المازيكاتي

«سلمى حبي أنا».. مسرحية لأحمد العطار تفكك وهم النجاة

مسرحية مصرية برؤية عابرة للحدود

تطرح مسرحية «سلمى حبي أنا» سؤالًا ثقيلًا بصيغة مسرحية تبدو في ظاهرها عائلية، لكنها في العمق تنشغل بما هو أوسع بكثير: كيف يمكن لطبقة مرفهة أن تتعامل مع عالم ينهار حولها؟ العمل من تأليف وإخراج أحمد العطار (@ahmedelattar.official على إنستغرام)، ويُقدَّم باعتباره إنتاجًا مصريًا روسيًا ضمن المسار الذي يبرز حضور المخرجين المصريين على الساحة الدولية.

في القصة، تستعد عائلة مصرية ثرية للاحتفال بزفاف ابنها كريم من شابة أميركية، في ارتباط لا يبدو عاطفيًا خالصًا بقدر ما يوحي أيضًا بتشابك المصالح بين عائلتين. لكن ما بعد 7 أكتوبر 2023 يبدل كل شيء؛ يتأجل الزفاف، ويبدأ البناء الاجتماعي والنفسي المحيط بالعائلة في التشقق، لتتحول الاستعدادات الاحتفالية إلى مرآة لأسئلة الخوف والامتياز والإنكار.

من القاهرة إلى مسارح العالم

اكتسبت المسرحية زخمًا إضافيًا بعد تقديمها ضمن الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي التي أُقيمت بين 1 و8 سبتمبر 2026. ووفق تغطيات مصرية للمهرجان، جاء العرض على مسرح الفلكي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ضمن برنامج «من القاهرة إلى مسارح العالم»، وهو برنامج يسلط الضوء على تجارب مصرية تشكلت في سياقات دولية وإنتاجات مشتركة.

كما وصفت تغطيات صحفية مصرية العرض بأنه عمل يشتبك مع عالم مضطرب من خلال منظور جيل جديد يصطدم بإرث آبائه، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن المسرحية تنتمي إلى مشروع أوسع للاحتفاء بالمخرج المصري العامل خارج الحدود المحلية، في ظل تنامي حضوره في الشبكات المسرحية الدولية.

لماذا تبدو الحكاية قريبة من المشاهد المصري؟

رغم أن «سلمى حبي أنا» تتحرك داخل بيت لعائلة ثرية، فإن قوتها لا تنبع فقط من تفاصيل الطبقة، بل من السؤال الذي تطرحه على المتفرج: هل يمكن فعلًا الاحتماء داخل الفقاعة الخاصة بينما التاريخ يعيد ترتيب العالم في الخارج؟ هذا النوع من المسرح لا يقدم خطابًا مباشرًا، بل يشتغل على التوتر بين الخاص والعام، بين شؤون البيت والأحداث الجيوسياسية، وبين ما نؤجله في داخلنا وما يفرضه الواقع علينا.

لهذا السبب تبدو المسرحية، من زاوية مصرية، أقرب إلى تشريح اجتماعي بقدر ما هي قراءة سياسية غير مباشرة. فالعطار لا يضع الحدث الكبير في الواجهة بوصفه مادة خبرية، بل يستخدم أثره على العلاقات، وعلى وهم الاستقرار، وعلى اللغة التي تتحدث بها العائلات الميسورة عن العالم حين يصبح العنف أقرب مما كانت تتصور.

أحمد العطار وامتداد مشروعه المسرحي

اسم أحمد العطار ليس جديدًا على جمهور المسرح المعاصر في مصر والعالم العربي. في سبتمبر 2026، استضاف مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي جلسة احتفاء بمسيرته وتجارب عمله خارج مصر، بالتوازي مع عرض «سلمى حبي أنا». هذا الحضور المؤسسي يعكس مكانته كأحد أبرز المخرجين والكتاب المسرحيين المصريين الذين بنوا مساراتهم عبر التعاون الدولي والإنتاجات العابرة للبلدان.

وتؤكد برمجة مهرجان Theater der Welt 2026 في ألمانيا اتساع هذا الحضور؛ إذ قدم العطار هناك عمله Before the Revolution في 27 و28 يونيو 2026 بمدينة كيمنتس، بمشاركة ناندا محمد ورامسي ليهنر، مع موسيقى حسن خان وسينوغرافيا وأزياء حسين بيدون. صحيح أن هذا العمل مختلف عن «سلمى حبي أنا»، لكنه يوضح الخط الفني الذي يتحرك فيه العطار: مسرح سياسي-اجتماعي يرفض السطحية، ويفضل الاقتراب من القلق الجمعي عبر صور مركبة وأداء مكثف.

ناندا محمد وحضورها في أعمال العطار

تحضر الممثلة السورية ناندا محمد في هذا المشهد المسرحي بوصفها اسمًا متكررًا في تجارب مرتبطة بالعطار. فقد سبق أن قُدم عرض «كل حاجة حلوة» بإخراجه وأدائها في الشارقة عام 2022، كما ظهرت أيضًا ضمن فريق Before the Revolution في ألمانيا خلال 2026. هذا الامتداد يلفت إلى وجود شراكة فنية قائمة على الثقة والخبرة الأدائية في أعمال تتطلب حساسية عالية وقدرة على حمل نصوص مشحونة بالتوتر النفسي والسياسي.

كوميديا سوداء أم تراجيديا اجتماعية؟

اللافت في «سلمى حبي أنا» أن العمل لا يكتفي بجدية الفكرة، بل يمررها عبر منطقة بين الكوميديا السوداء والتراجيديا. هذا المزج مهم جدًا في المسرح المعاصر، لأنه يسمح بتفكيك التناقضات من دون وعظ. فالعائلة التي تبدو متماسكة ومحصنة بالمال والعلاقات، تتحول تدريجيًا إلى مساحة انكشاف: مصالح متبادلة، هشاشة عاطفية، وأسئلة أخلاقية تؤجل باستمرار إلى أن يقتحمها الواقع.

ومن هنا يمكن فهم جاذبية العمل خارج مصر أيضًا. فالحكاية شديدة المحلية في تكوينها الاجتماعي، لكنها عالمية في فكرتها الأساسية: الامتياز لا يلغي الهشاشة، والكارثة حين تقترب لا تسأل عن الطبقة أو اللغة أو المسافة النفسية التي نحاول صناعتها بيننا وبين العالم.

ما الذي يضيفه العرض إلى صورة المسرح المصري عالميًا؟

في لحظة تشهد فيها الساحة الثقافية الدولية اهتمامًا متزايدًا بالأعمال القادمة من المنطقة العربية، يقدم «سلمى حبي أنا» نموذجًا مختلفًا عن الصورة النمطية المتوقعة. هو ليس عرضًا فولكلوريًا، ولا يراهن على تقديم “شرق” مبسط للمتلقي الأجنبي، بل يشتبك مع بنية اجتماعية وسياسية معقدة بلغة مسرحية حديثة. وهذا ما يفسر وضعه داخل برامج تحتفي بقدرة الفنان المصري على بناء جسور تعاون مع مؤسسات وفنانين من دول مختلفة.

بالنسبة للقارئ في مصر، ربما تكمن أهمية الخبر في أن المسرح المصري ما زال قادرًا على إنتاج أعمال تطرح أسئلة راهنة من دون التفريط في طموحها الجمالي. وبالنسبة لمتابعي قسم فن عالمي، فإن المسرحية تمثل مثالًا واضحًا على كيف تتحرك الحكاية المصرية اليوم داخل دوائر دولية أوسع، من القاهرة إلى أوروبا، من خشبة محلية إلى برمجة مهرجانات عابرة للحدود.

أبرز المعلومات عن المسرحية

  • اسم العمل: سلمى حبي أنا
  • التأليف والإخراج: أحمد العطار
  • الطابع: دراما اجتماعية تميل إلى الكوميديا السوداء
  • الخط الدرامي: عائلة مصرية ثرية يتأجل زفاف ابنها بعد أحداث 7 أكتوبر، فتبدأ التصدعات بالظهور داخل البيت
  • نوع الإنتاج: إنتاج مصري روسي
  • أحدث ظهور موثق: ضمن مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، سبتمبر 2026
  • مكان العرض في القاهرة: مسرح الفلكي

خلاصة

في «سلمى حبي أنا»، لا يكتفي أحمد العطار بسرد حكاية زفاف مؤجل، بل يحول المناسبة العائلية إلى اختبار قاسٍ لفكرة النجاة نفسها. من داخل بيت ثري، يكشف العمل كيف يتسلل العالم إلى التفاصيل الحميمة، وكيف يمكن للكارثة أن تسقط فجأة وهم البقاء خارج التاريخ. وهذه بالضبط هي القوة التي تجعل المسرحية جديرة بالمتابعة: عمل مصري المنشأ، دولي الأفق، وحاد في أسئلته بقدر ما هو إنساني في صراعاته.