حق الأداء العلني في مصر.. هل يضمن دخلاً متجدداً للفنانين؟
حق الأداء العلني يعود إلى صدارة النقاش الفني في مصر
يتجدد الجدل داخل الوسط الفني المصري حول سؤال قديم يتكرر مع كل إعادة عرض لمسلسل أو فيلم ناجح: هل يحصل صناع العمل على مقابل مادي جديد بعد البث الأول؟ الإجابة التي طرحها السيناريست أيمن سلامة كانت واضحة؛ إذ أكد أن حق الأداء العلني يفتح الباب أمام حصول المؤلف والمخرج والممثل، وغيرهم من أصحاب الحقوق المجاورة، على عائد مالي عند إعادة بث الأعمال الفنية أو عرضها عبر وسائل الإعلام والمنصات المختلفة.
هذا الطرح لا يأتي في فراغ، بل يتقاطع مع تحركات تشريعية ونقابية شهدتها مصر خلال الشهور الأخيرة، في وقت تتوسع فيه إعادة عرض الأعمال الدرامية والسينمائية على القنوات الفضائية والمنصات الرقمية، ما أعاد ملف الحقوق المالية اللاحقة للعقد الأصلي إلى قلب النقاش بين الفنانين والمنتجين والجهات المنظمة.
ماذا قال أيمن سلامة؟
بحسب ما نشرته بوابة الأهرام، قال أيمن سلامة، رئيس جمعية مؤلفي الدراما، إن حق الأداء العلني يمثل خطوة لحماية المبدعين من مؤلفين ومخرجين وممثلين، سواء كانوا على قيد الحياة أو انتقلت حقوقهم إلى الورثة، موضحًا أن هذا الحق يستند إلى الأطر القانونية والاتفاقيات ذات الصلة، وأن مصر شهدت خلال الفترة الماضية خطوات عملية لتدشينه للمؤلفين، مع الحديث أيضًا عن شموله للمخرجين وفناني الأداء.
وفي جلسة استضافتها لجنة الدراما بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، أشار سلامة إلى أن أزمة حق الأداء العلني للمؤلفين شهدت انفراجة، كما طرح فكرة تعديل أو إضافة مادة مرتبطة بقانون حماية الملكية الفكرية بما يضمن التزام جهات العرض بسداد هذا الحق مع تكرار عرض الأعمال على شاشاتها. كما أوضح أن جمعية مؤلفي الدراما تأسست عام 2005 وتضم 114 عضوًا، وفق ما نقلته المصري اليوم.
ما هو حق الأداء العلني؟
ببساطة، لا يتعلق هذا الحق بالأجر الذي يتقاضاه الفنان أو الكاتب أو المخرج عند تنفيذ العمل لأول مرة، بل بمقابل لاحق يرتبط بإعادة استغلال المصنف فنيًا بعد خروجه إلى الجمهور. ويشمل ذلك إعادة البث التلفزيوني، وبعض صور الإتاحة للجمهور، والانتفاع التجاري المتكرر بالمحتوى عبر الوسائط المختلفة.
وتوضح المناقشات الجارية في مصر أن هناك فارقًا جوهريًا بين أجر التعاقد الأصلي وبين الحق المالي المتجدد الناتج عن إعادة الاستخدام. وقد شدد المستشار ماضي توفيق الدقن، رئيس جمعية أبناء فناني مصر، على هذا التفريق، مؤكدًا أن الأجر أثناء التصوير شيء، بينما حق الأداء العلني أو الحق المرتبط بالملكية الفكرية والأدبية ينشأ بعد اكتمال العمل وبدء استغلاله وعرضه تجاريًا، ويمكن أن يمتد إلى الورثة بعد الوفاة.
الأساس القانوني في مصر
يرتكز هذا الملف على قانون حماية الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002، وهو القانون الذي يُعد المرجعية الأساسية لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة في مصر. وتظهر نسخة القانون المنشورة عبر WIPO Lex، التابعة للمنظمة العالمية للملكية الفكرية، أن التشريع المصري يتضمن حماية لصور متعددة من الاستغلال غير المصرح به للأعمال والأداءات والتسجيلات والبرامج الإذاعية، بما يشمل الإتاحة للجمهور وإعادة البث والاتصال العلني بوسائل مختلفة.
ومن هنا، فإن النقاش الدائر حاليًا لا يدور فقط حول مبدأ الحق نفسه، بل حول آلية التطبيق العملي، والتعريفة، والجهة التي تقوم بالتحصيل والتوزيع، وكيفية تنظيم العلاقة التعاقدية بين الفنان أو المؤلف من جهة، وشركات الإنتاج وجهات العرض من جهة أخرى.
تحركات برلمانية ونقابية متسارعة
خلال يونيو 2026، استقبل مجلس الشيوخ المصري عددًا من نجوم الفن في اجتماع للجنة الثقافة والسياحة والآثار والإعلام، لمناقشة اقتراح برغبة مقدم من الفنان والنائب ياسر جلال بشأن تفعيل حق الأداء العلني كأحد الحقوق المجاورة لحق المؤلف. وذكرت المصري اليوم أن الهدف من هذا التحرك هو ضمان حصول فناني الأداء من ممثلين ومطربين وعازفين وغيرهم على حقوقهم المالية الناتجة عن إعادة عرض وبث أعمالهم عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.
ولم تتوقف التحركات عند النقاش البرلماني. فبحسب بوابة الأهرام، قال نقيب المهن السينمائية مسعد فودة إن هناك اجتماعات موسعة جرت بحضور الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية، والسيناريست أيمن سلامة، والمستشار ماضي الدقن، إلى جانب النائب ياسر جلال، لمناقشة آليات تفعيل حق الأداء العلني والحقوق المجاورة، بما يضمن حماية حقوق جميع أطراف العملية الإبداعية.
هل بدأت ملامح التطبيق بالفعل؟
اللافت أن الملف انتقل مؤخرًا من مرحلة المطالبة العامة إلى خطوات تنظيمية أكثر تحديدًا. فقد نشرت المصري اليوم قبل أيام أن نقابتي المهن التمثيلية والمهن السينمائية ألزمتا شركات الإنتاج بعقد جديد يتضمن بنودًا رئيسية، من بينها حظر التنازل عن حق الأداء العلني، واعتبار أي اتفاق يتضمن هذا التنازل باطلًا بطلانًا مطلقًا. هذه الخطوة تعكس أن القضية لم تعد مجرد شعار نقابي، بل تتجه إلى صياغات تعاقدية مباشرة قد تؤثر على سوق الإنتاج الفني في مصر.
وفي سياق متصل، كانت بوابة الأهرام قد أشارت قبل نحو ثمانية أشهر إلى تدشين حق الأداء العلني لمؤلفي الدراما في مصر، بحضور عدد من المسؤولين والقيادات الفنية، من بينهم الدكتور هشام عزمي رئيس الجهاز المصري للملكية الفكرية، والمخرج عمر عبد العزيز رئيس اتحاد النقابات الفنية، والدكتور أشرف زكي، ومسعد فودة، إلى جانب أيمن سلامة.
لماذا يهم هذا الملف الوسط الفني المصري؟
تكتسب القضية أهمية خاصة في السوق المصرية لأن الأعمال الدرامية والسينمائية المحلية تمتلك عمرًا استهلاكيًا طويلًا. فالمسلسلات المصرية، خصوصًا أعمال المواسم الرمضانية الناجحة والكلاسيكيات القديمة، يعاد بثها بشكل متكرر على قنوات متعددة، كما تدخل لاحقًا إلى مكتبات المنصات الرقمية. هذا يعني أن قيمة العمل الاقتصادية لا تنتهي غالبًا عند العرض الأول.
ومن هذا المنطلق، يرى مؤيدو تفعيل حق الأداء العلني أن من العدل أن يحصل المبدع على نصيب من العوائد المتكررة، لا سيما إذا استمرت جهات العرض في تحقيق منفعة تجارية من العمل لسنوات. كما يطرح الملف بعدًا اجتماعيًا مهمًا، لأن العائد المتجدد قد يوفر مصدر دخل أكثر استقرارًا لبعض الفنانين والمؤلفين، أو لورثة الراحلين منهم.
ما الذي لا يزال غامضًا؟
رغم الزخم الحالي، تبقى بعض التفاصيل قيد النقاش أو في حاجة إلى تنظيم أوضح. من أبرزها: من هي الجهة التي ستتولى التحصيل؟ وكيف ستُحتسب التعريفة؟ وهل ستكون موحدة بين التلفزيون والمنصات الرقمية ودور العرض والأماكن العامة؟ وما هي حدود الحقوق التي لا يجوز التنازل عنها تعاقديًا؟
المتاح من المصادر الموثوقة حتى الآن يؤكد وجود تحرك رسمي ونقابي وبرلماني جاد، لكنه لا يقدم بعد جدولًا نهائيًا معلنًا لتطبيق شامل بكل تفاصيله. لذلك، فإن الحديث عن «استعداد مصر لإقرار التعريفة» يمكن فهمه في إطار هذه المساعي الجارية، دون الجزم بتفاصيل لم تُعلن رسميًا حتى الآن.
خلاصة المشهد
تصريحات أيمن سلامة أعادت تسليط الضوء على واحدة من أهم القضايا المرتبطة بمستقبل الصناعة الفنية في مصر: كيف يحصل المبدع على حقه عندما يستمر عمله في تحقيق عائد بعد سنوات من إنتاجه؟ المؤشرات الحالية تقول إن حق الأداء العلني لم يعد ملفًا مؤجلًا، بل أصبح بندًا حاضرًا بقوة على طاولة البرلمان والنقابات والجهات المعنية بالملكية الفكرية.
وبالنسبة للجمهور المصري، قد يبدو النقاش قانونيًا في ظاهره، لكنه في جوهره مرتبط بحماية القيمة الاقتصادية للفن المصري نفسه، وبإعادة تنظيم العلاقة بين الإبداع والعائد المالي في عصر تتعدد فيه الشاشات وتتسع فيه دورة إعادة عرض المحتوى أكثر من أي وقت مضى.