المازيكاتي

سلوى جرادات تعيد إحياء صوت المتصوفات في ألبوم «نَفَس»

ألبوم أول يحمل مشروعًا فنيًا واضح الملامح

تدخل الفنانة والباحثة الفلسطينية سلوى جرادات إلى واجهة المشهد الموسيقي العربي بألبومها الأول «نَفَس»، وهو عمل يلفت الانتباه ليس فقط لأنه إصدار افتتاحي في مسيرتها التسجيلية، بل لأنه يطرح منذ البداية تصورًا فنيًا متماسكًا يقوم على وصل الغناء العربي بالبحث والأرشفة والذاكرة الثقافية. ووفق البيانات المنشورة على صفحة الفنانة في Spotify، فإن «نَفَس» هو أحدث ألبوماتها المتاحة حاليًا، بينما تُعرّف المنصة جرادات بوصفها مغنية فلسطينية تشكلت تجربتها بين الغناء العربي التقليدي الشفهي والدراسة الأكاديمية للموسيقى.

أهمية هذا الألبوم، بالنسبة للقارئ العربي عمومًا والمصري خصوصًا، أنه لا يتعامل مع التراث باعتباره مادة للحنين فقط، بل بوصفه مساحة لإعادة التفكير في تاريخ الصوت العربي النسائي، وفي ما غاب منه أو هُمِّش عبر الزمن. هذا المنظور يمنح العمل مكانة خاصة داخل تغطية «فن عربي»، لأنه يتجاوز الإطار المحلي إلى أسئلة أوسع تخص المنطقة كلها: من يكتب الذاكرة الموسيقية؟ ومن تُحفظ أصواته في الأرشيف؟ ومن يُستعاد اليوم إلى الواجهة؟

من هي سلوى جرادات؟

المعطيات المتاحة من المصادر الموسيقية الرسمية تشير إلى أن سلوى جرادات فنانة فلسطينية درست الغناء في المعهد الوطني للموسيقى – إدوارد سعيد في فلسطين، ثم تخصصت لاحقًا في علم الموسيقى في جامعة الأنطونية في لبنان. كما تذكر صفحتها على Spotify أنها عملت أيضًا في مجال البحث والأرشفة الموسيقية، ومن ذلك تعاونها لعدة سنوات مع AMAR Foundation for Arab Music Archiving and Research. هذه الخلفية تفسر إلى حد كبير الطابع البحثي الواضح في مشروعها الفني.

هذا التكوين المزدوج، بين الأداء والدراسة، يظهر في كيفية تعامل جرادات مع المادة الغنائية: فهي لا تقدم أغنيات مبنية على اقتباس سطحي من التراث، بل تبدو معنية بقراءة الطبقات التاريخية للنص والصوت والإيقاع، ثم إعادة تركيبها في صيغة معاصرة. وهذه مقاربة تجد صدى لدى جمهور عربي مهتم اليوم بالمشروعات التي تشتغل على الذاكرة الموسيقية من دون الوقوع في التكرار أو الاستهلاك الفولكلوري.

«نَفَس».. استعادة لشاعرات متصوفات من الهامش إلى المتن

بحسب تغطية موقع SceneNoise المتخصص، صدر ألبوم «Nafas» في مارس 2026 عبر Tiny Music، ويقدَّم بوصفه تحية إلى النساء في الموسيقى العربية وشكلًا من أشكال المقاومة الثقافية المستلهمة من الروح الصوفية. وتشير التغطية إلى أن الألبوم يضم 6 مقطوعات ويستند إلى نصوص لشاعرات ومتعبدات متصوفات من التاريخ العربي والإسلامي.

ومن بين الأسماء التي وردت في هذه التغطية: رابعة العدوية، وعائشة الباعونية، والسيدة نفيسة، إلى جانب أسماء أخرى أقل تداولًا في المجال العام. أهمية هذا الاختيار أنه يسلط الضوء على مسار مهمل نسبيًا في السردية الموسيقية العربية: نصوص النساء المتصوفات، لا بوصفها وثائق دينية أو أدبية فقط، بل باعتبارها أيضًا مادة غنائية قابلة للحياة في الحاضر.

بالنسبة للمشهد الثقافي في مصر، يكتسب هذا المسار حساسية إضافية، لأن بعض المرجعيات التي يستدعيها الألبوم، مثل السيدة نفيسة ورابعة العدوية، تحضر بقوة في الوجدان العربي والمصري، سواء عبر الذاكرة الدينية أو الشعبية أو الفنية. لذلك يبدو «نَفَس» قريبًا من أسئلة الجمهور المصري حول علاقة الموسيقى بالتاريخ الروحي، وحول إمكان تجديد هذا الموروث بعيدًا عن القوالب الجاهزة.

رحلة بحث عابرة للحدود العربية

توضح المصادر التي تناولت الألبوم أن المشروع لم يولد من جلسات تسجيل عابرة، بل من مسار بحثي طويل. فقد أشار SceneNoise إلى أن جرادات طورت العمل خلال إقامة فنية في Hammana Artist House في لبنان، وأنها انخرطت في رحلة بحث شملت أكثر من بلد عربي، مع اهتمام خاص بغياب النساء عن الأرشيفات الموسيقية العربية. كما ذكرت التغطية مشاركتها في فعاليات ومؤتمرات صوفية في المغرب والأردن ومصر.

هذا الامتداد الجغرافي مهم لأنه يضع الألبوم داخل خريطة عربية أوسع، لا كإنتاج فلسطيني منفصل، بل كمشروع حواري بين مراكز ثقافية متعددة في المنطقة. ومن هنا يمكن فهم إحالاته إلى الموروث الفلسطيني من جهة، وإلى تاريخ الغناء العربي والطقوس الصوفية من جهة أخرى، في توازن يمنح العمل بعدًا عابرًا للحدود من دون أن يفقد خصوصيته.

موعد الإصدار وقائمة الأعمال

تتفق أكثر من قاعدة بيانات موسيقية ومتاجر بيع الأسطوانات على أن الألبوم طُرح خلال مارس 2026. وتذكر صفحة HMV أن الإصدار كان في 20 مارس 2026، بينما أوردت تغطية أخرى أن طرحه جرى في 13 مارس 2026، وهو التاريخ نفسه الذي ارتبط بعرض تقديمي للعمل في باريس بحسب تقارير صحافية فرنكوفونية. كما تكشف بيانات HMV عن قائمة الأغنيات الست: Hub وZawal وRuh وNafas وUbur وMasarra.

ويظهر من هذه العناوين أن جرادات تميل إلى مفردات مكثفة وقصيرة ذات حمولة روحية وشعورية، وهو ما ينسجم مع طبيعة المشروع نفسه. كما أن صدور أغنية «Nafas نَفَس» منفردة بتاريخ 25 فبراير 2026 على Audiomack يشي بأن العمل سُوّق تدريجيًا قبل الإطلاق الكامل للألبوم.

بين البحث الموسيقي والإنصات المعاصر

ما يميز «نَفَس» ليس الرهان على النصوص القديمة فحسب، بل طريقة تقديمها إلى مستمع اليوم. فالمشروع، كما تصفه المواد التعريفية، ينطلق من الغناء العربي التقليدي، لكنه لا يتوقف عند إعادة الأداء بصيغة متحفية. على العكس، يبدو أن جرادات تتعامل مع الأرشيف بوصفه مادة حية يمكن تحديثها عبر التوزيع، والتأويل الصوتي، والحوار مع موسيقيين معاصرين. وقد أشار SceneNoise إلى تعاونها في الألبوم مع العازف والمؤلف شام صلّوم ضمن شبكة أوسع من الموسيقيين في المنطقة.

هذه الفكرة تحديدًا تهم جمهور الفن العربي في مصر، حيث يتزايد الاهتمام بالأعمال التي توازن بين الأصالة والتجريب. فبدل الاكتفاء بإحياء التراث، يطرح «نَفَس» سؤالًا أكثر راهنية: كيف يمكن أن يصبح التراث نفسه أداة لإنتاج معنى جديد، خصوصًا حين يتعلق الأمر بأصوات نسائية لم تأخذ موقعها الكامل في السردية الفنية العربية؟

لماذا يستحق الألبوم المتابعة؟

لأن «نَفَس» لا يقدم فقط تجربة استماع مختلفة، بل يفتح ملفًا ثقافيًا أوسع عن حضور المرأة في الأرشيف الموسيقي العربي، وعن العلاقة بين الموسيقى والتصوف والذاكرة. كما أن صدوره كأول ألبوم كامل لسلوى جرادات يمنحه وزنًا خاصًا في متابعة المسارات الجديدة داخل الموسيقى العربية البديلة والمستقلة. وتكشف بيانات Spotify أن الفنانة ما زالت في مرحلة بناء جمهورها الرقمي، ما يجعل هذا الإصدار فرصة لتعريف شريحة أوسع من المستمعين العرب باسمها ومشروعها.

في المحصلة، يبدو ألبوم «نَفَس» خطوة افتتاحية ناضجة أكثر من كونه مجرد بداية. إنه عمل يربط فلسطين بمحيطها العربي، ويستدعي نصوصًا نسائية صوفية من الماضي ليمنحها حياة جديدة في الحاضر. وبالنسبة لمتابعي الفن العربي في مصر، فهو من الأعمال التي تستحق الإصغاء لا لأنها مختلفة فقط، بل لأنها تطرح اختلافها على أسس معرفية وجمالية واضحة.

أبرز المعلومات عن الألبوم

  • اسم الألبوم: نَفَس
  • الفنانة: سلوى جرادات
  • النوع: مشروع موسيقي عربي معاصر يستلهم نصوص شاعرات متصوفات
  • عدد المسارات: 6 أغنيات
  • فترة الإصدار: مارس 2026
  • الخلفية الفنية: غناء عربي تقليدي، بحث موسيقي، وأرشفة للتراث