المازيكاتي

طرابلس تُحيي المالوف في الدورة 13 من مهرجانها الدولي

طرابلس تستعيد وهج المالوف في دورة جديدة من مهرجانها الدولي

تتواصل في العاصمة الليبية طرابلس مظاهر الاحتفاء بالتراث الموسيقي المحلي مع انطلاق الدورة الثالثة عشرة من مهرجان طرابلس الدولي للمالوف والموشحات يوم الجمعة 24 يوليو 2026، في فعالية تؤكد عودة هذا الفن إلى صدارة المشهد الثقافي الليبي بعد سنوات من التذبذب في انتظام المهرجان. ووفق التغطيات الليبية المتطابقة، أقيم الافتتاح وسط حضور رسمي وفني وثقافي، بينما حملت هذه النسخة اسم المرحوم الشيخ عبدالله الربع تكريماً لأحد الأسماء المرتبطة بحفظ هذا الإرث الغنائي في ليبيا.

أهمية الخبر لا تتوقف عند تنظيم مهرجان موسيقي فحسب، بل تمتد إلى كونه مؤشراً على محاولة المؤسسات الثقافية في ليبيا إعادة تثبيت الفنون التراثية داخل المجال العام، خصوصاً في مدينة مثل طرابلس التي ظل المالوف فيها جزءاً من الذاكرة السمعية والاجتماعية لسنوات طويلة. وتوضح الهيئة العامة للسينما والمسرح والفنون، وهي الجهة المنظمة، أن المهرجان تأسس بهدف إحياء فن المالوف وتوثيقه، وجمع الفرق والفنانين والباحثين من ليبيا وخارجها ضمن منصة واحدة معنية بصون التراث الموسيقي الليبي.

ما الذي جرى في الافتتاح؟

بحسب ما نشرته وسائل إعلام ليبية محلية، افتُتحت الأمسية الأولى بـتدريجة المالوف في مشهد استعاد الطابع الاحتفالي التقليدي لهذا الفن، داخل أجواء ركزت على البعد الرمزي للمالوف بوصفه جزءاً من الهوية الوطنية. كما شهدت الليلة الافتتاحية حضور وزراء ومسؤولين ومثقفين ومهتمين بالموسيقى التراثية، في إشارة إلى أن المهرجان يتجاوز الإطار الفني الضيق ليأخذ بعداً ثقافياً ومؤسساتياً أوسع.

ومن زاوية تهم القارئ المصري المتابع للمشهد الثقافي العربي، فإن هذا النوع من المهرجانات يوازي في أهميته الفعاليات التي تُعنى بحفظ التخت والموشحات والإنشاد التقليدي في بلدان عربية أخرى، لأن المالوف ليس مجرد لون غنائي محلي، بل حلقة أساسية في تراث موسيقي مغاربي وأندلسي مشترك امتد عبر ليبيا وتونس والجزائر والمغرب، مع اختلافات واضحة في الأداء والمدارس والنصوص والمقامات. وهذه الخصوصية تحديداً تمنح مهرجان طرابلس قيمة تتجاوز حدوده المحلية إلى الفضاء الثقافي العربي الأوسع.

حوارية فكرية: المالوف بين الذاكرة والهوية

لم يقتصر برنامج الدورة الحالية على الحفلات، بل تضمّن أيضاً نشاطاً فكرياً مصاحباً أُقيم في قاعة قصر الخلد تحت عنوان "المالوف الليبي.. ذاكرة وطن وهوية مدينة". وشارك في هذه الحوارية عبدالسلام بن سعيد مدير المهرجان، بينما أدارها الإعلامي محمد عبدالرزاق القيلوشي. وتركزت المناقشات، بحسب ما ورد في التغطية الصحافية، على مكانة المالوف في التكوين الثقافي لطرابلس وليبيا، وعلى سبل توثيقه وصونه وضمان انتقاله إلى الأجيال الجديدة.

هذا البعد المعرفي مهم لأن التحدي الحقيقي أمام الفنون التراثية لم يعد فقط في تقديمها على المسرح، بل في كيفية تحويلها إلى مادة تعليمية وتوثيقية حية. وفي بلد يشهد تحولات اجتماعية وإعلامية متسارعة مثل ليبيا، يصبح من الضروري أن تُقرن العروض الفنية بمناقشات حول الأرشفة والتدريب والبحث الأكاديمي، حتى لا يبقى التراث أسير المناسبات.

لماذا يُعد المالوف ركناً رئيسياً في المشهد الثقافي المغاربي؟

المالوف في الوجدان المغاربي يُنظر إليه بوصفه امتداداً للموسيقى الأندلسية التي انتقلت عبر القرون إلى شمال أفريقيا، ثم أعادت كل منطقة تشكيلها وفق لغتها وأدائها ومرجعياتها الاجتماعية. وفي ليبيا، تشكل هذا الفن داخل فضاء مديني وديني واجتماعي خاص، حتى صار حاضراً في المناسبات العامة والاحتفالات والذاكرة الشعبية. لذلك فإن إقامة مهرجان متخصص له في طرابلس ليست مجرد فعالية فنية موسمية، بل إعلان مستمر عن تمسك المدينة بجزء من شخصيتها الثقافية.

وتشير مواد تعريفية منشورة على موقع الهيئة العامة للسينما والمسرح والفنون إلى أن من أهداف المهرجان الاحتفاء بالتراث الموسيقي الليبي، وحماية الهوية الفنية، وتمرير هذا الموروث إلى الأجيال المقبلة، وفتح باب التبادل الثقافي مع موسيقيين من داخل ليبيا وخارجها. وهذه الأهداف تمنح المهرجان بعداً استراتيجياً، خصوصاً في وقت تتنافس فيه المنصات الرقمية وأنماط الاستماع السريعة مع الفنون الكلاسيكية والتراثية.

عودة بعد انقطاع نسبي

اللافت أن المهرجان اكتسب زخماً إضافياً خلال العامين الأخيرين بعد استعادة انتظامه. فقد ذكرت وكالة الأنباء الليبية في يوليو 2025 أن الدورة الثانية عشرة أعادت المهرجان إلى الواجهة بعد غياب امتد لسنوات، وأنها حملت اسم الشيخ مصطفى أبو جراد، مع مشاركة 11 فرقة ليبية إلى جانب فرقة من تونس، فضلاً عن معرض صور ومحاضرات بحثية متخصصة. كما أفادت الوكالة نفسها بأن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة كرّم اللجنة المنظمة لتلك الدورة في 20 يوليو 2025، في مؤشر إلى وجود دعم رسمي لإحياء هذا المسار الثقافي.

أما في الدورة الحالية، فتبدو الرسالة استمرار هذا التوجه، مع تكريس فكرة إطلاق أسماء رواد المالوف على كل دورة، وهو ما يحول المهرجان إلى مساحة احتفاء مزدوجة: بالأداء الحي من جهة، وبالذاكرة الفنية وروادها من جهة أخرى. وهذا النهج مهم عربياً، لأنه يربط الفنون التقليدية بأسماء بشرية وتجارب حقيقية، لا بمجرد عناوين عامة عن التراث.

ما الذي يعنيه هذا الحدث للقارئ المصري؟

بالنسبة للمتابع في مصر، يلفت مهرجان طرابلس الدولي للمالوف والموشحات الانتباه إلى حيوية المسارات التراثية في المغرب العربي، وإلى أن المنطقة لا تزال تنتج مواسم فنية جادة تعيد تقديم التراث في صياغة معاصرة من دون فصله عن جذوره. كما أن المالوف، مثل الموشحات والإنشاد الأصيل في مصر، يطرح سؤالاً مشتركاً على الثقافة العربية كلها: كيف يمكن حماية الفنون التي تتطلب معرفة وتدريباً وذائقة خاصة، في زمن السرعة الرقمية؟

الإجابة الليبية في هذه الدورة تبدو واضحة: العرض وحده لا يكفي. هناك حاجة إلى مهرجان، وندوة، وتوثيق، وتكريم للرواد، وربط التراث بالمؤسسة الرسمية وبالجمهور معاً. ومن هنا يمكن قراءة دورة 2026 بوصفها أكثر من احتفال فني؛ إنها محاولة لترميم الصلة بين المدينة وذاكرتها الموسيقية، وإعادة تقديم المالوف باعتباره فناً قابلاً للحياة لا مجرد أثر من الماضي.

أبرز المعلومات عن الدورة 13

  • موعد الانطلاق: الجمعة 24 يوليو 2026.
  • المكان: طرابلس، مع فعاليات مصاحبة في قاعة قصر الخلد.
  • اسم الدورة: دورة المرحوم الشيخ عبدالله الربع.
  • الجهة المنظمة: الهيئة العامة للسينما والمسرح والفنون في ليبيا.
  • البرنامج المصاحب: حوارية بعنوان "المالوف الليبي.. ذاكرة وطن وهوية مدينة".

في المحصلة، يرسخ مهرجان طرابلس الدولي للمالوف والموشحات مكانته كواحد من أبرز المواعيد الثقافية المتخصصة في ليبيا، وكمنصة تحاول إعادة تثبيت الفن التراثي داخل المجال العام العربي. وبين العروض والحوارات والتكريمات، تبدو الرسالة الأوضح أن المالوف ليس صوتاً من الماضي فقط، بل مكوّن حي من هوية ثقافية لا تزال تبحث عن مزيد من الحضور والتجدد.