دار عم الطيب في سوسة.. منزل يتحول إلى مشهد بصري حي
دار عم الطيب.. عندما يصبح المنزل سينوغرافيا كاملة
في مدن المغرب العربي التي تتقاطع فيها الذاكرة الشعبية مع التجارب البصرية الحديثة، تبرز أحيانًا أماكن يصعب تصنيفها بسهولة: هل هي منزل، أم متحف، أم ورشة، أم عمل فني قائم بذاته؟ هذا بالضبط ما يميّز دار عم الطيب للفن المعاصر في مدينة سوسة التونسية، وهو الفضاء الذي ارتبط باسم الفنان التشكيلي والنحات التونسي الطيب بلحاج أحمد، أحد أبرز الأسماء العصامية في المشهد التشكيلي التونسي. وتشير مصادر موثقة إلى أن الفنان، المولود عام 1949 والمتوفى في 7 فبراير 2022، أنشأ هذا المتحف الخاص سنة 2005 داخل منزله في سوسة، ليحوّل البيت نفسه إلى تجربة فنية مفتوحة تتجاوز فكرة العرض التقليدي للأعمال الفنية.
وبالنسبة للقارئ المصري، قد تبدو الفكرة قريبة من سحر البيوت التي تتحول إلى عوالم درامية كاملة في السينما: مكان محدود من الخارج، لكنه يخفي داخله طبقات من الحكايات والصور والرموز. هنا تكمن جاذبية «دار عم الطيب»، لا باعتباره مجرد عنوان سياحي، بل بوصفه فضاء بصريًا يصلح لأن يُقرأ بعين السينما والدراما أيضًا؛ فالمكان قائم على الإبهار البصري، والمفاجأة، وإعادة بناء الأشياء اليومية داخل مشهد فني له إيقاعه الخاص.
فنان عصامي صنع لغته الخاصة
الطيب بلحاج أحمد لم يأتِ من المسارات الأكاديمية التقليدية بقدر ما صنع تجربته بجهد شخصي طويل، وهو ما تؤكده المراجع المتاحة عنه باعتباره رسامًا ونحاتًا تونسيًا عصامي التكوين. هذا الجانب مهم في قراءة مشروعه، لأن قوة «دار عم الطيب» لا تنفصل عن سيرة صاحبه: فنان اشتغل على تحويل المواد البسيطة، والمهملات، والخردة، والأشياء المستعملة إلى عناصر تشكيلية ذات معنى. وبدل أن تبقى هذه المواد خارج دائرة الجمال، أعاد إدماجها داخل أعمال تجمع بين النحت، والتركيب، والبعد المشهدي للمكان.
هذا المنهج يضع تجربته ضمن اتجاهات معروفة في الفن المعاصر تقوم على إعادة توظيف الخامات اليومية، لكن خصوصية المشروع في سوسة تكمن في أن الفنان لم يكتفِ بإنتاج قطع منفصلة، بل جعل المنزل نفسه إطارًا سرديًا للأعمال. بمعنى آخر، الزائر لا يشاهد لوحات ومنحوتات فحسب، بل يدخل إلى عالم مُركّب يتشكل من الممرات والزوايا والباحات والعناصر المتراكبة التي تنتج حالة بصرية قريبة من الديكور الدرامي أو تصميم موقع تصوير حي.
سوسة.. مدينة تاريخية تحتضن فضاءً معاصرًا
اختيار سوسة ليس تفصيلًا عابرًا في الحكاية. فالمدينة تُعد واحدة من أبرز الحواضر التاريخية في تونس، وتؤكد بلدية سوسة في موقعها الرسمي أن المدينة العتيقة مدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، بما يمنح المكان خلفية حضارية غنية تجمع بين العمق التاريخي والحركة الثقافية والسياحية. داخل هذا السياق، يبدو «دار عم الطيب» إضافة مختلفة؛ فهو لا ينافس المواقع الأثرية بقدر ما يقدّم طبقة جديدة من هوية المدينة، طبقة حديثة ومعاصرة تعتمد على الخيال الفردي والمبادرة الشخصية.
وفي السنوات الأخيرة، تؤكد مؤشرات المشهد الثقافي التونسي الرسمي أن الفنون التشكيلية تحظى بحضور مؤسسي متزايد، سواء عبر المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر (MACAM) في مدينة الثقافة بتونس العاصمة أو من خلال فعاليات الصالون الوطني للفنون التشكيلية. وقد أشارت وزارة الشؤون الثقافية التونسية إلى افتتاح الدورة الثانية للصالون الوطني للفنون التشكيلية يوم 24 يناير 2026 واستمرارها حتى 24 فبراير 2026، في إشارة إلى رغبة واضحة في دعم هذا القطاع وتوسيع انتشاره جغرافيًا. ضمن هذا المشهد الأوسع، يكتسب «دار عم الطيب» قيمة إضافية بوصفه تجربة سبقت كثيرًا من هذا الزخم المؤسسي، واعتمدت على المبادرة الفردية منذ تأسيسه في 2005.
لماذا يهم هذا المكان جمهور السينما والدراما؟
رغم أن «دار عم الطيب» ينتمي أساسًا إلى الفنون التشكيلية، فإن زاوية تناوله في قسم السينما والدراما تبدو مشروعة للغاية. السبب أن المكان يعمل بمنطق بصري قريب من صناعة الصورة الدرامية: تراكم العناصر، حضور الملمس، التكوين داخل الكادر، والمفاجأة التي تنشأ من تحويل شيء مهمل إلى علامة ذات دلالة. هذه كلها مفردات يعرفها صناع الديكور، ومصممو المناظر، ومديرو التصوير جيدًا.
في الأعمال الدرامية العربية، كثيرًا ما يُبنى الإبهار على استوديوهات مصممة بعناية لإنتاج مزاج بصري مقنع. أما هنا، فالمشهد نابع من بيت حقيقي أعاد صاحبه تشكيله تدريجيًا حتى صار أقرب إلى متحف-لوكيشن، أو فضاء يصلح لتصوير فيلم فني أو مسلسل قصير يقوم على الغرابة الحميمة للمكان. لهذا يمكن النظر إلى «دار عم الطيب» كدرس بصري في كيفية صناعة الهوية الدرامية للمكان بأدوات محدودة، لكن بخيال واسع.
من المهمل إلى المعنى
أهم ما يمنح التجربة قيمتها اليوم هو فلسفتها قبل شكلها. فالمشروع قائم على فكرة إنقاذ ما يُعتبر زائدًا أو عديم القيمة، ثم إعادة تقديمه داخل بنية فنية جديدة. هذا النوع من التفكير لا يخص الفن التشكيلي وحده؛ بل يجاور أيضًا منطق السينما المستقلة، التي كثيرًا ما تبني جمالياتها من الموارد المحدودة، ومن إعادة استخدام الأشياء والأماكن خارج أدوارها الأصلية.
وتصف مواد منشورة حديثًا عن «دار عم الطيب» المكان بأنه ليس مجرد متحف يضم أعمالًا فنية، بل خلاصة تجربة امتدت لخمسة عقود أراد صاحبها أن يورّثها للزوار. ومن هنا تأتي فرادة المشروع: الزائر لا يواجه قطعًا معلّقة على الجدران فقط، بل يلتقي برؤية كاملة للعالم، تقول إن الجمال يمكن أن يُستخرج من الهوامش، وإن الفن لا يحتاج دائمًا إلى مؤسسة كبرى كي يوجد ويؤثر.
قيمة ثقافية تتجاوز الحدود المحلية
رغم أن «دار عم الطيب» فضاء محلي النشأة، فإن حضوره في الأدلة السياحية المفتوحة، وظهوره في أرشيفات صور عامة، وتداوله باعتباره متحفًا خاصًا للفن المعاصر في سوسة، كلها مؤشرات على أن التجربة تجاوزت محيطها الضيق. كما أن وجود عنوانه المتداول في سوسة، وتحديدًا في Rue Jalta، يرسخ حضوره باعتباره معلمًا معروفًا داخل المدينة، لا مجرد مبادرة عابرة ارتبطت بسيرة فنان ثم اختفت.
بالنسبة للمشهد الثقافي العربي، تمثل هذه التجارب قيمة خاصة لأنها تذكّر بأن الفن المعاصر ليس حكرًا على القاعات البيضاء المغلقة أو المؤسسات الكبرى فقط. أحيانًا يولد المشروع الأصدق من منزل شخصي، ومن علاقة يومية بين الفنان ومقتنياته وبيئته ومخلفاته. وهذه الفكرة تحديدًا هي ما يجعل «دار عم الطيب» أقرب إلى حكاية درامية ملهمة: رجل يبني عالمه الخاص، ويتركه شاهدًا على أن الخيال قادر على تغيير وظيفة المكان نفسه.
خلاصة المشهد
«دار عم الطيب» في سوسة ليس مجرد منزل يخفي أعمالًا فنية خلف واجهته، بل تجربة بصرية متكاملة صنعها الفنان التونسي الطيب بلحاج أحمد على مدى سنوات، مستندًا إلى حس عصامي وقدرة نادرة على تحويل الخردة والمهملات إلى لغة تشكيلية معاصرة. وفي لحظة عربية تتسع فيها الأسئلة حول الفنون البديلة والفضاءات المستقلة، يبقى هذا المكان مثالًا حيًا على أن الصورة القوية لا تحتاج دائمًا إلى ميزانيات ضخمة؛ أحيانًا يكفي بيت، وفنان، وخيال يعرف كيف يمنح الأشياء حياة ثانية.