شهيرة تستعيد حكاية أحمد زكي و«المقبرة» من منصة التكريم
شهيرة تعود إلى ذكرى إنسانية قديمة مع أحمد زكي
استعادت الفنانة شهيرة، خلال الاحتفاء بها في الدورة التاسعة عشرة من المهرجان القومي للمسرح المصري، موقفًا شخصيًا وإنسانيًا جمعها بالفنان الراحل أحمد زكي، في حكاية ارتبطت هذه المرة بموضوع شديد الحساسية هو المقابر. اللافت أن القصة لم تُطرح بوصفها مجرد واقعة عابرة، بل كاشفة لطبيعة العلاقة القديمة التي جمعت بين الاثنين، وللثقة التي جعلت «النمر الأسود» يلجأ إليها في تفصيلة تمس ما بعد الحياة نفسها.
الحديث عن هذه الذكرى جاء بالتزامن مع تكريم شهيرة ضمن افتتاح المهرجان، الذي انطلقت فعالياته يوم 25 يوليو 2026 وتستمر حتى 11 أغسطس 2026، برئاسة الفنان محمد رياض، فيما تُقام ندوة خاصة للاحتفاء بها يوم الأربعاء 29 يوليو 2026 في المجلس الأعلى للثقافة داخل دار الأوبرا المصرية، وتديرها الإعلامية بسنت حسن بمشاركة المخرج عمر زهران. كما شهد حفل الافتتاح حضور الدكتور عبدالعزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والقائم بأعمال وزير الثقافة، إلى جانب الفنان عادل عبده مدير المهرجان.
كيف بدأت قصة «مقبرة أحمد زكي»؟
بحسب التفاصيل الموثقة التي سبق أن روتها شهيرة في تصريحات صحفية، فإن أصل الحكاية يعود إلى نحو ستة أعوام قبل وفاة أحمد زكي. قالت إنها كانت صاحبة اقتراح شراء المقبرة، بل لعبت أيضًا دور الوسيط بين البائع والمشتري. وبدأ الأمر عندما اتصل بها الفنان الراحل بعد استيقاظه من كابوس مزعج، فبادرت بسؤال مباشر: هل يملك مقبرة أم لا؟
رد أحمد زكي حينها، وفق الرواية المتداولة عنها، بأنه لا يملك واحدة، وأضاف ما معناه أنه يمكن دفنه عندهم عندما يحين الأجل. هنا تحركت شهيرة بجدية، وتواصلت مع الصحفي الراحل سيد فرغلي، الذي كان يشغل منصب سكرتير جمعية فناني وكتاب وإعلاميي الجيزة، في فترة كان يرأس الجمعية فيها الفنان الراحل محمود ياسين. وأوضحت أن الجمعية كانت تملك قطعة أرض مخصصة لمقابر الأعضاء، ومن هنا فُتح الباب أمام إتمام الأمر بشكل رسمي.
وتضيف شهيرة في روايتها أن أحمد زكي ترك لها لاحقًا رسالة صوتية عبر جهاز الرد الآلي، برفقة سيد فرغلي، لإبلاغها بإتمام كتابة عقد المقبرة، في لحظة اختلطت فيها خفة ظل الفنان الكبير بواقعية النظر إلى مصير لا يهرب منه أحد. هذه التفصيلة بالذات منحت القصة بُعدها الإنساني، خصوصًا أن شهيرة لم تروها بوصفها «سبقًا» بقدر ما قدمتها باعتبارها موقفًا صادقًا يكشف هشاشة الإنسان خلف صورة النجم.
تكريم شهيرة في المهرجان.. عودة إلى جذورها المسرحية
استدعاء هذه الذكرى تزامن مع لحظة احتفاء فني مهمة في مسيرة شهيرة، إذ كرمها المهرجان القومي للمسرح المصري تقديرًا لإسهاماتها على الخشبة، وهي مساهمات سبقت شهرتها الواسعة في السينما والتلفزيون. ووفق ما أعلنته الجهات المنظمة، فإن شهيرة تُعد من الفنانات اللاتي انطلقن من المسرح، وهي خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية، وكانت بداياتها على خشبة المسرح القومي من خلال مسرحية «عودة الغائب» للكاتب ألفريد فرج.
وفي مسيرتها المسرحية قدمت أعمالًا بارزة، من بينها «الراجل اللي خاف من خياله» و«تصبح على خير يا حبة عيني» و«مصر فوق كل المحن» و«طائر البحر» و«البلدوزر». كما يُحسب لها تجسيد شخصية نفيسة في النسخة المسرحية من «بداية ونهاية» المأخوذة عن رواية نجيب محفوظ، وهو دور يُنظر إليه كإحدى العلامات المهمة في رصيدها الفني.
ويكتسب هذا التكريم وزنه من كونه يأتي داخل واحدة من أهم الفعاليات المسرحية الرسمية في مصر، لا سيما أن الدورة الحالية تشهد أيضًا تكريم أسماء معروفة مثل إسعاد يونس وأحمد ماهر وأحمد عبدالعزيز، في محاولة لرد الاعتبار لتجارب فنية صنعت جزءًا من الذاكرة الثقافية المصرية.
أحمد زكي.. سيرة نجم لم تفقد حضورها
إعادة تداول القصة أعادت كذلك اسم أحمد زكي إلى الواجهة، ليس فقط بصفته بطل الحكاية، بل باعتباره أحد أكثر النجوم تأثيرًا في تاريخ التمثيل العربي. الفنان الراحل، المولود في الزقازيق بمحافظة الشرقية، تخرج في المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1973، وشارك مسرحيًا في أعمال مثل «مدرسة المشاغبين» و«العيال كبرت» و«هاللو شلبي» و«اللص الشريف»، قبل أن يحقق حضوره السينمائي الكاسح لاحقًا.
وعلى الشاشة الكبيرة، ارتبط اسمه بأفلام تركت أثرًا ممتدًا في الوجدان المصري والعربي، مثل «شفيقة ومتولي» و«موعد على العشاء» و«النمر الأسود» و«زوجة رجل مهم» و«البريء» و«الهروب» و«ناصر 56». ورحل أحمد زكي في 27 مارس 2005 عن عمر 56 عامًا بعد معاناة مع سرطان الرئة، بينما كان يعمل على فيلمه الأخير «حليم».
لماذا لامست القصة الجمهور من جديد؟
السبب لا يرتبط فقط بخصوصية الواقعة، بل أيضًا بطريقة تقديمها. فحين تتحدث فنانة بحجم شهيرة عن أحمد زكي من زاوية بعيدة عن الكاميرا والنجومية، فإنها تفتح نافذة على الحياة اليومية لرموز الفن، وتذكر الجمهور بأن المشاهير أيضًا لديهم مخاوفهم وهواجسهم وعلاقاتهم الخاصة المعقدة والبسيطة في الوقت نفسه.
وفي السياق المصري، تظل القصص التي تمزج بين الذاكرة الفنية والبعد الإنساني ذات صدى خاص، خاصة عندما تتصل باسم مثل أحمد زكي، الذي لا يزال حاضرًا بقوة في البرمجة التلفزيونية، وفي النقاشات النقدية، وفي وجدان أجيال كاملة من المشاهدين في مصر والعالم العربي.
أبرز الحقائق المرتبطة بالقصة
- شهيرة كُرمت في افتتاح الدورة 19 من المهرجان القومي للمسرح المصري.
- فعاليات الدورة الحالية بدأت 25 يوليو 2026 وتستمر حتى 11 أغسطس 2026.
- ندوة الاحتفاء بشهيرة تقام 29 يوليو 2026 الساعة 3 عصرًا بالمجلس الأعلى للثقافة.
- قصة المقبرة تعود إلى نحو 6 سنوات قبل وفاة أحمد زكي.
- أحمد زكي رحل في 27 مارس 2005 عن 56 عامًا.
في النهاية، تبدو الحكاية أكبر من مجرد تفصيل شخصي؛ إنها تذكرة جديدة بأن الذاكرة الفنية المصرية لا تُصنع فقط بالأفلام والمسرحيات، بل أيضًا بالمواقف الصغيرة التي تكشف معدن أصحابها. ومن هذا الباب تحديدًا، جاءت رواية شهيرة لتضيف سطرًا جديدًا إلى السيرة الإنسانية لأحمد زكي، وسطرًا آخر إلى مسيرة فنانة لا يزال اسمها حاضرًا حين تُفتح دفاتر الفن الجميل في مصر.