المازيكاتي

خالد عباس: مدينة الفنون بالعاصمة تراهن على العروض الكبرى

مدينة الفنون والثقافة تفتح أبوابها لـ«خيال مريض» وتكشف ملامح رهان جديد على المسرح

في تحرك يعكس رغبة واضحة في توسيع حضور الفعاليات الفنية داخل العاصمة الإدارية الجديدة، استقبلت مدينة الفنون والثقافة صناع وأبطال مسرحية «خيال مريض» بحضور المهندس خالد عباس، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، خلال فعالية أقيمت يوم الخميس 24 سبتمبر 2026. وخلال المناسبة، شدد عباس على أن المدينة لا تكتفي باستضافة العروض، بل تعمل أيضًا على بناء مسار مستدام لاكتشاف المواهب ودعمها، بالتوازي مع السعي إلى جذب فعاليات وعروض فنية كبيرة تليق بطموح المشروع الثقافي في العاصمة الجديدة.

الرسالة الأهم في هذه الزيارة لم تكن مرتبطة فقط بعرض مسرحي ناجح، بل بما تعنيه استضافة عمل جماهيري مثل «خيال مريض» داخل هذا الصرح الثقافي. فبحسب تصريحات خالد عباس، هناك خطة تستهدف منح المدينة مكانة مؤثرة على خريطة الفن في مصر والمنطقة، مع العمل على رعاية المواهب الشابة وتوفير بيئة إنتاجية وتدريبية متطورة. وأشار إلى اختيار 45 محترف بيانو ضمن ورشة متخصصة، كما تحدث عن وجود بنية تضم واحدًا من أكبر استوديوهات الصوت إلى جانب المسارح، فضلًا عن 90 استوديو داخل المدينة.

لماذا تبدو «خيال مريض» محطة مناسبة لهذا التحول؟

اختيار مسرحية «خيال مريض» لم يأتِ من فراغ، فالعمل حقق حضورًا جماهيريًا لافتًا منذ انطلاق عروضه في صيف 2026، قبل انتقاله إلى مسرح الدراما بمدينة الفنون والثقافة في العاصمة الإدارية. وكانت تقارير صحفية قد أكدت أن المسرحية قُدمت في العاصمة الجديدة أيام 24 و25 سبتمبر 2026 ثم 1 و2 أكتوبر 2026، بعد نجاحها في موسمها السابق، وهو ما منح الزيارة الأخيرة بعدًا يتجاوز المجاملة البروتوكولية إلى تأكيد على جدية الرهان على المسرح التجاري الجاد داخل المدينة.

ومن زاوية تخص جمهور قسم «الموسيقى والمشاهير»، فإن وجود نجوم معروفين في العرض ساعد على لفت الانتباه إلى المشروع كله، لا إلى المسرحية وحدها. ويقود البطولة الفنان هشام ماجد، الذي يخوض بهذه المسرحية أولى تجاربه المسرحية في مصر، ويقدم خلالها شخصية الدكتور طه، وهي شخصية تدور داخل إطار كوميدي ذي طابع نفسي. ويشاركه البطولة محمد عبد الرحمن، وهنادي مهنا، وأحمد الرافعي، ودينا دياب، ونغم صالح، ومحسن منصور، ووليد عبد الغني، إلى جانب أسماء أخرى ارتبطت بالعروض الأخيرة.

هشام ماجد في واجهة المشهد المسرحي

يحضر اسم هشام ماجد بقوة هنا بوصفه الوجه الأبرز للعمل، خصوصًا أن «خيال مريض» ارتبط في تغطيته الإعلامية بفكرة عودته إلى الخشبة عبر مشروع يراهن على الكوميديا ذات البناء الدرامي، لا مجرد الاسكتشات السريعة. وقد جرى الترويج للمسرحية منذ يونيو 2026 باعتبارها أول تجربة مسرحية له داخل مصر، قبل أن تبدأ العروض في يوليو وتستمر لاحقًا على أكثر من مسرح.

كما أن العمل اكتسب زخمًا إضافيًا مع ظهوره في البرامج الفنية ونجاحه في جذب جمهور النجوم والمتابعين، وهو ما يعكس أن المسرحية تحولت من مجرد عرض موسمي إلى عنوان حاضر في النقاش الفني خلال الشهور الأخيرة. وفي تقارير لاحقة، جرى الحديث أيضًا عن استعداد فريق العمل لتقديم العرض في لندن إلى جانب استكمال عروضه في العاصمة الإدارية، بما يمنح المشروع مساحة انتشار أوسع.

مدينة الفنون والثقافة.. مشروع أكبر من مجرد مسرح

بالنظر إلى ما نُشر سابقًا عن المدينة، يتضح أن الحديث عن استقطاب عروض عالمية لا ينفصل عن طبيعة المكان نفسه. فالمدينة، بحسب تقارير مصرية رسمية وصحفية، أُنشئت على مساحة تقارب 127 فدانًا، وتضم دار الأوبرا المصرية الجديدة، ومتحف عواصم مصر، ومتحف الفنون البصرية، وقاعات عرض، وبيت العود، ومبنى للموسيقى المعاصرة، ومكتبات، إلى جانب مسارح وتجهيزات تقنية متعددة. هذه المواصفات تفسر لماذا تُقدَّم المدينة اليوم باعتبارها منصة قادرة على استقبال الفنون الحية والعروض الموسيقية والمسرحية واسعة النطاق.

وليس هذا الطموح جديدًا بالكامل؛ إذ سبق أن تحدث خالد عباس في أكثر من مناسبة عن رغبة العاصمة الإدارية في تنظيم حفلات وفعاليات دولية، كما استضافت المدينة خلال الشهور الماضية فعاليات ذات طابع دولي، من بينها حفل ختام حملة «مانحي الأمل» العالمية داخل قاعة الدراما. لذلك يمكن قراءة استقبال فريق «خيال مريض» باعتباره جزءًا من مسار أوسع يهدف إلى تثبيت صورة العاصمة الجديدة كمكان لا يقتصر على الوظائف الحكومية أو العمرانية، بل يسعى إلى بناء شخصية ثقافية وترفيهية واضحة.

دعم المواهب.. من الشعار إلى التطبيق

أكثر ما لفت الانتباه في تصريحات خالد عباس هو الربط بين استضافة النجوم واكتشاف المواهب. فبدل أن تُقدَّم المدينة كواجهة للعروض الكبيرة فقط، جرى الحديث عن ورش، واختبارات، ومساحات تدريب. هذا الربط مهم للسوق الفنية المصرية، لأن أزمة البنية الداعمة للمواهب لا تزال مطروحة بقوة، خاصة في مجالات الأداء الحي والموسيقى والتقنيات المرتبطة بالإنتاج المسرحي. ومن هنا، فإن الإعلان عن ورشة للبيانو واختيار محترفين للمشاركة فيها يمنح الانطباع بأن المشروع يحاول الجمع بين العرض الجماهيري وصناعة الكوادر.

وبالنسبة للجمهور المصري، فإن نجاح هذه الفكرة سيُقاس لاحقًا بمدى انتظام الأنشطة، وقدرة المدينة على إنتاج مواسم فنية مستمرة، لا الاكتفاء بالمناسبات المتفرقة. لكن المؤكد حتى الآن أن وجود بنية مجهزة، مع استضافة أعمال جماهيرية مثل «خيال مريض»، يفتح الباب أمام نموذج مختلف لمشهد الترفيه الحي في مصر خلال السنوات المقبلة.

أبطال «خيال مريض» في قلب الحراك الفني الجديد

المسرحية نفسها تدور في إطار كوميدي سيكولوجي، حيث يقدم هشام ماجد شخصية طبيب نفسي يعالج مرضاه عبر الدراما، وهو خط درامي منح العرض مساحة للمفارقات واللعب الكوميدي بين الشخصيات. وشارك في كتابة النص وإخراجه محمد محمدي، بينما تولت الإنتاج يارا حسن، وفق ما أكدته أكثر من تغطية صحفية خلال مرحلة التحضير ثم مع انطلاق العروض.

وفي السياق نفسه، أظهرت التغطيات الأخيرة أن العرض لم يمر مرورًا عابرًا، بل دخل في دائرة الأعمال التي يعاد الحديث عنها مع كل محطة جديدة، سواء عبر استضافات تلفزيونية أو تغطيات صحفية أو انتقاله إلى مسارح جديدة. وهذا ما يجعل استقباله في مدينة الفنون والثقافة خطوة منطقية في توقيت تحاول فيه العاصمة الإدارية جذب اهتمام الجمهور الفني، وليس فقط جمهور الاستثمار والعمران.

ما الذي يعنيه ذلك للمشهد الفني في مصر؟

إذا استمرت مدينة الفنون والثقافة في استقطاب عروض جماهيرية بهذا المستوى، مع توسيع برامج التدريب والدعم، فقد تتحول إلى عنوان ثابت في خريطة الحفلات والمسرحيات والفعاليات الفنية في مصر. والأهم أن هذا التوجه يمنح الفنانين ومنتجي العروض مساحة إضافية خارج الدوائر التقليدية في القاهرة والشيخ زايد، مع الحفاظ على عنصر الجذب الجماهيري الذي تحتاجه أي تجربة مسرحية معاصرة.

في المحصلة، فإن استقبال صناع «خيال مريض» لم يكن مجرد حدث بروتوكولي عابر، بل إشارة واضحة إلى أن مدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الإدارية الجديدة تريد أن تقدم نفسها كلاعب فعلي في المشهد الترفيهي المصري. وبين طموح استضافة عروض عالمية، ودعم المواهب، والاستفادة من أسماء نجوم مثل هشام ماجد، يبدو أن المدينة تخوض الآن اختبارها الأهم: كيف تتحول من منشأة مبهرة إلى مركز حي يصنع حدثًا فنيًا مستمرًا يهم الجمهور المصري فعلًا؟