعيشه هي شخصيًا، لأن المرأة اللبنانية لا تستطيع نقل جنسيتها إلى أطفالها إذا كان الأب أجنبيًا. كما أوضحت أن النص يتغذى أيضًا من قصص نساء أخريات يعشن الوضع نفسه، ومن رحلاتها المتكررة بين فرنسا ولبنان.

هذا البعد الشخصي يمنح العرض صدقه، لكنه لا يحصره في الاعتراف الذاتي. على العكس، تنجح المسرحية في تحويل التجربة الفردية إلى سؤال جماعي: كيف يمكن لوطن أن يسكن الإنسان وجدانيًا وثقافيًا، ثم يرفض الاعتراف به قانونيًا؟ بالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه الثيمة قريبة من نقاشات المنطقة حول الجنسية والهوية والروابط العابرة للحدود، خصوصًا في المجتمعات التي تضع القانون أحيانًا في مواجهة الحياة اليومية والعلاقات العائلية.

ماذا نعرف عن العرض وفريقه؟

بحسب المعلومات المنشورة عن العمل، فإن جوانا خلف تتولى كتابة النص وأداءه على المسرح، بينما يتولى Ji Chen الإخراج وتصميم الإضاءة. ويشارك الموسيقي اللبناني هادي نصر الدين في التكوين الموسيقي والحضور الأدائي، فيما صممت الفنانة البصرية اللبنانية كوثر بلوق العناصر البصرية المتحركة التي تستدعي صورًا ورموزًا من بيروت، بينها صخور الروشة، بما يرسخ حضور لبنان كذاكرة حية داخل العرض.

ووفق ما نُشر عن المسرحية، فإنها كانت من بين ستة عروض فقط تم اختيارها للمشاركة في دورة 2026 من مهرجان Nouvel Acte من بين أكثر من 200 طلب مشاركة، وهو ما يعكس الاهتمام الذي حظي به المشروع داخل المشهد المسرحي الفرنسي المستقل.

أبرز عناصر العرض

  • النص والأداء: جوانا خلف
  • الإخراج والإضاءة: Ji Chen
  • الموسيقى: هادي نصر الدين
  • الهوية البصرية: كوثر بلوق
  • مكان العرض: Théâtre Le Funambule Montmartre في باريس
  • موعد التقديم المعلن: من 12 إلى 16 يونيو/حزيران 2026

القضية التي تناقشها المسرحية: قانون لم يتغير

الركيزة السياسية في العرض تستند إلى واقع موثق منذ سنوات: قانون الجنسية اللبناني ما زال يتضمن أحكامًا تمييزية تمنع المرأة اللبنانية، في الحالات العامة، من منح جنسيتها لزوجها الأجنبي أو لأطفالها على قدم المساواة مع الرجل اللبناني. منظمات دولية وحقوقية عدة، بينها هيومن رايتس ووتش والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين وجهات أممية معنية بحقوق المرأة، وصفت هذا الوضع بأنه تمييزي، وربطته بتبعات اجتماعية وقانونية واسعة على الأسر المتأثرة.

وفي تقرير عربي منشور لهيومن رايتس ووتش، جرى التأكيد على أن أبناء النساء اللبنانيات وأزواجهن يواجهون تبعات عملية تتعلق بالإقامة والعمل والحقوق الإدارية داخل لبنان، في وقت يتمتع فيه أبناء الرجال اللبنانيين بحقوق مختلفة. كما أشارت المنظمة إلى أن لبنان لا يزال متأخرًا عن عدد من الدول العربية التي تمنح المرأة حقًا مساويًا للرجل في نقل الجنسية إلى الأبناء، ومنها مصر.

هنا تكتسب المسرحية بعدًا أبعد من الفن الاحتجاجي المباشر؛ فهي لا تقدم خطابًا قانونيًا جافًا، بل تُجسد أثر النص القانوني على الحياة الحميمة: علاقة أم بابنتها، معنى الإرث الثقافي، وشعور الابنة بأنها «لبنانية» بكل شيء تقريبًا، ما عدا الورقة الرسمية.

بين المنفى والبيت واللغة

أكثر ما يميز هذا العمل أنه لا يعامل لبنان بوصفه مجرد موضوع سياسي، بل باعتباره مكانًا عاطفيًا يعيش في الذاكرة اليومية. من الطعام إلى اللغة إلى الموسيقى، تُبنى هوية البطلة على تفاصيل صغيرة يعرفها كل من نشأ بين ثقافتين. لذلك فإن «لبنانية أمًا عن ست» لا تتحدث فقط عن جنسية مفقودة، بل عن وطن متخيل وملموس في الوقت نفسه.

وتبدو هذه الزاوية شديدة الأهمية لجمهور قسم «فن عالمي»، لأن العمل يندرج ضمن موجة عالمية من المسرح المعاصر الذي يستعيد موضوعات الشتات والمرأة والحدود القانونية من خلال السيرة الشخصية. في هذا السياق، تقدم جوانا خلف نموذجًا لفنانة تستخدم الخشبة كمساحة مقاومة ثقافية، وتعيد عبرها طرح أسئلة الشرق الأوسط داخل قلب مدينة أوروبية مثل باريس.

لماذا يستحق العمل المتابعة عربيًا؟

لأن المسرحية لا تكتفي بعرض المأساة، بل توازن بين الحساسية والمرارة والسخرية، وهو ما يمنحها قابلية أوسع للوصول إلى جمهور غير لبناني. كما أن موضوعها يمس نقاشات متجددة في العالم العربي بشأن المواطنة وحقوق النساء والهوية القانونية للأبناء في الزيجات المختلطة.

وبالنسبة للمتابع المصري، فإن قيمة هذا العمل تكمن في أنه يفتح نافذة على المسرح اللبناني المعاصر في المهجر، وعلى الطريقة التي تتحول بها القضايا الحقوقية إلى فن قابل للتداول دوليًا، بعيدًا عن الشعارات المباشرة. إنه عرض عن لبنان، نعم، لكنه أيضًا عن كل من يحمل وطنًا في ذاكرته أكثر مما يحمله في جواز سفره.

الخلاصة

في «لبنانية أمًا عن ست»، تنجح جوانا خلف في تحويل تجربة فردية مؤلمة إلى مادة مسرحية ذات صدى عالمي. العرض يربط بين الخاص والعام، بين الأم والابنة، وبين الحنين والقانون، ليقدم واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية وضوحًا عن معنى أن تنتمي إلى مكان لا يمنحك اعترافه الكامل. وبين باريس ولبنان، تُثبت المسرحية أن الفن ما زال قادرًا على منح القضايا المنسية صوتًا وصورة ووجهًا إنسانيًا لا يُنسى.