طرابلس تعيد المالوف إلى الواجهة في دورته الـ13
طرابلس تحتفي بتراث المالوف في دورة جديدة تحمل اسم الشيخ عبد الله الربع
عادت موسيقى المالوف والموشحات إلى صدارة المشهد الثقافي في ليبيا مع انطلاق الدورة الثالثة عشرة من مهرجان طرابلس الدولي للمالوف والموشحات، في حدث يعكس تمسّك العاصمة الليبية بإرث موسيقي ظل حاضرًا في الذاكرة الجماعية لبلدان المغرب العربي لعقود طويلة. المهرجان يُنظَّم بإشراف الهيئة العامة للسينما والمسرح والفنون في ليبيا، وهي الجهة الرسمية التي تضع ضمن أهدافها صون الموروث الفني الليبي ونقله إلى الأجيال الجديدة.
وبحسب البيانات المنشورة حول هذه الدورة، انطلقت الفعاليات يوم 29 يوليو 2026 وتواصلت حتى 30 يوليو 2026 بعروض مسائية في قاعة قصر الخلد وسط طرابلس، قبل أن يُعلَن اختتام الدورة في 31 يوليو 2026 بعد ستة أيام من العروض والأنشطة الثقافية المصاحبة. وحملت الدورة اسم الشيخ الراحل عبد الله الربع (1907-1979)، تكريمًا لأحد الأسماء المرتبطة بحفظ هذا اللون الغنائي في ليبيا.
مشاركة ليبية واسعة وحضور مغاربي يعزز البعد الإقليمي
ما يلفت في دورة هذا العام هو اتساع المشاركة الليبية إلى جانب الحضور المغاربي، إذ شهد المهرجان مشاركة 17 فرقة ليبية تمثل مدنًا عدة بينها طرابلس وتاجوراء وزليتن ومصراتة وسبها، إضافة إلى ثلاث فرق من تونس والمغرب والجزائر. هذا التنوّع منح المهرجان بعدًا يتجاوز الإطار المحلي، ليقدّم المالوف بوصفه تراثًا مشتركًا بين ليبيا وجوارها في شمال أفريقيا، لا مجرد لون موسيقي محلي.
كما تضمّن البرنامج مسابقات بين فرق المالوف التقليدي إلى جانب مشاركات شرفية، مع رصد جوائز مالية للمراكز الثلاثة الأولى تبدأ من 20 ألف دينار ليبي، في خطوة تستهدف تشجيع الفرق على الاستمرار في تقديم هذا الفن وتطوير حضوره لدى الجمهور الشاب. وبالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه الصيغة قريبة من فكرة المهرجانات التراثية التي تسعى إلى إبقاء الفنون التقليدية حيّة، ليس فقط عبر التوثيق، بل من خلال تقديمها على المسرح في صورة تنافسية وجاذبة.
من الأندلس إلى ليبيا.. كيف وصل المالوف إلى وجدان المنطقة؟
المالوف ليس مجرد لون غنائي قديم، بل امتداد حيّ لذاكرة موسيقية أندلسية انتقلت إلى بلاد المغرب العربي بعد سقوط الأندلس في أواخر القرن الخامس عشر. وتوضح مصادر بحثية وثقافية تناولت هذا الفن أن الموشحات والنوبات الأندلسية انتقلت مع المهاجرين إلى أقطار المغرب الكبير، ثم اكتسبت في كل بلد سمات محلية في الأداء والإيقاع والتوزيع. وفي ليبيا، تطور المالوف ليأخذ طابعًا خاصًا، مع حفاظه على جذوره الأندلسية من حيث البنية الشعرية والمقامية.
المثير للاهتمام أن المالوف ظل على مدى قرون أحد أهم أشكال التعبير الموسيقي في ليبيا وتونس وشرق الجزائر، بينما عُرف في مناطق أخرى من المغرب العربي بمسميات مختلفة ترتبط بالموسيقى الأندلسية. ولهذا تبدو إقامة مهرجان متخصص في طرابلس أمرًا يتجاوز الاحتفال الفني، ليصبح مناسبة لإعادة تأكيد الهوية الثقافية المشتركة في الإقليم، وخاصة في لحظة تحتاج فيها المنطقة إلى مساحات تجمع التراث والفن والذاكرة.
حوارية عن “رحلة المالوف” من قرطبة إلى المغرب العربي
لم تقتصر فعاليات الدورة الثالثة عشرة على الحفلات، بل شملت أيضًا برنامجًا فكريًا موازيًا. ومن أبرز الفعاليات الثقافية المصاحبة حوارية بعنوان “رحلة المالوف.. من قرطبة إلى المغرب العربي”، تناولت المسار التاريخي لهذا الفن، وتحولاته عبر البلدان، ودوره في حفظ جانب من الذاكرة الحضارية للمغرب العربي. وشارك في هذه الجلسة الفنان والباحث الليبي يوسف عريبي، إلى جانب ضيوف من المغرب، فيما تولّى إدارتها عبدالسلام فليفل.
مثل هذه الندوات تمنح المهرجان قيمة إضافية؛ فهي تضع الفن في سياقه التاريخي، وتساعد الجمهور على فهم لماذا لا يزال المالوف حاضرًا حتى الآن، رغم تحولات الذائقة الموسيقية المعاصرة. كما أنها تفتح بابًا للنقاش حول طرق التوثيق، والتدريب، وحماية هذا التراث من الاندثار.
تاريخ المهرجان: انطلاقة في 2002 وعودة بعد التوقف
المهرجان نفسه يمتلك تاريخًا لافتًا. فوفق المعلومات المنشورة عن هذه التظاهرة، انطلقت الدورة الأولى عام 2002، واستمر الحدث حتى الدورة الحادية عشرة في 2013، قبل أن يتوقف لعدة سنوات. ثم عاد إلى النشاط في 2025 بدورته الثانية عشرة، لتأتي دورة 2026 باعتبارها النسخة الثالثة عشرة في تاريخه. هذا المسار يوضح أن المهرجان لا يُعدّ فعالية عابرة، بل مشروعًا ثقافيًا طويل النفس يسعى لاستعادة استمراريته بعد سنوات الانقطاع.
وبالنسبة للمشهد الثقافي العربي الأوسع، فإن عودة المهرجان بهذا الزخم تحمل دلالة مهمة: الفنون التراثية ما زالت قادرة على استعادة جمهورها عندما تجد دعمًا مؤسسيًا وتنظيمًا واضحًا، خصوصًا إذا ارتبطت بذاكرة المدن وهويتها. ومن هنا جاء شعار الدورة الذي ربط بين ذاكرة الوطن وهوية المدينة، في إشارة مباشرة إلى طرابلس بوصفها حاضنة لهذا الإرث.
المالوف كجسر بين الشعوب والتيارات الفنية
من بين الزوايا التي كثيرًا ما تُستحضر عند الحديث عن المالوف، مساهمة فنانين من خلفيات دينية وثقافية متعددة في أدائه وتطويره داخل المغرب العربي. وفي السياق الجزائري مثلًا، يبرز اسم الشيخ ريمون، الموسيقي اليهودي الجزائري من قسنطينة، الذي عُرف كواحد من أبرز وجوه المالوف القسنطيني في القرن العشرين، كما ارتبط اسمه بسيرة المغني الفرنسي الجزائري الأصل إنريكو ماسياس بوصفه من الدائرة العائلية والفنية القريبة منه. استحضار هذا الجانب لا يعني نقل مركز الحدث خارج ليبيا، بل يوضح كيف ظل المالوف فنًا عابرًا للحدود والهويات الضيقة، يحتفظ بجاذبيته باعتباره تراثًا مشتركًا.
وهذا البعد تحديدًا قد يكون الأكثر أهمية لجمهور “فن عربي” في مصر: أن المهرجان الليبي لا يكتفي بعرض حفلات تراثية، بل يعيد التذكير بأن الموسيقى في المنطقة كانت دومًا مساحة لقاء وتبادل، وأن التراث المغاربي يمتلك روابط عميقة مع التاريخ العربي الأوسع.
لماذا يهم الخبر القارئ المصري؟
قد يبدو الخبر محليًا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يخص المجال الثقافي العربي كله. فحين تستعيد طرابلس مهرجانًا للمالوف والموشحات بهذه الصورة، فإنها تعيد طرح سؤال بالغ الأهمية: كيف يمكن للمدن العربية أن تحفظ تراثها الموسيقي من دون أن تحوّله إلى مادة متحفية جامدة؟ الإجابة التي يقدمها المهرجان واضحة نسبيًا: عبر المزج بين العروض الحية والمسابقات والندوات البحثية والانفتاح على التجارب المغاربية.
- ثقافيًا: يؤكد الحدث مكانة المالوف كأحد أهم ألوان الموسيقى التراثية في شمال أفريقيا.
- إقليميًا: يعزز الحوار الفني بين ليبيا وتونس والجزائر والمغرب.
- جماهيريًا: يربط بين الأجيال الجديدة وإرث موسيقي ظل طويلًا خارج دوائر الترويج التجاري.
- إعلاميًا: يفتح المجال أمام تغطية عربية أوسع للفنون المغاربية، التي لا تحظى دائمًا بما تستحقه من حضور في المشرق.
في النهاية، تبدو الدورة الثالثة عشرة من مهرجان طرابلس الدولي للمالوف والموشحات أكثر من مجرد مناسبة احتفالية؛ إنها إعلان ثقافي واضح بأن ليبيا ما زالت تتمسك بواحد من أعرق أشكالها الموسيقية، وتعمل على تقديمه في صيغة معاصرة تحفظ الأصل وتخاطب الحاضر. وهذا تحديدًا ما يجعل الخبر مهمًا في سياق “فن عربي”: لأنه يسلط الضوء على حدث فني من قلب المغرب العربي، لكنه يتحدث بلغة تراث عربي مشترك يمكن للقارئ في مصر أن يتفاعل معه بسهولة واهتمام.