المازيكاتي

زين العابدين فؤاد: الشعر سيرة مقاومة وجمال لا ينطفئ

زين العابدين فؤاد يعود إلى الواجهة بحديثٍ عن الشعر كفعل حياة

أعاد ظهور الشاعر والكاتب المصري زين العابدين فؤاد في حلقة من برنامج "ضيف ومسيرة" الاهتمام بإحدى التجارب الأبرز في الشعر العامي المصري، خصوصًا لدى جمهور يتابع تاريخ القصيدة المرتبطة بالشارع المصري والتحولات السياسية والثقافية منذ ستينيات القرن الماضي. وتناول الحوار ملامح من سيرته الشخصية والفكرية، من طفولته في شبرا بالقاهرة إلى سنوات الحركة الطلابية والاعتقال، ثم صلاته الفنية والإنسانية بعدد من الرموز، وفي مقدمتهم الشيخ إمام، وصولًا إلى حضوره الدائم في القضايا العربية وفي القلب منها فلسطين.

اللافت في هذا الظهور ليس فقط استدعاء الماضي، بل إعادة طرح سؤال قديم متجدد: كيف ظل الشعر عند زين العابدين فؤاد وسيلة مقاومة للجفاف والقبح والخذلان؟ هذا المعنى يتسق مع مسار شاعر ارتبط اسمه طويلًا بفكرة أن الكلمة ليست ترفًا ثقافيًا، بل موقفًا أخلاقيًا وجماليًا في آن واحد. ويظهر ذلك كذلك في شهادات صحفية وثقافية حديثة تناولت رؤيته للفن باعتباره منحازًا للناس والحرية والكرامة.

من شبرا إلى القصيدة: بدايات تشكل الوعي

وُلد زين العابدين فؤاد في 23 أبريل 1942 في حي شبرا بالقاهرة، وهو الحي الذي كثيرًا ما استحضره في أحاديثه بوصفه مساحة شديدة الثراء الإنساني والثقافي. وقد ربط في أكثر من مناسبة بين تكوينه المبكر وبين ملامح شبرا القديمة، بما فيها التنوع الاجتماعي والحضور الفني ودور السينما والحياة الشعبية المتداخلة، وهي عناصر انعكست لاحقًا على لغته الشعرية وانحيازه للعامية المصرية بوصفها لغة قادرة على حمل التفاصيل اليومية والهم العام معًا.

وبحسب ما نشرته صحف مصرية عن مسيرته، بدأت قصائده الأولى تظهر في أوائل الستينيات، ونُشرت له أعمال مبكرة في جريدة المساء عام 1962. كما اتجه مبكرًا إلى الكتابة للأطفال منذ 1964، وهو جانب مهم في مشروعه الإبداعي لا يقل حضورًا عن قصيدته السياسية والوطنية، لأن فكرته عن الثقافة ظلت مرتبطة ببناء الذائقة والوعي منذ الصغر.

القصيدة والشارع: تجربة سياسية دفعت ثمنها السيرة

يصعب قراءة تجربة زين العابدين فؤاد بعيدًا عن المناخ السياسي الذي تشكلت فيه. فقد ارتبط اسمه بالحركة الطلابية والاحتجاجات التي عرفتها مصر في السبعينيات، كما تحدث في لقاءات موثقة عن تعرضه للاعتقال بسبب قصائد كتبها وهو لا يزال في سن مبكرة، ثم بسبب مواقفه الشعرية والسياسية اللاحقة. هذا التداخل بين القصيدة والواقع جعل اسمه حاضرًا في ذاكرة جيل رأى في الشعر أداة تعبير ومقاومة لا مجرد كتابة للنخبة.

ومن أشهر أعماله المبكرة ديوان "وش مصر" الصادر عام 1972، وهو عنوان صار علامة في مسيرته. كما عُرف لاحقًا بأعمال أخرى من بينها "أغاني من بيروت" الصادر عام 1982 و"صفحة من كتاب النيل" عام 1992، إلى جانب كتب ودراسات عن الشعر الإفريقي وأعمال شعرية للأطفال. وتعكس هذه العناوين وحدها اتساع اهتماماته بين المحلي والقومي والإنساني.

علاقة خاصة مع الشيخ إمام

حين يُذكر زين العابدين فؤاد، يبرز فورًا اسم الشيخ إمام بوصفه أحد أهم الأصوات التي حملت بعض قصائده إلى الناس غناءً. وتؤكد تقارير صحفية مصرية أن الشيخ إمام لحن وغنى له نصوصًا معروفة، منها "اتجمعوا العشاق في سجن القلعة" و"الفلاحين" و"أغنية للشمس". وهذه العلاقة لم تكن مجرد تعاون فني، بل جزءًا من مناخ ثقافي كامل جمع الشعر بالغناء الملتزم في لحظة مصرية وعربية شديدة الكثافة.

وفي شهاداته، تحدث زين العابدين فؤاد بإعجاب واضح عن الشيخ إمام، معتبرًا إياه امتدادًا لتراث سيد درويش، وهو وصف يكشف طبيعة نظرته إلى الفن بوصفه متصلًا بجذور شعبية عميقة، لا منفصلًا عنها. ومن هنا يمكن فهم لماذا بقيت قصائده الأقرب إلى التلقي الجماهيري هي تلك التي امتزجت بالصوت واللحن والميادين.

بيروت وفلسطين: انحياز لم ينقطع

الجانب العربي في سيرة زين العابدين فؤاد حاضر بقوة، خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والحرب على لبنان. وتشير تغطيات ثقافية مصرية إلى حضوره في بيروت خلال فترات صعبة، وإلى أن هذه الخبرة انعكست مباشرة في شعره وكتاباته، لا سيما في ديوان "أغاني من بيروت". كما ظلت فلسطين في تجربته أكثر من موضوع شعري؛ كانت جزءًا من تصوره لدور المثقف العربي في زمن الهزائم والحروب.

هذا الانحياز لم يكن استثنائيًا أو طارئًا في مساره، بل امتدادًا طبيعيًا لشاعر رأى أن العدالة والجمال متلازمان. لذلك ظل حضوره في الندوات والأمسيات مرتبطًا غالبًا بالحديث عن الحرية والمقاومة وحقوق الناس، وهي المفردات نفسها التي جعلت تجربته ممتدة الأثر حتى لدى أجيال لم تعش لحظة صعوده الأولى.

اهتمام بالشعر الإفريقي وتوسيع أفق القصيدة

من الزوايا اللافتة في مسيرة زين العابدين فؤاد اهتمامه بالشعر الإفريقي، وهو اهتمام تجاوز حدود القراءة إلى الترجمة والدراسة والتقديم الثقافي. وتذكر المصادر المصرية أن من بين أعماله كتبًا تتصل بـقصائد مترجمة ودراسات عن الشعر الإفريقي، ما يوضح أن مشروعه لم يكن منغلقًا على المحلي فقط، رغم رسوخ جذوره المصرية. بل سعى إلى ربط القصيدة العامية المصرية بأسئلة أوسع تخص التحرر والهوية وتجارب الشعوب.

بالنسبة للقارئ المصري اليوم، تبدو هذه النقطة بالذات مهمة، لأنها تكشف جانبًا أقل تداولًا من سيرته، وتُظهر أن انشغاله بالقضايا الكبرى لم يتوقف عند الإطار العربي، بل اتصل أيضًا بخبرات إنسانية أفريقية وعالمية، من دون أن يفقد نبرته المصرية الواضحة.

لماذا يهم هذا الظهور الآن؟

استعادة مسيرة زين العابدين فؤاد عبر برنامج حواري تأتي في وقت تتجدد فيه الأسئلة حول مكانة الشعر العامي في مصر، وقدرته على البقاء في المجال العام وسط التحولات الرقمية وتسارع الإيقاع الثقافي. حضور شاعر من جيله، بسيرته الممتدة من شبرا إلى بيروت، ومن القصيدة إلى المسرح وكتابة الأطفال، يذكر بأن بعض التجارب لا تُقاس فقط بعدد الدواوين، بل بالأثر الذي تتركه في الوعي الجمعي.

كما أن سيرته تكشف نموذجًا مختلفًا للمثقف المصري: شاعر يكتب، ويشارك، ويؤسس، ويتحرك بين الفن والعمل العام. فقد أسس مسرح القهوة بين عامي 1968 و1970، وشارك لاحقًا في مبادرات ثقافية جماهيرية، من بينها المساهمة في تأسيس الفن ميدان عام 2011 كمشروع يهدف إلى إتاحة الفنون مجانًا في الفضاء العام. وهي تفاصيل تؤكد أن حضوره لم يكن نصيًا فقط، بل ميدانيًا أيضًا.

شاعر ما زال يفتح باب الأسئلة

في المحصلة، لا يبدو زين العابدين فؤاد مجرد ضيف يستعيد ذكرياته على الشاشة، بل شاهدًا على مراحل فارقة من الثقافة المصرية الحديثة. من شبرا إلى الحركة الطلابية، ومن العلاقة مع الشيخ إمام إلى الانشغال بفلسطين ولبنان والشعر الإفريقي، تتشكل أمامنا سيرة شاعر حافظ على خيطه الأساسي: الإيمان بأن الكلمة يمكنها أن تدافع عن الجمال حين يشتد القبح. ولهذا يظل الحديث عنه متجددًا، لا بوصفه صفحة من الماضي، بل كصوت ما زال قادرًا على مخاطبة الحاضر.

  • تاريخ الميلاد: 23 أبريل 1942.
  • من أبرز أعماله: "وش مصر"، "أغاني من بيروت"، "صفحة من كتاب النيل".
  • من أشهر من غنوا كلماته: الشيخ إمام، إلى جانب ملحنين آخرين مثل عدلي فخري.
  • مجالات حضوره: الشعر العامي، شعر الأطفال، المسرح، والانشغال الثقافي بالقضايا العربية والإفريقية.