المازيكاتي

حفل «موسيقى الأفلام» يعيد ذاكرة الشاشة إلى أوبرا الإسكندرية

حفل ختامي بطابع سينمائي داخل موجة حفلات الصيف

في الثامنة مساء الأحد 27 سبتمبر 2026، تستضيف دار أوبرا الإسكندرية – مسرح سيد درويش حفل «موسيقى الأفلام» لأوركسترا وتريات أوبرا الإسكندرية، بقيادة المايسترو أحمد عاطف وتحت إشراف الدكتورة نيفين المحمودي. وتقدمه دار الأوبرا المصرية برئاسة الدكتور رضا الوكيل بوصفه أحد عروض افتتاح الموسم الفني الجديد للأوركسترا، وفي الوقت نفسه امتدادًا طبيعيًا لزخم حفلات الصيف التي ظلت الأوبرا تراهن خلالها على البرامج القادرة على جمع الذائقة الكلاسيكية مع الذاكرة الشعبية المصرية.

هذا الربط مهم لأن جمهور سبتمبر في مصر لا يتعامل مع الحفلات باعتبارها موسمًا منفصلًا تمامًا، بل كذروة متأخرة لصيف ثقافي يبحث فيه الناس عن أعمال يعرفونها ويحفظونها أكثر من بحثهم عن التجريب الخالص. وهنا تظهر قوة الفكرة: أمسية موسيقية خالصة، لكن مادتها الأساسية آتية من الشاشة، أي من أكثر المساحات التصاقًا بالوجدان المصري في السينما والدراما.

الرهان ليس على أغنية منفردة أو على نجم شباك حاضر على المسرح، بل على ما هو أبقى: تيمة الفيلم أو المسلسل. هذه المقطوعات كانت، لعقود، المدخل الأول إلى الحكاية الدرامية. وما إن تُعزف حيًا حتى يتحول الاستماع إلى استدعاء جماعي للمشاهد والوجوه والانفعالات التي صاحبتها في دور العرض، وعلى شاشة التلفزيون، وفي ذاكرة البيوت المصرية.

برنامج الحفل: عناوين مصرية محفورة في الأذن قبل العين

بحسب ما أعلنته التغطيات الإخبارية المصرية عن الحفل، يضم البرنامج باقة من كلاسيكيات موسيقى السينما المصرية، من بينها أعمال أفلام «أحلى الأوقات» و«كراكون في الشارع» و«المشبوه» و«غرام في الكرنك» و«صاحب الجلالة» و«خلي بالك من عقلك» و«عائلة زيزي» و«بطل من ورق» و«دعاء الكروان» و«فيلم ثقافي» و«إمبراطورية ميم» و«شفيقة ومتولي» و«في محطة مصر» و«بائعة الجرايد» و«شمس الزناتي»، إلى جانب تقديم «فيها حاجة حلوة» من فيلم «عسل أسود».

هذه القائمة تكشف وحدها لماذا يبدو الحفل مناسبًا تمامًا لقسم السينما والدراما. فنحن أمام خريطة شبه كاملة لذاكرة الشاشة المصرية، من الكلاسيكي إلى الأحدث نسبيًا، ومن الأفلام التي ارتبطت بنجوم العصور الذهبية إلى أعمال ما بعد الألفية التي دخلت سريعًا إلى الوعي الجمعي. إنها ليست أمسية نوستالجيا عامة، بل نوستالجيا محددة جدًا، لها أسماء أفلام معروفة، وصور ذهنية جاهزة، وموسيقى قادرة على استعادة الزمن في ثوانٍ.

كيف يخدم الحفل موجة الحنين لدى جمهور مصر؟

الحنين في الحالة المصرية ليس مجرد رغبة في العودة إلى الماضي، بل طريقة مستمرة لإعادة ترتيب العلاقة مع التراث الفني. لذلك تنجح حفلات من هذا النوع لأنها تعيد تقديم أعمال يعرفها الجمهور مسبقًا، ولكن خارج سياقها المعتاد. المشاهد اعتاد أن يسمع هذه الموسيقى كجزء من بناء الفيلم، كخلفية للمشهد أو مقدمة تمهد للتوتر أو الرومانسية أو الشجن. أما على المسرح، فتصير الموسيقى هي البطل.

وهذا التحول مهم جدًا. فعندما تُعزف موسيقى «شمس الزناتي» مثلًا، لا تعود مجرد رفيق لمشهد أكشن أو بطولة، بل تصبح قطعة مستقلة تُظهر كيف بُني الإيقاع الدرامي من الأساس. وعندما تُستعاد موسيقى «دعاء الكروان» أو «إمبراطورية ميم»، فإن الجمهور لا يكتفي بتذكر الفيلم، بل يعيد اكتشاف حساسيته اللحنية بعيدًا عن الحوار والصورة.

حنين متعدد الأجيال لا يخص جيلًا واحدًا

من نقاط قوة هذا الحفل أن برنامجه لا يخاطب شريحة عمرية واحدة. فهناك من سيرتبط ذهنيًا بأفلام الأبيض والأسود والكلاسيكيات الرومانسية، وهناك من سيتذكر أفلامًا اجتماعية وشعبية أوسع انتشارًا في التلفزيون، بينما يجد جمهور أحدث مدخله عبر «فيلم ثقافي» و«عسل أسود». هذا الاتساع في المرجعيات يفسر لماذا تبدو موسيقى الأفلام المصرية مادة مثالية لحفل جماهيري: كل شخص يدخل القاعة وفي ذاكرته نسخة خاصة من هذه الأعمال، لكنه يخرج وهو يشعر أنه شارك الآخرين في ذاكرة واحدة.

  • جاذبية فورية: الألحان معروفة سلفًا، فلا يحتاج الجمهور إلى تمهيد طويل.
  • قيمة درامية: كل مقطوعة مرتبطة بحكاية ومشاهد وشخصيات راسخة.
  • مساحة للتجديد: الأداء الأوركسترالي يعيد صياغة ما اعتدنا سماعه على الشاشة.
  • تفاعل حي: الحنين يتحول من تجربة فردية إلى حالة جماعية داخل المسرح.

مسرح سيد درويش: المكان نفسه يضاعف أثر الذاكرة

اختيار مسرح سيد درويش كموقع للحفل ليس مجرد تفصيل تنظيمي. فالمسرح، المعروف باسم أوبرا الإسكندرية، بُني عام 1918 تحت اسم «مسرح محمد علي»، ثم حمل اسم سيد درويش منذ 1962، قبل أن يُعاد افتتاحه بعد الترميم في 2004. هذا التاريخ وحده يكفي ليجعل المكان جزءًا من تجربة الاستقبال، لا مجرد حاوية للعرض.

الجمهور الذي يذهب ليستمع إلى موسيقى أفلام مصرية داخل مبنى تراثي بهذا الثقل، يعيش نوعين من الحنين في الوقت نفسه: حنينًا إلى الشاشة، وحنينًا إلى الفضاء الثقافي الكلاسيكي الذي ما زال يحتفظ بهيبته في الإسكندرية. ولهذا يبدو الحفل منسجمًا جدًا مع شخصية المدينة أيضًا؛ مدينة لها تاريخ طويل مع المصايف والثقافة والذاكرة البصرية، وتستوعب بسهولة هذا المزج بين النخبوية الفنية والحميمية الشعبية.

صلة طبيعية بأولوية «حفلات الصيف»

الزاوية الصيفية هنا ليست مفتعلة. صحيح أن الموعد يأتي في 27 سبتمبر 2026، لكن الحياة الثقافية في الإسكندرية تحتفظ عادةً بمزاج الصيف حتى نهاية الشهر، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالفعاليات الجماهيرية التي تستثمر في الذائقة العامة. ومن هذه الزاوية، يبدو حفل «موسيقى الأفلام» كأنه خاتمة صيفية ذكية: لا يعتمد على المفاجأة بقدر ما يعتمد على القرب من ذاكرة الجمهور.

كما أن متابعة نشاط الأوبرا خلال سبتمبر 2026 تكشف توجهًا واضحًا نحو حفلات تستند إلى التراث الموسيقي والزمن الجميل، سواء في استعادة أعمال كبار الملحنين أو في البرامج التي تعيد تقديم مواد مألوفة بجودة أوركسترالية. لكن هذا الحفل يضيف بعدًا مهمًا يهم جمهور السينما والدراما تحديدًا: إنه يعامل الموسيقى التصويرية والتيمات الشهيرة بوصفها بطلة العرض، لا ملحقًا بالأعمال الأصلية.

من الشاشة إلى المسرح: دفاع حي عن موسيقى الصورة

أهمية الحفل تتجاوز المتعة المباشرة. فهو يلفت الانتباه إلى قيمة موسيقى الصورة في تاريخ الفن المصري، وهي قيمة كثيرًا ما عاشت في الظل رغم تأثيرها العميق. فعدد كبير من المشاهدين يتذكرون بداية فيلم ما أو أجواء مسلسل ما من خلال اللحن قبل أي عنصر آخر. وعندما تُنتزع هذه الموسيقى من سياقها الأصلي وتُقدَّم حيًا، نكتشف كم كانت حاسمة في تشكيل الذاكرة العاطفية للأعمال.

هذه هي النقطة التي تجعل حفل «موسيقى الأفلام» أكثر من سهرة ترفيهية. إنه مناسبة تذكّر بأن السينما والدراما المصرية لم تُصنع بالنصوص والتمثيل فقط، بل أيضًا بالمقدمات الموسيقية واللازمات اللحنية التي التصقت بالمشاعر والمواقف والأبطال. وبين «شفيقة ومتولي» و«إمبراطورية ميم» و«شمس الزناتي» و«عسل أسود»، تبدو الخلاصة واضحة: الجمهور المصري لا يحن فقط إلى ما شاهده، بل إلى ما سمعه معه.

لهذا يخدم الحفل موجة الحنين بأكثر الطرق صدقًا وفعالية: لا عبر كلام عام عن الماضي الجميل، بل عبر إعادة تلك الألحان نفسها إلى الحياة على المسرح. وحين يحدث ذلك في أوبرا الإسكندرية، وفي توقيت يلتقط أنفاس حفلات الصيف الأخيرة، يصبح الحدث واحدًا من أكثر الأمسيات اتصالًا فعليًا بوجدان جمهور السينما والدراما في مصر.