المازيكاتي

رحيل عبدالرزاق العزاوي.. خسارة كبيرة للموسيقى العراقية

وفاة عبدالرزاق العزاوي.. نهاية مسيرة طويلة في خدمة الموسيقى العراقية

ودّعت الأوساط الفنية والثقافية في العراق الموسيقار والمايسترو عبدالرزاق العزاوي، بعد مسيرة امتدت لعقود وارتبطت بتاريخ الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية وتطور الأداء الأوركسترالي في البلاد. خبر الوفاة أعاد اسم العزاوي إلى واجهة الاهتمام الثقافي العربي، بوصفه واحداً من الأسماء التي لعبت دوراً مؤثراً في ترسيخ حضور الموسيقى الأكاديمية في العراق، وفي ربط الأجيال الجديدة بإرث فني ظل صامداً رغم التحولات السياسية والاجتماعية الصعبة التي مرّت بها البلاد.

وبحسب ما أمكن التحقق منه من مصادر عراقية موثوقة، فإن عبدالرزاق العزاوي كان من أبرز قادة الأوركسترا في العراق، كما يُنسب إليه أنه أول قائد عراقي للفرقة السيمفونية العراقية عام 1974. وقد ظل هذا الإنجاز حاضراً في معظم المواد التعريفية التي تناولت سيرته الفنية، إلى جانب حضوره في مؤسسات ثقافية وموسيقية عراقية عدة.

من هو عبدالرزاق العزاوي؟

تكشف السيرة المتاحة عن فنان عراقي صاحب تكوين أكاديمي ومهني متنوع. ففي مقابلة منشورة معه، قدّم نفسه باسم عبدالرزاق إبراهيم مهدي العزاوي، وذكر أنه من مواليد عام 1942 في بابل، وأنه تخرّج في معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1962، ثم واصل دراسته الموسيقية في بريطانيا، حيث ارتبط اسمه بالكلية الملكية للموسيقى في لندن. كما تحدّث عن تخصصه في آلة الكلارينيت، وعن بداياته المبكرة بين الموسيقى الشرقية والغربية داخل المعهد والفرقة السيمفونية.

هذه الخلفية التعليمية ساعدته لاحقاً على الجمع بين التأليف والقيادة والتدريب، وهي عناصر صنعت ملامح مشروعه الفني. وبالنسبة إلى القارئ المصري، قد يبدو هذا المسار قريباً من نموذج الفنان الأكاديمي الذي لا يكتفي بالأداء، بل يشارك أيضاً في بناء المؤسسات الموسيقية وتكوين العازفين ورفع الذائقة العامة.

محطة مفصلية مع الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية

يرتبط اسم عبدالرزاق العزاوي بصورة وثيقة بتاريخ الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية، وهي واحدة من أبرز العلامات الثقافية الحديثة في العراق. وتشير مواد بحثية وأرشيفات صحفية عراقية إلى أن الفرقة واصلت نشاطها عبر عقود بقيادة أسماء عراقية بارزة، من بينها العزاوي ومحمد أمين عزت وكريم وصفي. لكن مكانة العزاوي تبدو خاصة لأنه ارتبط بمرحلة التحول من الاعتماد على قيادات أجنبية إلى بروز قائد عراقي يقف على منصة الأوركسترا ويقودها محلياً.

وفي حديث سابق له، قال العزاوي إنه تولى قيادة الفرقة السيمفونية الوطنية عام 1974، معتبراً ذلك لحظة فارقة في مشواره. كما تحدث عن مشاركته في إعادة إحياء أول حفل للفرقة بعد عام 2003، وهي شهادة تلقي الضوء على دوره المستمر حتى في الفترات المضطربة من تاريخ العراق الثقافي.

أبرز ما ميّز حضوره الفني

  • الريادة الأوركسترالية: ارتبط اسمه بكونه أول قائد عراقي للفرقة السيمفونية.
  • التكوين الأكاديمي: بدأ من معهد الفنون الجميلة ثم استكمل دراسته الموسيقية في بريطانيا.
  • العمل المؤسسي: شغل أدواراً إدارية وفنية داخل الوسط الموسيقي العراقي.
  • التأليف الموسيقي: قدّم أعمالاً ومقطوعات ارتبطت بالفرقة السيمفونية والموسيقى العسكرية والإذاعة والتلفزيون.

بين الموسيقى العسكرية والعمل الثقافي

من الجوانب اللافتة في تجربة العزاوي أنه لم يقتصر على العمل السيمفوني فقط، بل امتد نشاطه إلى مدرسة الموسيقى العسكرية في العراق، حيث مرّ بمراحل تدريبية ومهنية عدة قبل أن يتولى مناصب متقدمة. وفي شهاداته المنشورة، أوضح أنه سافر إلى إنجلترا ضمن بعثة دراسية لثلاث سنوات، ثم عاد ليعمل مدرباً ومعلماً للموسيقى، قبل أن يتدرج لاحقاً في المسؤوليات.

كما تولّى أدواراً استشارية وإدارية في الحقل الموسيقي، بينها العمل مع الموسيقار العراقي الراحل منير بشير، إضافة إلى حضوره السابق في اتحاد الموسيقيين العراقيين، وهي أدوار تؤكد أن تأثيره لم يكن مقتصراً على المسرح، بل شمل الإدارة الثقافية وصناعة القرار الفني أيضاً.

تكريم رسمي قبل سنوات من رحيله

من بين الوقائع الموثقة التي تؤكد تقدير الدولة العراقية لمكانته، تنظيم حفل تكريمي على المسرح الوطني في بغداد يوم 3 ديسمبر 2021، ضمن برنامج الأوركسترا الوطنية العراقية، حيث جرى الاحتفاء به وتكريمه بدرع من وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية تقديراً لجهوده في دعم الحركة الموسيقية. هذا التكريم جاء في وقت كان فيه العزاوي يُنظر إليه بوصفه أحد الوجوه المؤسسة للخبرة الأوركسترالية العراقية الحديثة.

وفي سياق متصل، كانت نقابة الفنانين العراقيين قد نشرت في عام 2024 خبراً عن زيارة للاطمئنان على حالته الصحية، ووصفتْه فيه بأنه قائد السمفونية الوطنية العراقية السابق ورئيس اتحاد الموسيقيين العراقيين سابقاً. وتُظهر هذه الإشارة أنه ظل حتى سنواته الأخيرة اسماً حاضراً في الذاكرة المهنية والفنية داخل العراق.

لماذا يحظى خبر وفاته باهتمام عربي؟

رحيل عبدالرزاق العزاوي لا يخص العراق وحده، بل يهم المتابعين للمشهد الموسيقي العربي الأوسع، خاصة أن تجاربه تنتمي إلى جيل راهن على الموسيقى الكلاسيكية والأوركسترالية كجزء من صورة الثقافة العربية الحديثة. ومن هذه الزاوية، فإن قصته تستحق المتابعة في قسم فن عالمي، لأنها تعكس سيرة فنان اشتغل داخل فضاء موسيقي عابر للحدود، يجمع بين التعليم الغربي والهوية المحلية، وبين التقاليد السيمفونية العالمية والتجربة الثقافية العراقية.

وبالنسبة لجمهور مصر، حيث تحظى الموسيقى الكلاسيكية والتأليف الأوركسترالي بتاريخ راسخ عبر دار الأوبرا المصرية والمعاهد الفنية، تبدو سيرة العزاوي قريبة ومفهومة: فنان بنى اسمه عبر الدراسة الصارمة، والعمل المؤسسي، والرهان على أن الموسيقى الرفيعة قادرة على البقاء حتى في أصعب الظروف.

إرث فني يتجاوز خبر الوفاة

بعيداً عن خبر الرحيل نفسه، يبقى الأهم هو ما تركه عبدالرزاق العزاوي من أثر في تاريخ الموسيقى العراقية. فالرجل لم يكن مجرد قائد أوركسترا، بل أحد الأصوات التي دافعت عن قيمة التعليم الموسيقي، وعن أهمية وجود بنية مؤسسية تحمي الفنانين وتدعم الفرق الوطنية. كما أن سيرته تختصر جانباً من تاريخ العراق الثقافي في النصف الثاني من القرن العشرين وما بعده.

ومع رحيله، تستعيد الساحة العراقية اسماً من جيل الرواد الذين أسسوا لمرحلة مهمة في المشهد الفني. وربما يكون أفضل وداع له هو إعادة قراءة منجزه، وإتاحة سيرته للأجيال الجديدة من الموسيقيين والقراء العرب، لا باعتباره مجرد خبر وفاة، بل بوصفه صفحة مؤثرة من صفحات الفن العراقي الحديث.

ملاحظة تحريرية: لم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من تفاصيل التشييع أو العثور على صور صحفية مباشرة موثقة ومتاحة علناً لعبدالرزاق العزاوي عبر نتائج البحث المتاحة وقت الإعداد، لذلك تم الاكتفاء بالحقائق التي أمكن تأكيدها من مصادر عراقية منشورة وموثوقة.