رحيل بلاس جونسون.. ساكسفون «النمر الوردي» يصمت عند 94
وفاة بلاس جونسون.. نهاية صوتٍ بقي عالقًا في ذاكرة السينما
رحل عازف الساكسفون الأمريكي بلاس جونسون عن عمر ناهز 94 عامًا، بعدما ظل اسمه حاضرًا لدى جمهور الموسيقى والسينما بفضل عزفه المنفرد الشهير في The Pink Panther Theme، اللحن الذي وضعه المؤلف الأمريكي هنري مانشيني لفيلم The Pink Panther الصادر عام 1963. وبحسب تقارير نُشرت في 21 و22 يوليو 2026، فإن جونسون توفي يوم 15 يوليو 2026، من دون إعلان سبب الوفاة في البيانات المتداولة.
الخبر أعاد إلى الواجهة اسم موسيقي ربما لا يعرفه قطاع واسع من الجمهور العربي بالقدر نفسه الذي يعرفون به اللحن نفسه. فهناك ألحان تتجاوز شهرة أصحابها، لكن هذا لا يقلل من قيمة من صنعوا ملامحها السمعية. وبالنسبة إلى بلاس جونسون، فإن ذلك السولو الناعم على الساكسفون لم يكن مجرد مشاركة عابرة، بل أصبح بطاقة تعريف موسيقية خالدة ربطت اسمه بتاريخ موسيقى الأفلام والجاز معًا.
لماذا ارتبط اسمه بـ The Pink Panther؟
قيمة بلاس جونسون الفنية عند الجمهور العام تعود بالأساس إلى دوره بوصفه عازف الساكسفون التينور المنفرد في موسيقى The Pink Panther Theme. صفحات التوثيق الخاصة بموسيقى الفيلم تذكر صراحة أن اللحن من تأليف هنري مانشيني، وأن السولو على الساكسفون التينور كان من أداء جونسون. كما أن مكتبة الكونجرس الأمريكية تشير إلى أن افتتاحية هذا العمل تعتمد على دخول الساكسفون التينور بشكل صارخ في الذاكرة السمعية للمشاهد، وهو ما يفسر استمرار حضور المقطوعة حتى اليوم في الثقافة الشعبية.
وربما يعرف الجمهور في مصر والعالم العربي هذا اللحن حتى لو لم يشاهدوا الفيلم الأصلي كاملًا، لأن موسيقى «النمر الوردي» تحولت على مدار عقود إلى رمز للغموض الخفيف والمشاهد الكوميدية المرحة، وظهرت في أجيال مختلفة من العروض التلفزيونية والرسوم المتحركة والمقاطع الساخرة. وهذا يوضح كيف أصبح جونسون، من خلال دقائق معدودة من العزف، جزءًا من ذاكرة جماعية عابرة للحدود.
فيلم صنع الأسطورة الموسيقية
الفيلم الأول The Pink Panther عُرض في 1963، وهو العمل الذي دشّن لاحقًا سلسلة سينمائية معروفة، كما رسخ تعاون هنري مانشيني مع عالم هذه الشخصية. وفي قلب هذه الهوية الموسيقية، جاء عزف بلاس جونسون ليمنح اللحن الشخصية المراوغة والمرحة التي التصقت به. ولا يزال هذا العمل من أشهر ما يُنسب إلى مانشيني، حتى إن الأكاديمية التسجيلية الأمريكية تضعه بين أبرز تسجيلاته، كما أدرج ألبوم The Pink Panther في Grammy Hall of Fame عام 2001.
مسيرة أطول بكثير من لحن واحد
رغم أن شهرة «النمر الوردي» غلبت على صورته لدى الجمهور العريض، فإن سيرة بلاس جونسون أوسع من ذلك بكثير. وُلد في 21 يوليو 1931 في دونالدسونفيل بولاية لويزيانا الأمريكية، ونشأ في بيئة موسيقية قريبة من تقاليد الجنوب الأمريكي والجاز والبلوز. لاحقًا انتقل إلى لوس أنجلوس، وهناك تحول إلى واحد من أبرز موسيقيي الاستوديو في الساحل الغربي.
مصادر السيرة الموسيقية الخاصة به تبرز أنه عمل مع قائمة طويلة من الأسماء الكبيرة، من بينها فرانك سيناترا ونات كينج كول وبيجي لي وإيلا فيتزجيرالد وراي تشارلز وباربرا سترايسند وكوينسي جونز وليندا رونستادت. هذا النوع من المسارات لا يصنعه الحظ، بل يصنعه موسيقي قادر على القراءة السريعة، والانضباط داخل الاستوديو، وتقديم جملة موسيقية دقيقة لا تُنسى.
كما تُظهر بيانات أرشيفية وموسيقية أنه قاد تسجيلات باسمه منذ الخمسينيات، وواصل إصدار أعمال لاحقة على مدار عقود، من بينها ألبومات مثل Positively وThe Blues وKeep That Groove Going!. كذلك ظل حاضرًا في الحفلات والجولات الفنية حتى سنوات متأخرة من عمره، وهو ما يعكس استمرارية مهنية نادرة.
من عازف جلسات إلى اسم مؤثر في تاريخ الجاز
في عالم الموسيقى الأمريكية، يحتل «عازف الجلسات» مكانة خاصة؛ فهو ليس النجم الذي يتصدر الغلاف دائمًا، لكنه في كثير من الأحيان الصوت الذي يحدد هوية التسجيل. وبلاس جونسون كان نموذجًا واضحًا لهذا الدور. فقد بنى سمعته على القدرة على الانتقال بين الجاز والبلوز والبوب وموسيقى الأفلام والتلفزيون، من دون أن يفقد بصمته الخاصة.
وتشير سيرته المهنية أيضًا إلى أنه كان عضوًا في فرقة برنامج The Merv Griffin Show لفترة طويلة بدأت عام 1970 واستمرت نحو 15 عامًا. هذا التفصيل مهم لأنه يكشف جانبًا آخر من شخصيته المهنية: الثبات، والقدرة على العمل المنتظم، والبقاء مطلوبًا داخل صناعة تنافسية جدًا.
ما الذي ميز نبرة جونسون؟
الحديث عن بلاس جونسون لا يتعلق فقط بالتكنيك، بل أيضًا بالنبرة. صوته على الساكسفون التينور كان دافئًا ومرنًا، يحمل ملمحًا «سلسًا» يناسب التسجيلات السينمائية والتجارية، لكنه في الوقت نفسه متجذر في تقاليد الجاز والبلوز. لهذا نجح في أن يكون قريبًا من المستمع غير المتخصص، من دون أن يفقد احترام العازفين والنقاد.
- اشتهر بسولو The Pink Panther Theme.
- عمل مع كبار نجوم الغناء الأمريكي والجاز.
- نشط كموسيقي استوديو في لوس أنجلوس لعقود.
- واصل التسجيل والحفلات حتى سنواته المتأخرة.
كيف سيُتذكر بلاس جونسون؟
إرث بلاس جونسون يقدّم مثالًا واضحًا على الفنان الذي قد لا يكون اسمه متداولًا يوميًا لدى الجميع، لكن أثره حاضر في واحدة من أكثر المقطوعات شهرة في القرن العشرين. وفي زمن تهيمن فيه الصورة السريعة على تداول الأخبار الفنية، يعيد رحيله التذكير بقيمة الموسيقيين الذين صنعوا ذاكرة المستمعين من خلف الميكروفونات وداخل الاستوديوهات.
وبالنسبة إلى جمهور «الموسيقى والمشاهير» في مصر، فإن قصة جونسون تفتح بابًا مهمًا لفهم كيف تنتقل بعض الألحان من سياقها المحلي الأمريكي إلى وجدان عالمي أوسع. فقد لا يكون اسم بلاس جونسون مألوفًا مثل أسماء المطربين الأكثر شهرة، لكن أثره السمعي مألوف للغاية، وربما سمعه كثيرون مرات لا تحصى من دون أن يعرفوا صاحبه.
برحيله في يوليو 2026، يطوى فصل مهم من تاريخ الساكسفون الأمريكي، لكن التسجيلات التي شارك فيها ستبقى شاهدة على موهبة موسيقي عرف كيف يحول جملة لحنية قصيرة إلى توقيع فني لا يشيخ. وهذا، في حد ذاته، أحد أصعب أشكال الخلود في عالم الموسيقى.