زياد ظاظا ونجوم عرب شقّوا طريقهم من المهن البسيطة
من الراب إلى السينما: لماذا تعود قصص البدايات الصعبة إلى الواجهة؟
لا تزال حكايات نجوم الفن قبل الشهرة تحظى باهتمام واسع لدى الجمهور في مصر والعالم العربي، لأنها تكشف الوجه الإنساني وراء النجومية: سنوات من العمل الشاق، ومحاولات متكررة، ومهن بعيدة تمامًا عن الأضواء. وفي الفترة الأخيرة عاد اسم الرابر المصري زياد ظاظا (@ziiadzaza على إنستغرام) إلى الواجهة بوصفه واحدًا من الأسماء الشابة التي لفتت الانتباه ليس فقط في الموسيقى، بل أيضًا عبر حضوره السينمائي.
المؤكد من المصادر المتاحة أن قصة زياد ظاظا ارتبطت فنيًا بفيلم "60 جنيه" للمخرج عمرو سلامة (@amrmsalama على إنستغرام)، وهو عمل استلهم قصته من أغنية تحمل الاسم نفسه وتحكي جانبًا من حياته ونشأته. كما عرض الفيلم في افتتاح الدورة السادسة من مهرجان الجونة السينمائي في أكتوبر 2023، في سابقة لافتة لفيلم قصير ضمن افتتاح مهرجان عربي، وهو ما منح اسم ظاظا مساحة أكبر في المشهدين الفني والإعلامي داخل مصر وخارجها.
زياد ظاظا.. صعود من الهامش إلى دائرة الضوء
المعلومات المتاحة بشكل موثق عن زياد ظاظا تؤكد أنه فنان مصري يجمع بين الغناء والتمثيل، وأن تجربته أصبحت مادة سينمائية مباشرة في "60 جنيه". ووفق الصفحة الرسمية لمهرجان الجونة الخاصة بالفيلم، فإن القصة مستوحاة من أغنية لظاظا تروي ملامح من حياته وتربيته، بينما جسّد هو بنفسه دور البطولة في العمل. كما أشارت تغطيات صحفية مصرية إلى أن الفيلم مثل أول تجربة تمثيلية له على الشاشة، بالتعاون مع عمرو سلامة.
ورغم تداول كثير من الروايات على مواقع التواصل بشأن تفاصيل المهن التي عمل بها زياد ظاظا قبل الانتشار، فإن الجزء الذي أمكن التحقق منه بوضوح هو حديثه عن صعوبة الظروف المعيشية في البدايات، وأنه كان يعمل لفترات من أجل جمع المال وشراء احتياجاته الأساسية، وهي صورة تتسق مع الخط العام الذي حملته أغنياته وسيرته الفنية المتداولة في الإعلام المصري. لذلك، ومن باب الدقة، يبقى الأهم هنا ليس تضخيم تفاصيل غير موثقة، بل الإشارة إلى أن مساره الفني خرج من بيئة صعبة بالفعل، ثم انتقل إلى مساحة أوسع مع الراب والتمثيل.
هذا التحول لم يتوقف عند السينما فقط؛ فزياد ظاظا ظهر أيضًا ضمن الأعمال المرتبطة بالمشهد الموسيقي المصري المعاصر، كما توثق قواعد بيانات فنية مصرية مشاركته في التمثيل والغناء، بينما أظهرت صور حديثة له من مهرجان كان 2025 حضوره ضمن فعاليات فيلم "عائشة لا تستطيع الطيران"، في إشارة إلى اتساع حضوره خارج الإطار المحلي.
الفن العربي لا يصنعه الحظ وحده
قصة زياد ظاظا ليست استثناءً في الفن العربي، بل جزء من مسار طويل لنجوم بدأوا من أعمال بسيطة أو شاقة قبل أن يصبحوا أسماء معروفة. بعضهم عمل في الورش، وبعضهم في المقاهي أو المهن اليدوية، وآخرون مرّوا بوظائف مؤقتة لتأمين مصاريف الحياة والدراسة قبل أن يجدوا بابًا إلى الغناء أو التمثيل.
في مصر مثلًا، تداولت لقاءات صحفية وتلفزيونية على مدار السنوات الماضية قصص عدد من الفنانين الذين مارسوا أعمالًا بعيدة عن الوسط الفني قبل انطلاقتهم. ومن بين الأسماء التي نُشرت عنها تفاصيل موثقة، الفنان حمادة هلال الذي عمل في النجارة وفي أحد المقاهي قبل أن يثبت حضوره كمطرب وممثل، وكذلك سامح حسين الذي تحدث بنفسه عن اشتغاله في النجارة والحدادة والنقاشة والسباكة قبل دخوله عالم الفن.
هذه النماذج المصرية تلتقي مع مسارات عربية مشابهة، خصوصًا في مشهد الغناء الشبابي الحالي، حيث يحرص الفنانون على الحديث عن البدايات الصعبة بوصفها جزءًا من هويتهم الفنية. ومن الأمثلة الحديثة ما قاله الفنان السوري الشامي عن عمله في غسيل الصحون وتوصيل الطلبات قبل الشهرة، وهي تفاصيل وجدت صدى واسعًا بين جمهور الشباب العربي، لأن فيها صورة أقرب للواقع اليومي من الصورة اللامعة التقليدية للنجومية.
ما الذي يجذب الجمهور المصري إلى هذا النوع من الحكايات؟
بالنسبة للقارئ المصري، فإن قصص الكفاح الفني تحمل معنى خاصًا؛ فهي تقترب من فكرة "السعي" التي تحضر بقوة في الوجدان الشعبي. الجمهور هنا لا يتابع النجوم فقط بسبب أعمالهم، بل أيضًا بسبب الرحلة التي أوصلتهم إلى هذه المكانة. وعندما يعرف المتلقي أن فنانًا كان يعمل في ورشة أو مقهى أو وظيفة مؤقتة قبل الشهرة، يصبح نجاحه أكثر قابلية للتصديق وأكثر قربًا من الناس.
هذه الفكرة تفسر أيضًا الاهتمام المتزايد بالأعمال التي تستند إلى تجارب شخصية، مثل "60 جنيه". فالفيلم لا يعتمد على بريق الاسم وحده، بل على مادة إنسانية مرتبطة بالفقر والضغوط العائلية ومحاولة النجاة عبر الموهبة. ولهذا اكتسب العمل قيمته لدى قطاع من الجمهور والنقاد، لا باعتباره تجربة لفنان شاب فقط، بل باعتباره مرآة لشريحة اجتماعية كاملة.
ملامح مشتركة في قصص نجوم الفن قبل الشهرة
- العمل المبكر: كثير من الفنانين بدأوا في سن صغيرة بسبب الظروف الاقتصادية أو رغبة الاستقلال.
- المهن اليدوية أو الخدمية: مثل النجارة، النقاشة، العمل في المقاهي، أو توصيل الطلبات.
- التمسك بالحلم: الاستمرار في الغناء أو التمثيل بالتوازي مع العمل اليومي.
- تحويل المعاناة إلى مادة فنية: وهو ما يظهر بوضوح في أغاني الراب والسير الذاتية الفنية.
منصات جديدة صنعت نجومًا مختلفين
يختلف جيل زياد ظاظا عن أجيال سابقة في أن صعوده لم يعتمد فقط على شركات الإنتاج التقليدية أو القنوات التلفزيونية. فالمشهد الموسيقي الرقمي، ومنصات الفيديو، وانتشار الأغاني القصيرة عبر الإنترنت، كلها فتحت الباب أمام فنانين قادمين من خارج المسارات المعتادة. لذلك نرى أن فنانًا شابًا يمكنه اليوم أن ينطلق من أغنية شخصية جدًا، ثم يجد نفسه بعد فترة وجيزة في فيلم، أو على سجادة مهرجان سينمائي دولي.
هذا التحول لا يلغي صعوبة الطريق، لكنه يغيّر شكله. فبدل انتظار الفرصة لسنوات داخل المؤسسات التقليدية، صار على الفنان أن يصنع لنفسه مساحة أولية، ثم يثبت قدرته على الاستمرار. ومن هنا تبدو تجربة زياد ظاظا دالة على مزاج فني جديد في المنطقة: جرأة في التعبير، وخلفية اجتماعية واضحة، وانتقال سريع بين الموسيقى والصورة.
الخلاصة
سواء تعلق الأمر بزياد ظاظا أو بغيره من نجوم الغناء والتمثيل في المنطقة، فإن قصص الكفاح قبل الشهرة لم تعد مجرد حكايات جانبية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من صورة الفنان لدى جمهوره. وفي حالة ظاظا تحديدًا، فإن المؤكد أن رحلته خرجت من واقع صعب، وتحولت إلى أغنية، ثم إلى فيلم، ثم إلى حضور أوسع في المشهد الفني المصري والعربي.
ولعل هذا ما يجعل هذه القصص مستمرة الجاذبية: لأنها تذكّر الجمهور بأن الشهرة ليست دائمًا بداية الحكاية، بل غالبًا تأتي في نهايتها المؤقتة فقط، بعد سنوات من التعب والمحاولات والبحث عن فرصة حقيقية.