المازيكاتي

جيجي حزيمة تطلق صالون السينما السعودية المستقلة من باريس

انطلاقة من باريس لتقديم وجه آخر للسينما السعودية

تتجه الأنظار في الأوساط السينمائية العربية إلى مبادرة جديدة تحمل عنوان صالون السينما السعودية المستقلة، وهي منصة أطلقتها المخرجة والمنتجة السعودية جيجي حزيمة من العاصمة الفرنسية باريس، بهدف تقديم مساحة منتظمة للأفلام السعودية ذات الطابع المستقل وسينما المؤلف أمام جمهور أوروبي مهتم بالفنون والصورة والحوارات الثقافية. وتؤكد المعلومات المنشورة عن المبادرة أن الدورة الأولى أقيمت يوم 9 يوليو 2026 في مدرسة ESRA للسينما في باريس، في خطوة تستهدف بناء تواصل مباشر بين صناع الأفلام السعوديين والمتلقي الأوروبي، بعيدًا عن منطق العرض التجاري التقليدي.

أهمية هذه الخطوة لا تتوقف عند كونها فعالية عرض أفلام، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة صياغة سياق ثقافي مستمر للسينما السعودية المستقلة في الخارج. وهذا البعد يهم القارئ المصري بشكل خاص، لأن التجارب السينمائية العربية التي تنجح في الوصول إلى أوروبا عبر قنوات ثقافية وفنية جادة غالبًا ما تفتح لاحقًا مساحات أوسع للتوزيع والنقاش النقدي، وهو ما تحتاجه المنطقة كلها، وليس السعودية وحدها.

ما الذي نعرفه عن المبادرة وبرنامجها الأول؟

بحسب البيانات المتاحة من الجهات التي أعلنت عن الحدث، يقوم الصالون على فكرة الاحتفاء بالأفلام التي تحمل رؤية شخصية ولغة بصرية خاصة، مع التركيز على سينما المؤلف بوصفها مساحة للتأمل والحوار. البرنامج الافتتاحي ضم مختارات من الأفلام القصيرة، ثم عرض الفيلم الروائي “And Then Comes Winter” من إخراج جيجي حزيمة، تلاه نقاش مع المخرجة وضيوف من النقاد والمشاركين، إلى جانب معرض فني يربط بين السينما والفنون البصرية. كما أشارت التغطيات إلى مشاركة الفنانة السعودية هناء حجازي في المعرض المصاحب.

المبادرة تستند كذلك إلى شراكات مهنية وثقافية واضحة؛ إذ استضافت مدرسة ESRA الحدث في باريس، بينما ورد أيضًا وجود تعاون مع معهد العالم العربي في باريس ضمن السياق الثقافي المرتبط بالمشروع، وهو ما ينسجم مع نشاط المعهد المستمر في دعم وعرض السينمات العربية أمام الجمهور الفرنسي.

لماذا باريس تحديدًا؟

اختيار باريس ليس تفصيلًا عابرًا. المدينة تحمل ثقلًا تاريخيًا في استقبال السينما الفنية والتجريبية، كما أن مؤسساتها الأكاديمية والثقافية تمنح المشاريع السينمائية مساحة أرحب للنقاش والاحتكاك بالنقاد والطلاب والجمهور المتخصص. وتوضح المواد المنشورة حول الصالون أن الرهان الأساسي هو خلق حوار ثقافي يحيط بالفيلم، بدل الاكتفاء بعرضه مرة واحدة ثم اختفائه من المشهد. هذا التوجه يبدو مهمًا في زمن أصبحت فيه المنصات السريعة ومحتوى المشاهدة العاجلة تهيمن على التلقي.

ومن زاوية مصرية، تبدو الفكرة قريبة من قيمة الندوات والملتقيات التي اعتاد عليها جمهور المهرجانات في القاهرة والإسكندرية والجونة والإسماعيلية، حيث يصبح النقاش جزءًا من تجربة المشاهدة نفسها. غير أن خصوصية هذه المبادرة تكمن في أنها تنطلق هذه المرة من السينما السعودية المستقلة بوصفها عنوانًا رئيسيًا، وتقدّمها مباشرة إلى الفضاء الأوروبي عبر حدث مصمم خصيصًا لهذا الغرض.

جيجي حزيمة ومسارها داخل السينما المستقلة

جيجي حزيمة ليست اسمًا جديدًا بالكامل على المتابعين للمشهد السينمائي السعودي البديل. المعلومات المتاحة عن أعمالها تشير إلى أنها مخرجة وكاتبة ومنتجة سعودية أسست شركة الإنتاج المستقلة Look At The Wall Productions، وقدمت من قبل أفلامًا روائية مثل That Abandoned Place، فيما يُعد And Then Comes Winter أحدث مشاريعها الروائية المطروحة ضمن برنامج الصالون. كما تشير تغطيات صحفية حديثة إلى أن حزيمة ولدت في منطقة مكة المكرمة وعاشت لسنوات طويلة بين أكثر من مدينة خارج السعودية، وهو ما انعكس على رؤيتها البصرية وعلى اهتمامها بالأفلام ذات الحس الإنساني والشاعري.

هذا الامتداد بين التجربة السعودية والخبرة الدولية يفسر طبيعة المشروع نفسه؛ فهو لا يسعى فقط إلى تمثيل السينما السعودية في الخارج، بل إلى ترجمتها ثقافيًا أمام جمهور ربما لا يعرف الكثير عن تفاصيل تطور الصناعة داخل المملكة. ومن هنا يمكن فهم الإصرار على الجمع بين الفيلم والنقاش والفنون التشكيلية داخل ليلة واحدة أو ضمن فعالية متكاملة.

كيف يتحرك المشهد السعودي اليوم؟

لفهم أهمية الصالون، يجب النظر إلى التحول الأوسع في البنية السينمائية السعودية خلال السنوات الأخيرة. هيئة الأفلام السعودية، وهي جهة حكومية تابعة لوزارة الثقافة، تأسست في فبراير 2020 بهدف تطوير قطاع الأفلام وتمكين صناعها وبناء بيئة إنتاج أكثر احترافية داخل المملكة. إلى جانب ذلك، يواصل مهرجان أفلام السعودية أداء دور أساسي في اكتشاف الأصوات الجديدة وتقديم العروض والورش والندوات وسوق الإنتاج، وقد أعلن موقعه الرسمي أن الدورة الثانية عشرة أقيمت في الظهران من 23 إلى 29 أبريل 2026 بتنظيم من جمعية السينما بالشراكة مع إثراء وبدعم من هيئة الأفلام.

ضمن هذا السياق، تبدو مبادرة باريس امتدادًا خارجيًا طبيعيًا لنمو البنية السينمائية في السعودية، لكنها تختلف عن المؤسسات الرسمية في كونها مبادرة مستقلة تقودها مخرجة وتتبنى زاوية فنية محددة، هي زاوية الفيلم الشخصي غير الخاضع بالكامل لشروط السوق. وهذا ما يمنحها قيمة إضافية داخل خريطة السينما العربية المعاصرة.

ما الذي يعنيه ذلك للجمهور العربي والمصري؟

الخبر هنا ليس عن فعالية سعودية في باريس فحسب، بل عن محاولة لتصدير خطاب سينمائي عربي جديد إلى أوروبا من بوابة الاستقلال الفني. بالنسبة للقارئ في مصر، حيث تمتلك السينما تاريخًا طويلًا من التفاعل مع المهرجانات والمنابر الثقافية، فإن ظهور منصات عربية جديدة من هذا النوع يوسّع المشهد ولا ينافسه فقط. بل يمكن النظر إليه باعتباره مؤشرًا على أن المنطقة تدخل مرحلة أكثر تنوعًا، تتجاور فيها الصناعة التجارية مع مبادرات أصغر وأكثر جرأة على مستوى اللغة والأسلوب.

ومن المرجح أن تكون مثل هذه المبادرات أكثر تأثيرًا إذا نجحت في الاستمرار سنويًا، واستضافة أصوات متعددة من المخرجين والمخرجات السعوديين، وتقديم أفلامهم داخل مساحات نقدية تسمح بقراءة الأعمال لا مجرد استهلاكها. هذا بالضبط ما يمنح “صالون السينما السعودية المستقلة” وزنه الحالي: ليس عدد العروض، بل الفكرة التي يحملها، وهي أن السينما يمكن أن تظل فنًا حيًا للحوار، حتى في عصر السرعة والمنصات.

أبرز الحقائق المؤكدة عن الصالون

  • المؤسِّسة: المخرجة والمنتجة السعودية جيجي حزيمة.
  • موعد الدورة الأولى: 9 يوليو 2026.
  • مكان الانطلاق: مدرسة ESRA للسينما في باريس.
  • البرنامج: أفلام قصيرة، عرض “And Then Comes Winter”، نقاشات فنية، ومعرض بصري.
  • الهدف: تعزيز حضور السينما السعودية المستقلة وبناء جسور مع الجمهور الأوروبي.

في المحصلة، يقدّم صالون السينما السعودية المستقلة نموذجًا لافتًا لكيف يمكن لمبادرة فردية مدروسة أن تتحول إلى منصة تعريفية بالسينما السعودية خارج حدودها الجغرافية. وإذا واصل المشروع نموه بنفس هذا التصور، فقد يصبح واحدًا من المساحات العربية القليلة التي تضع سينما المؤلف السعودية في حوار مباشر مع أوروبا، وهو تطور يستحق المتابعة من جمهور السينما والدراما في مصر والمنطقة.