المازيكاتي

راكان مياسي إلى كان بفيلم عن المجتمع العشائري في لبنان

فيلم عربي جديد في «نظرة ما» بمهرجان كان

يواصل المخرج الفلسطيني راكان مياسي توسيع حضوره في المهرجانات الدولية، وهذه المرة من بوابة مهرجان كان 2026، حيث يشارك فيلمه الروائي الطويل الأول «البارح العين ما نامت» ضمن قسم «نظرة ما»، أحد أبرز أقسام الاختيار الرسمي المخصص عادة للأعمال التي تراهن على لغة سينمائية مختلفة وأصوات إخراجية جديدة. ويكتسب الفيلم أهمية خاصة عربيا لأنه يقترب من بنية اجتماعية شديدة الحساسية في لبنان، هي المجتمع العشائري في منطقة البقاع، من خلال حكاية تجمع بين الاختفاء والثأر ومصير النساء داخل منظومة مغلقة.

ما الذي يحكيه «البارح العين ما نامت»؟

بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن مهرجان كان، تدور أحداث الفيلم في وادي البقاع على الحدود بين لبنان وسوريا. تبدأ القصة مع اختفاء شابة تدعى غمرة، بينما ينطلق ابن عمها ياسر للبحث عنها. وخلال هذا المسار، يتسبب حادث غير مقصود مع رجل من عشيرة منافسة في تصعيد التوتر، لتتحول الأزمة إلى معادلة عشائرية قاسية تدفع فيها الشقيقتان ريم وجواهر الثمن، بعدما يتم اختيارهما لتسوية النزاع ومنع دائرة الانتقام من التمدد.

هذه الحبكة لا تقدم مجرد دراما اجتماعية، بل تفتح بابا أوسع على أسئلة السلطة الذكورية، والثمن الذي تدفعه النساء حين تتحول الأجساد إلى وسيلة لإطفاء النزاعات أو تثبيت الصلح. ومن هنا تأتي قوة الفيلم، ليس بوصفه عملا عن حادثة منفردة، بل باعتباره قراءة سينمائية لمجتمع يعيش على توازنات دقيقة بين العرف والخوف والهيبة.

أول فيلم طويل لراكان مياسي بعد مسار لافت في الأفلام القصيرة

مشاركة «البارح العين ما نامت» في «نظرة ما» تمثل محطة مفصلية في مسيرة راكان مياسي، لأنها أول تجربة روائية طويلة له. مياسي مخرج وكاتب ومنتج فلسطيني، وُلد في ألمانيا ويقيم حاليا في بروكسل. درس السينما وعلم النفس في لبنان، ثم تلقى تدريبا سينمائيا في كوريا الجنوبية ضمن Asian Film Academy بإشراف المخرج الإيراني الراحل عباس كيارستمي، كما نال درجة ماجستير في صناعة الأفلام من LUCA School of Arts في بلجيكا.

اسم مياسي ليس جديدا على دوائر السينما الفنية؛ فقد لفت الانتباه بعدة أفلام قصيرة، من بينها «Bonboné» عام 2017، وهو فيلم تناول قضية تهريب النطف من السجون الإسرائيلية، وحقق حضورا دوليا واسعا، ثم فيلم «Trumpets in the Sky» عام 2021، الذي اشتبك أيضا مع قضايا اجتماعية ضمن مقاربة بصرية تميل إلى الشعرية والحد الفاصل بين الواقع والتخييل. كما قدم لاحقا فيلم «The Key» الذي عُرض عالميا في مهرجان SXSW.

صلة شخصية وراء القصة

من بين أكثر التفاصيل لفتا للانتباه في حديث المخرج عن الفيلم، أنه يعتبر العمل تحية لجدته التي أُجبرت على الزواج في سن 14 عاما. هذه الخلفية الشخصية تمنح المشروع بعدا وجدانيًا واضحًا، وتفسر لماذا لا يقترب الفيلم من موضوع الزواج القسري والعرف العشائري من زاوية تقريرية، بل من خلال حساسية إنسانية تنشغل بالأثر العميق الذي تتركه التقاليد على الأفراد، خصوصا النساء والفتيات.

كما أوضح مياسي أن الفيلم استكمل، على مستوى الثيمات والأسلوب، ما بدأه في «Trumpets in the Sky»، مع اعتماد مقاربة إنتاجية مختلفة تقوم على ميزانية محدودة، وطاقم صغير، وممثلين غير محترفين، ومن دون سيناريو تقليدي بالشكل المتعارف عليه. هذه الطريقة تبدو متسقة مع رغبته في التقاط تفاصيل الحياة اليومية كما هي، لا كما تُصاغ داخل بناء درامي صارم.

تصوير في البقاع خلال ظروف حساسة

البيانات الصحفية الخاصة بالفيلم تكشف أن التصوير جرى بالكامل في وادي البقاع اللبناني في ربيع 2025. كما أشار مياسي إلى أن التصوير تم خلال فترة هدنة في لبنان، وفي منطقة قريبة من الحدود السورية، حيث كان فريق العمل يسمع أصوات الطائرات والانفجارات في الخلفية. وتزامن ذلك أيضا مع شهر رمضان، بينما كان أعضاء من الطاقم والممثلون ملتزمين بالصيام، وهو ما فرض إيقاعا خاصا على عملية التصوير.

بالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه التفاصيل مهمة لأنها تشرح طبيعة الرهان في الفيلم: نحن لا نتحدث عن عمل صُنع في استوديو معزول، بل عن تجربة جرى تصويرها في بيئة متوترة ومحمّلة بثقل الجغرافيا والسياسة والعادات، وهو ما ينعكس غالبا على نبرة الصورة والإحساس العام بالاختناق والانتظار.

بلدان الإنتاج وطاقم العمل

الفيلم إنتاج مشترك بين بلجيكا ولبنان وفلسطين وقطر والسعودية، ومدته 100 دقيقة، ولغته العربية. ويتولى راكان مياسي الإخراج والكتابة، بمشاركة وحيد عجمي وبول سيف في الكتابة، بينما وضع الموسيقى عبد قبيسي وTed Regklis. أما الصورة فحملها بول سيف، وتولى المونتاج Louis De Schrijver.

وفي التمثيل، يعتمد الفيلم على وجوه غير محترفة، من بينها ريم المولى وجواهر المولى وياسر المولى، وهو خيار يتماشى مع رؤية المخرج في الاقتراب من نبض المكان وشخصياته من دون تلميع أو افتعال.

لماذا تستحق هذه المشاركة المتابعة عربيا؟

مشاركة فيلم عربي في قسم بحجم «نظرة ما» ليست مجرد خبر مهرجاني عابر. فالقسم نفسه يُنظر إليه بوصفه مساحة لاكتشاف أصوات سينمائية قادرة على تقديم رؤى جديدة، وغالبا ما يكون منصة عبور مهمة نحو التوزيع الدولي والاهتمام النقدي. وفي حالة «البارح العين ما نامت»، تتضاعف قيمة المشاركة لأن الفيلم يطرح موضوعا اجتماعيا شديد الخصوصية في لبنان، لكنه في الوقت نفسه يلامس أسئلة أوسع في المنطقة العربية: من يملك القرار داخل البنية العائلية؟ وكيف تُستخدم الأعراف لإعادة إنتاج السلطة؟ وأين تقف النساء حين تصبح المصالحة شأنا يدار بأجسادهن؟

هذا النوع من السينما يجد في مصر جمهورا متزايدا بين المهتمين بالأفلام العربية المستقلة، خصوصا مع اتساع حضورها في المهرجانات والمنصات والنقاشات النقدية. ومن المتوقع أن يثير الفيلم اهتمام المتابعين العرب، ليس فقط بسبب مشاركته في كان، بل أيضا بسبب مادته الإنسانية والسياسية، ولغته التي تميل إلى البطء والتأمل أكثر من اعتمادها على الحبكات الصاخبة.

قراءة أولية في أهمية الفيلم

المعطيات المتاحة حتى الآن تشير إلى أن «البارح العين ما نامت» ليس فيلما يقدم إجابات جاهزة، بل عملا يفضل الغوص في المساحات الرمادية: الصمت داخل البيوت، التوتر خلف المجاملات، وموقع المرأة في منظومة تبدو ثابتة من الخارج لكنها قابلة للاهتزاز من الداخل. ولعل هذا ما جعل اختيار الفيلم في الاختيار الرسمي لمهرجان كان 2026 لافتا، لأنه يجمع بين قضية محلية شديدة الخصوصية وبين صياغة سينمائية عابرة للحدود.

  • اسم الفيلم: البارح العين ما نامت
  • العنوان الإنجليزي: Yesterday the Eye Didn’t Sleep
  • المخرج: راكان مياسي
  • القسم: نظرة ما - مهرجان كان 2026
  • المدة: 100 دقيقة
  • بلدان الإنتاج: بلجيكا، لبنان، فلسطين، قطر، السعودية
  • مكان التصوير: وادي البقاع في لبنان

في المحصلة، يبدو «البارح العين ما نامت» من العناوين العربية التي تستحق المتابعة هذا الموسم، خصوصا أنه يقدم أول فيلم طويل لمخرج بنى اسمه بهدوء في السينما الفنية، ويختار أن يقترب من واحدة من أكثر البنى الاجتماعية تعقيدا في لبنان من دون خطابية مباشرة، بل عبر سينما تراهن على الصورة والجو والإحساس الثقيل بما لا يُقال.