زين العابدين فؤاد: الشعر عندي دفاع عن الحياة والجمال
زين العابدين فؤاد يعود إلى الواجهة بحكاية عمرها عقود
أعاد ظهور الشاعر والكاتب المصري زين العابدين فؤاد في حلقة من برنامج «ضيف ومسيرة» التذكير بتجربة واحدة من أبرز الأصوات التي ارتبطت بالشعر العامي المصري ذي النزعة الوطنية والإنسانية. فالرجل الذي وُلد في حي شبرا بالقاهرة عام 1942 ظل، على امتداد عقود، حاضرًا في تقاطعات الشعر والسياسة والشارع المصري، من قصائد الطلاب في الستينيات والسبعينيات إلى انشغاله الدائم بفلسطين وبالأسئلة الكبرى للحرية والعدالة. وقد وثقت مصادر صحفية مصرية مسيرته بوصفه واحدًا من رموز الشعر الثوري في مصر، كما ربطت بين اسمه وبين محطات مثل ثورة الطلاب، والاعتقال بسبب قصائده، ثم سنواته بين القاهرة وبيروت واليمن وكندا قبل عودته للاستقرار في مصر.
من شبرا إلى القصيدة الأولى
البداية كانت من القاهرة، وتحديدًا من شبرا، الحي الذي خرجت منه أجيال من المثقفين والفنانين والسياسيين. وتشير المواد المنشورة عن زين العابدين فؤاد إلى أن موهبته الشعرية برزت مبكرًا، وأنه نشر قصائده الأولى في جريدة «المساء» عام 1962. هذه البدايات المبكرة أسست لمسار طويل في كتابة العامية المصرية، لكنه لم يكتف بالشعر للكبار فقط، بل كتب أيضًا للأطفال منذ ستينيات القرن الماضي، وهي زاوية أقل تداولًا في الحديث عن تجربته، رغم أهميتها في فهم اتساع عالمه الإبداعي.
واللافت في سيرة زين العابدين فؤاد أن انطلاقته لم تكن منفصلة عن اللحظة الثقافية المصرية الأوسع، فقد عاصر أسماء كبرى في شعر العامية، وتأثر بمناخ إبداعي ارتبط بجيل فؤاد حداد وعبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب. وفي حوار منشور مع الأهرام، استعاد الشاعر لقاءات مبكرة مع رموز هذا العالم، وهو ما يوضح كيف تكوّنت حساسيته الشعرية داخل مشهد كان يربط الكلمة بالفعل العام، لا بمجرد التعبير الجمالي وحده.
الشعر والسياسة.. علاقة لم تنفصل
حين يُذكر اسم زين العابدين فؤاد، يظهر سريعًا ارتباطه بالحركة الوطنية والطلابية في مصر. فقد التحق بكلية الآداب في جامعة القاهرة، وتحوّل خلال تلك السنوات إلى اسم معروف لدى قطاعات من الطلاب، خصوصًا مع قصائد ارتبطت بذاكرة الاحتجاج والمظاهرات. وتؤكد تقارير صحفية مصرية أنه تعرض للاعتقال بسبب قصائده، وأن دواوينه وقصائده كانت تتداول في سياق سياسي محتدم، خاصة خلال سنوات ما بعد 1967 وما تلاها من حراك طلابي.
ومن الأعمال التي تكررت الإشارة إليها في مسيرته ديوان «وش مصر» الصادر عام 1972، وهو عمل ارتبط رمزيًا بلحظة الانتفاضة الطلابية في الجامعات المصرية. كما تبرز في أرشيفه الشعري عناوين مثل «الخميس الدامي» و«الفلاحين» و«أغنية الشمس» و«اتجمعوا العشاق»، وهي نصوص ساهمت في تثبيت صورته كشاعر يرى في القصيدة أداة تذكّر ومقاومة واشتباك مع الواقع.
علاقته بالشيخ إمام.. الكلمة حين تصبح أغنية
واحدة من أهم المحطات في تجربة زين العابدين فؤاد هي علاقته بالفنان الشيخ إمام، ذلك الاسم الذي احتل مكانة خاصة في الذاكرة السياسية والغنائية المصرية. وقد ورد اسم زين العابدين فؤاد ضمن الشعراء الذين غنى الشيخ إمام بعض كلماتهم، كما شارك الشاعر في فعاليات وندوات كثيرة استدعت سيرة إمام وتجربته، ما يعكس عمق الصلة الفنية والوجدانية بينهما.
هذه العلاقة لا تُقرأ فقط بوصفها تعاونًا بين شاعر ومغنٍ، بل باعتبارها جزءًا من تاريخ أوسع للأغنية الملتزمة في مصر. فالكلمات هنا لم تكن منفصلة عن المجال العام، بل كانت تنبض بروح الناس في الجامعات والشوارع والاعتصامات والمنتديات الثقافية. ولذلك ظل اسم زين العابدين فؤاد حاضرًا في كل حديث عن الموجة التي ربطت الشعر العامي بالأغنية ذات البعد الوطني.
فلسطين وبيروت.. اتساع التجربة خارج الحدود
لا يمكن قراءة سيرة زين العابدين فؤاد بعيدًا عن القضية الفلسطينية. فمصادر عدة تناولت مشاركته في اللجنة الوطنية لدعم القضية الفلسطينية، واهتمامه المستمر بفلسطين في قصائده ومواقفه، كما ربطت بين تجربته وبين سنوات قضاها في بيروت خلال فترة شديدة الحساسية من التاريخ العربي. وتذكر هذه المصادر أيضًا أنه عاش تجربة الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وكتب من وحي تلك المرحلة أعمالًا ارتبطت بالمقاومة وبالحصار وبالصمود العربي.
هذا الامتداد العربي أضاف إلى صوته الشعري طبقة أخرى، فلم يعد الشاعر معنيًا فقط بالشأن المصري المباشر، بل صار منخرطًا في سردية أوسع تخص التحرر والعدالة ومواجهة الاحتلال. ومن هنا يمكن فهم الإشارات إلى اهتمامه كذلك بالشعر الإفريقي، وهي زاوية تكشف انفتاحه على تجارب تحررية وثقافية خارج الإطار المحلي التقليدي، حتى لو كانت التفاصيل المنشورة عنها أقل من غيرها.
«الفن ميدان» والكاميرا كجزء من الذاكرة
لم تتوقف علاقة زين العابدين فؤاد بالفعل العام عند حدود القصيدة. ففي أعقاب ثورة 25 يناير 2011 كان من بين الأسماء المرتبطة بتجربة «الفن ميدان»، المشروع الثقافي الذي سعى إلى تقديم الفنون مجانًا في الشارع والميادين. وتؤكد تقارير مصرية أنه كان من المؤسسين لهذه المبادرة، التي جمعت بين الغناء والشعر والمسرح والفنون البصرية، في محاولة لإعادة الفن إلى الجمهور مباشرة.
كما عُرف زين العابدين فؤاد بشغفه بالتوثيق البصري، إذ أشارت تقارير عن أمسياته إلى امتلاكه أرشيفًا ضخمًا من الصور، خاصة من سنوات الثورة وما بعدها. هذا الجانب يضيف بُعدًا مهمًا إلى شخصيته: فهو ليس فقط شاعرًا يكتب الحدث، بل شاهدًا يحاول حفظه بالصورة أيضًا.
لماذا تبقى تجربته مهمة اليوم؟
ما يجعل استعادة مسيرة زين العابدين فؤاد مهمة للقارئ المصري اليوم هو أن تجربته تقف عند تقاطع نادر بين الشعر العامي والالتزام الوطني والذاكرة الثقافية. فهو من جيل لم يتعامل مع القصيدة بوصفها رفاهية، بل كوسيلة لفهم المجتمع والاشتباك معه، ولذلك بقي حضوره ممتدًا في الندوات والفعاليات والحوارات الثقافية حتى في السنوات الأخيرة، بما في ذلك أمسيات أقيمت له في القاهرة ومناسبات احتفت بمشواره الطويل.
وبين شبرا والجامعة، وبين الشيخ إمام وبيروت، وبين فلسطين وميادين القاهرة، تتشكل سيرة شاعر يرى في الجمال موقفًا، وفي الكتابة وسيلة للدفاع عن الحياة. لذلك لا تبدو العبارة المنسوبة إليه عن أن الشعر مقاومة للقبح مجرد جملة عابرة، بل خلاصة مسيرة كاملة عاشها على هذا المعنى.
أبرز محطات زين العابدين فؤاد
- 1942: مولده في حي شبرا بالقاهرة.
- 1962: نشر قصائده الأولى في جريدة «المساء».
- الستينيات والسبعينيات: حضور بارز في الحركة الطلابية وتعرضه للاعتقال بسبب قصائده.
- 1972: صدور ديوان «وش مصر».
- سنوات لاحقة: تنقل بين بيروت واليمن وكندا قبل العودة إلى القاهرة.
- 2011: المساهمة في تأسيس «الفن ميدان».
بهذه الخلفية، يصبح ظهوره في «ضيف ومسيرة» أكثر من مجرد لقاء تلفزيوني؛ إنه استدعاء لذاكرة شاعر لا يزال، بالنسبة لكثيرين، جزءًا من ضمير الثقافة المصرية الحديثة.