المازيكاتي

سوسن معالج في قليبية: السينما الهواة تصنع جيلاً جديداً

سوسن معالج في واجهة مهرجان قليبية 2026

عادت الممثلة التونسية سوسن معالج إلى واجهة الأخبار الثقافية والفنية هذا الصيف، بعد مشاركتها في لجنة تحكيم جائزة منظمة العفو الدولية – فرع تونس ضمن فعاليات الدورة التاسعة والثلاثين من المهرجان الدولي لفيلم الهواة بقليبية، المعروف اختصاراً باسم «فيفاك». وقد أُقيمت الدورة بين 23 و29 أغسطس 2026 في مدينة قليبية التابعة لولاية نابل، داخل المسرح المفتوح الذي يحتضن كل عام واحداً من أبرز المواعيد السينمائية في تونس.

وجود سوسن معالج في هذه المساحة لا يندرج فقط ضمن نشاط مهرجاني عابر، بل ينسجم مع صورة فنانة عرفت بحضورها التلفزيوني والسينمائي، وبانفتاحها كذلك على النقاشات المرتبطة بالثقافة والواقع الاجتماعي. وفي السياق ذاته، اكتسبت مشاركتها في لجنة تحكيم جائزة حقوقية أهمية إضافية، لأن الجائزة نفسها تُعنى بالأفلام التي تضع الإنسان وكرامته وحرياته في قلب الرؤية الفنية.

ما الذي يميز جائزة العفو الدولية داخل «فيفاك»؟

الجوائز الموازية في المهرجانات كثيراً ما تمرّ بهدوء، لكن جائزة منظمة العفو الدولية في قليبية بدت هذا العام لافتة، لأنها توجهت بوضوح إلى الأفلام القصيرة التي تتعامل مع أسئلة الحقوق والعدالة والبيئة والحرية من زاوية فنية. ووفق النتائج المعلنة عقب ختام الدورة، ذهبت الجائزة إلى فيلم «ضحّى بيهم لإطعام العالم» للمخرج والناشط البيئي إسلام الزرلي، بعدما رأت لجنة التحكيم أنه يضيء قضية تتصل بحق الناس في بيئة سليمة، عبر التوقف عند نضالات أهالي قابس في مواجهة التلوث.

هذا التتويج يكشف طبيعة المزاج العام الذي حكم الجائزة: أفلام قصيرة، لكن مشغولة على قضايا ثقيلة، وتبحث عن أثر إنساني مباشر. ومن هنا تبدو مشاركة سوسن معالج منطقية، لأن خبرة الممثل لا تنحصر في الأداء فقط، بل تمتد إلى قراءة الصدق الإنساني على الشاشة: كيف تُصاغ الشخصيات؟ هل تبدو القضايا مفروضة على الفيلم أم نابعة من داخله؟ وهل تنجح الصورة في خلق تعاطف حقيقي مع الناس الذين تتناولهم الحكاية؟

مهرجان عمره أكثر من ستة عقود

بالنسبة للقارئ المصري، قد لا يكون اسم «فيفاك» متداولاً يومياً مثل مهرجانات عربية كبرى، لكن قيمته داخل المشهد التونسي كبيرة للغاية. فالمهرجان، الذي انطلقت رحلته عام 1964، يُعد من أقدم التظاهرات السينمائية في تونس، كما يوصف بأنه فضاء محوري لاكتشاف المواهب الشابة وتشجيع سينما الهواة والمستقلة والطلابية. وتنظمه الجامعة التونسية للسينمائيين الهواة، التي لا تزال تحافظ على روحه الأصلية: منح الكاميرا لمن هم خارج الدوائر الإنتاجية الكبرى.

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في زمن أصبحت فيه صناعة الصورة أكثر سرعة، بينما يظل الوصول إلى الدعم والإنتاج والتوزيع تحدياً أمام أسماء جديدة كثيرة. لذلك يواصل مهرجان قليبية لعب دور «الجسر» بين الهواية والاحتراف، وهو ما يفسر لماذا مرّ عبره، بحسب تقارير تونسية، عدد من الأسماء التي صنعت لاحقاً حضورها المعروف في السينما التونسية.

سوسن معالج والجيل الجديد: قراءة تتجاوز الفجوة التقليدية

الزاوية الأكثر إثارة في حضور سوسن معالج كانت نظرتها إلى الجيل الجديد من صناع الأفلام. فالفكرة الأساسية التي حملها هذا الظهور تقوم على أن الأجيال الجديدة لا تشبه من سبقها، ليس فقط في أدوات التعبير، بل أيضاً في طبيعة الأسئلة التي تطرحها، وفي الجرأة التي تتعامل بها مع قضايا الهوية والحرية والعدالة الاجتماعية. وهذه نقطة تلقى صدى واسعاً في العالم العربي عموماً، حيث باتت السينما القصيرة ساحة أساسية لاختبار أفكار جديدة خارج حسابات السوق المباشرة.

في مصر أيضاً، يعرف المتابعون كيف أصبحت المهرجانات ومساحات العرض البديلة فرصة حقيقية لصعود جيل جديد من صناع الأفلام القصيرة والوثائقية، ممن يشتبكون مع الواقع اليومي بلغة أكثر مباشرة. ومن هذا المنظور، فإن ما قالته معالج يلامس سياقاً عربياً أوسع: ليس المطلوب أن يكرر الجيل الحالي لغة من سبقوه، بل أن ينتج قاموسه البصري الخاص، حتى لو بدا صادماً أو مختلفاً.

لماذا تهم هذه المشاركة جمهور «الموسيقى والمشاهير»؟

رغم أن الخبر ينتمي في ظاهره إلى تغطية مهرجان سينمائي، فإنه يعني جمهور المشاهير أيضاً، لأن حضور النجوم في لجان التحكيم لم يعد مجرد واجهة بروتوكولية. وجود ممثلة مثل سوسن معالج في هذا الموقع يمنح المهرجان زخماً جماهيرياً، ويقرب النقاش السينمائي من المتابع العادي الذي يعرفها من أعمالها التلفزيونية والسينمائية. كما أن انتقال الفنان من الشاشة إلى موقع التقييم والاختيار يكشف وجهاً آخر من شخصيته المهنية، ويمنح الجمهور فرصة لرؤية كيف يفكر الفنان خارج الدور التمثيلي.

ومعالج، المعروفة في تونس بأعمالها الدرامية والكوميدية، حضرت في قواعد بيانات فنية عربية كواحدة من الوجوه المرتبطة بأعمال مثل «القضية 460» و«كان يا ماكانش». هذا الرصيد يمنح مشاركتها في لجنة التحكيم وزناً عملياً، لأنها تأتي من ممثلة تعرف إيقاع الأداء أمام الكاميرا، وتفهم كيف يشتغل النص المختصر في الفيلم القصير، وهو النوع الذي يعتمد عليه «فيفاك» بصورة أساسية.

هل تغيّرت سينما الهواة فعلاً؟

المتابعة الدقيقة لبرامج الدورة 39 تشير إلى أن المهرجان لم يعد مجرد مناسبة لعروض أفلام فقط، بل مساحة تشمل ورشات وندوات وموائد مستديرة ولقاءات تكوينية إلى جانب المسابقات الوطنية والدولية. وهذا يعني أن «الهواية» هنا لم تعد مرادفاً للهشاشة أو العفوية غير المصقولة، بل تحولت إلى مختبر حقيقي للأفكار والأساليب الجديدة.

ومن اللافت أيضاً أن الشراكة مع منظمات مثل العفو الدولية – تونس تضيف بعداً آخر للمهرجان، إذ تربط السينما بالنقاش العام حول الحقوق والحريات. بالنسبة لجمهور عربي يعيش في فضاء بصري متخم بالمحتوى السريع، تبدو هذه المقاربة مهمة: الفيلم القصير ليس فقط بطاقة عبور لمخرج شاب، بل يمكن أن يكون أداة مساءلة اجتماعية وسياسية وأخلاقية.

قليبية تحافظ على مكانتها

اختتام دورة 2026 أكد أن مدينة قليبية ما زالت قادرة على الحفاظ على وهجها كوجهة صيفية وثقافية معاً. فالمهرجان، بحسب التغطيات التونسية، استمر في جمع السينمائيين الشباب وطلبة مدارس السينما وصناع الأفلام المستقلين، مع عروض مفتوحة ونقاشات يومية حول الأفلام المختارة. وهذه الصيغة تمنح الحدث حيوية خاصة تختلف عن بعض المهرجانات الأكثر رسمية.

في النهاية، تبدو مشاركة سوسن معالج في تحكيم جائزة العفو الدولية أكثر من مجرد خبر فني عابر. إنها لحظة تكشف تداخلاً بين النجومية والالتزام الثقافي، وبين خبرة فنانة معروفة وحيوية جيل جديد يحاول أن يعبّر عن نفسه بأدوات مختلفة. وبين الاثنين، يواصل مهرجان قليبية تأكيد مكانته كواحد من أهم المختبرات العربية لصناعة صورة أكثر حرية، وأكثر قرباً من الناس.

  • المهرجان: المهرجان الدولي لفيلم الهواة بقليبية «فيفاك»
  • الدورة: التاسعة والثلاثون
  • التاريخ: 23 إلى 29 أغسطس 2026
  • المكان: قليبية، ولاية نابل، تونس
  • مشاركة سوسن معالج: عضو لجنة تحكيم جائزة منظمة العفو الدولية – فرع تونس
  • الفيلم الفائز بالجائزة: «ضحّى بيهم لإطعام العالم» للمخرج إسلام الزرلي