المازيكاتي

شفيقة ومتولي: كيف خلد الفن المصري أسطورة الجنوب؟

من الحكاية الشعبية إلى الشاشة الكبيرة

لا تزال قصة شفيقة ومتولي واحدة من أكثر الحكايات حضورًا في الذاكرة الشعبية المصرية، خصوصًا في محافظات الصعيد، حيث جرى تداولها طويلًا بوصفها سيرة مأساوية عن الفقر والسلطة والوصم الاجتماعي، قبل أن تتحول إلى مادة فنية أثرت بقوة في السينما العربية. ومع أن الحكاية تُستعاد أحيانًا تحت عنوان «جريمة شرف»، فإن المعالجة الفنية الأبرز لها في السينما المصرية ذهبت إلى ما هو أبعد من هذا الوصف المباشر، وقدمتها بوصفها قصة قهر اجتماعي وسياسي في مصر القرن التاسع عشر.

النسخة الأشهر فنيًا جاءت عبر فيلم «شفيقة ومتولي» الذي عُرض في مصر يوم 27 نوفمبر 1978، وأخرجه علي بدرخان، بينما حمل السيناريو والحوار توقيع صلاح جاهين استنادًا إلى حكاية شعبية مرتبطة باسم الباحث والكاتب شوقي عبد الحكيم. الفيلم من إنتاج MISR International Films، وامتد زمنه إلى نحو 125 إلى 130 دقيقة بحسب قواعد البيانات الفنية المتاحة.

ما القصة الأصلية التي ألهمت الفن؟

في الوجدان الشعبي المصري، تدور الحكاية حول شقيقين من بيئة ريفية فقيرة في صعيد مصر، تنقلب حياتهما تحت وطأة العوز واستغلال أصحاب النفوذ. لكن الفيلم لم يكتف بإطار الحكاية المتوارثة، بل نقل الأحداث إلى سياق أوسع يرتبط بسنوات حفر قناة السويس ونظام السخرة، حيث يُنتزع الشبان إلى العمل القسري، بينما تُترك النساء والفئات الأضعف في مواجهة الفقر والافتراس الاجتماعي. بهذا المعنى، لم يعد العمل مجرد قصة عن «العار» كما جرى ترديدها شعبيًا، بل صار قراءة فنية لمناخ تاريخي كامل من الاستغلال.

وتوضح بيانات الفيلم المنشورة على المنصات الفنية أن الأحداث تدور في جرجا بمديرية سوهاج، حيث تعيش شفيقة مع شقيقها متولي وجدهما في ظروف قاسية، قبل أن تتشعب الرحلة بين القرية وأسيوط ودوائر السلطة والمال. هذا الامتداد المكاني منح القصة بعدًا دراميًا أكبر، وربط المأساة الفردية ببنية اجتماعية كاملة.

سعاد حسني وأحمد زكي في واحد من أهم الثنائيات

القيمة الفنية الكبرى للفيلم ارتبطت أيضًا بطاقم بطولته. فقد جسدت سعاد حسني شخصية شفيقة، بينما لعب أحمد زكي دور متولي، في واحد من الأعمال المبكرة اللافتة للنجمين معًا. وشاركهما البطولة كل من أحمد مظهر، ومحمود عبد العزيز، وجميل راتب، وملك الجمل، ويونس شلبي، وعبد الوارث عسر. هذا التشكيل منح الفيلم ثقله التمثيلي، وفسر إلى حد كبير استمراره في الذاكرة النقدية والجماهيرية حتى اليوم.

وتكشف المصادر الفنية كذلك أن الفيلم كان محطة مهمة في مسيرة علي بدرخان، الذي تذكره الهيئة العامة للاستعلامات ضمن أبرز المخرجين المصريين، مشيرة إلى أن «شفيقة ومتولي» من أعماله الأساسية، وأنه حصد عنه جوائز من بينها جائزة الدولة كأحسن فيلم، إلى جانب التانيت البرونزي في مهرجان قرطاج عام 1978.

كيف غيّر الفيلم معنى الحكاية؟

الفرق الجوهري بين الحكاية المتداولة وبين الفيلم أن السينما لم تتعامل مع شفيقة باعتبارها مجرد رمز للخطيئة، بل بوصفها ضحية شبكة معقدة من الفقر والتسلط والاستغلال. فمتولي نفسه لا يظهر في الفيلم كشقيق ينتصر لمفهوم جامد عن الشرف فقط، بل كشاب مسحوق جرى دفعه إلى مسار عنيف بفعل السخرة والقهر وكسر الكرامة. لذلك ظل الفيلم حاضرًا في النقاشات النقدية بوصفه عملًا يتناول بنية السلطة، لا مجرد حكاية أخلاقية مغلقة.

هذا التحول في المعالجة هو ما جعل «شفيقة ومتولي» يتجاوز حدود المحلية. فبينما تنطلق الحكاية من صعيد مصر، فإن موضوعاتها الأساسية مفهومة عالميًا: الجسد بوصفه ساحة للهيمنة، والفقر كمدخل للانكسار، والعنف الذكوري حين يتقاطع مع نظام اجتماعي غير عادل. ولهذا السبب ظل الفيلم مرجعًا مهمًا عند الحديث عن قدرة السينما العربية على إعادة قراءة التراث الشعبي بلغة حديثة وقاسية في آن واحد.

تفاصيل إنتاجية صنعت مكانة الفيلم

بحسب المعلومات المنشورة على قاعدة بيانات elCinema، فإن الفيلم عُدّ من أضخم إنتاجات موسم 1978. كما تشير الهوامش المنشورة إلى أن يوسف شاهين كان مرتبطًا بالمشروع في البداية، لكنه لم يستكمل الإخراج، ليتولى علي بدرخان المهمة، بينما استمر شاهين في موقع المنتج. وتذكر الصفحة نفسها أن عددًا من المشاهد صُور في بيت الكريتلية التاريخي في حي السيدة زينب بالقاهرة، وهي معلومة تضيء جانبًا من العناية البصرية التي ميزت العمل.

كما تسجل قواعد البيانات السينمائية أن اسم الفيلم بالإنجليزية هو Shafika and Metwali أو Shafiqa we Metwali، وهو ما يسهل تتبع حضوره في الأرشفة العالمية، خصوصًا عبر IMDb حيث ما زال الفيلم مدرجًا ضمن كلاسيكيات السينما المصرية.

لماذا تبقى شفيقة ومتولي حاضرة حتى الآن؟

استمرار الاهتمام بالقصة يعود إلى أكثر من سبب. أولًا، لأنها تنتمي إلى التراث الشفهي المصري الذي سبق السينما ونجا بعدها. ثانيًا، لأن الفيلم منحها صياغة درامية متماسكة مدعومة بأسماء ثقيلة في الكتابة والإخراج والتمثيل. وثالثًا، لأن موضوعاتها لا تزال راهنة: نظرة المجتمع إلى المرأة، واستخدام السلطة للعنف، وتحول الفقراء إلى ضحايا داخل سرديات أخلاقية لا ترى جذور المأساة.

ومن هنا، فإن السؤال عن كيفية تناول الفن لقصة شفيقة ومتولي لا يُجاب عنه فقط عبر سرد أحداثها، بل عبر فهم ما فعله الفيلم بها: لقد انتشلها من الحكاية الشعبية المباشرة إلى عمل سينمائي كبير، أعاد تعريف البطولة والذنب والضحية. ولهذا بقي «شفيقة ومتولي» أحد الأفلام التي يُعاد اكتشافها كلما عاد النقاش حول تمثيل المرأة والطبقة والسلطة في السينما المصرية.

أبرز الحقائق الموثقة عن الفيلم

  • سنة العرض في مصر: 27 نوفمبر 1978.
  • الإخراج: علي بدرخان.
  • السيناريو والحوار: صلاح جاهين، استنادًا إلى الحكاية الشعبية المرتبطة بشوقي عبد الحكيم.
  • البطولة: سعاد حسني، أحمد زكي، محمود عبد العزيز، أحمد مظهر، جميل راتب.
  • الجوائز: جائزة الدولة كأحسن فيلم، والتانيت البرونزي في مهرجان قرطاج عام 1978 وفق الهيئة العامة للاستعلامات.

في النهاية، تبقى «شفيقة ومتولي» أكثر من مجرد قصة مأساوية من الجنوب المصري؛ إنها مثال حي على كيف يمكن للفن أن يعيد قراءة التاريخ الشعبي، وأن يحول مادة تراثية إلى فيلم لا يزال يفرض حضوره بعد ما يقرب من نصف قرن على عرضه الأول.