المازيكاتي

عمرو يوسف: «السينما النظيفة» مصطلح غير دقيق

عمرو يوسف يفتح ملف تغيّر الكتابة في السينما المصرية

عاد الفنان عمرو يوسف للواجهة بتصريحات أثارت نقاشًا واسعًا داخل الوسط الفني، بعدما تحدث عن تحولات الكتابة في مصر، وعلاقة التغيّرات الاجتماعية بشكل الأفلام والمسلسلات، كما توقف عند الجدل القديم المتجدد حول مصطلح السينما النظيفة. وجاءت هذه التصريحات خلال ظهوره في بودكاست «موعد مع لميس» مع الإعلامية لميس الحديدي، في حلقة نُشرت يوم 21 سبتمبر 2026، حيث ناقش أكثر من زاوية مرتبطة بالسينما المصرية وحدود الجرأة على الشاشة.

اللافت في حديث عمرو يوسف أنه لم يتناول القضية من باب الإثارة، بل ربطها مباشرة بتحولات المجتمع نفسه، معتبرًا أن شكل الكتابة تغيّر بمرور الوقت، وأن ما يُكتب للسينما والدراما اليوم لا يمكن فصله عن اللغة اليومية، وأنماط العلاقات، وطريقة تلقّي الجمهور للأعمال الفنية. هذه النقطة أعادت طرح سؤال قديم داخل الصناعة: هل السينما تقود المجتمع أم تعكسه؟ وفي حالة تصريحات عمرو يوسف، بدا واضحًا أنه يميل إلى فكرة أن الشاشة تتأثر بما يجري في الشارع بقدر ما تؤثر فيه.

ماذا قال عن «السلم والثعبان»؟

خلال الحوار، تطرق عمرو يوسف (@amryoussef على إنستغرام) إلى فيلم «السلم والثعبان» بوصفه نموذجًا لفيلم وُصف بالجرأة، لكن من منظور الفكرة أكثر من كونه قائمًا على الصدمة. وشرح أن العمل يناقش قضية إنسانية وعاطفية في إطار سينمائي موجّه لجمهور يختار مشاهدة الفيلم داخل قاعة العرض، مع وجود تصنيف عمري يحدد الفئة المناسبة له. بحسب حديثه، فإن النقاش الحقيقي لا يتوقف عند وجود جرأة من عدمها، بل عند ما إذا كانت هذه الجرأة موظفة دراميًا داخل موضوع يستحق الطرح.

هذا الربط مهم، خصوصًا أن اسم «السلم والثعبان» يحمل ثقلًا خاصًا لدى الجمهور المصري منذ الجزء الأول الذي عُرض في مصر يوم 18 يونيو 2001. الفيلم الأصلي أخرجه طارق العريان وشارك في كتابة السيناريو والحوار محمد حفظي، بينما ضم البطولة هاني سلامة وحلا شيحة وأحمد حلمي. ويصنَّف العمل ضمن الأفلام الرومانسية الدرامية التي احتفظت بحضورها لدى الجمهور على مدار أكثر من عقدين.

كما أعاد مهرجان الجونة السينمائي تسليط الضوء على قيمة الفيلم عندما قدمه ضمن برامجه، ووصَفه بوصف قريب من مكانته لدى المشاهدين باعتباره من كلاسيكيات الرومانسية الخفيفة في مطلع الألفية، مع الإشارة إلى الأثر الذي تركته موسيقى هشام نزيه في ذاكرة الجمهور. هذا البعد يفسّر لماذا يعود اسم الفيلم كلما دار نقاش عن تحولات العلاقة بين الجرأة والوجدان الشعبي في السينما المصرية.

«السينما النظيفة».. لماذا رفض عمرو يوسف المصطلح؟

النقطة الأكثر إثارة في تصريحات عمرو يوسف كانت موقفه الواضح من عبارة «السينما النظيفة»، إذ اعتبر أن المصطلح نفسه غير دقيق من الأساس. وهو موقف ينسجم مع تيار واسع داخل الوسط الفني يرى أن وصف بعض الأعمال بالنظيفة يضع ضمنًا الأعمال الأخرى في خانة مضادة، وهو تبسيط لا يخدم تقييم الفن ولا يساعد على قراءة العمل وفق عناصره الحقيقية مثل الفكرة، والكتابة، والإخراج، وأداء الممثلين.

في السياق نفسه، أشار عمرو يوسف إلى أن النقاش أكبر من حلقة واحدة، لأن المسألة مرتبطة ببدايات الألفينات وما تلاها من تغيّرات اجتماعية وثقافية انعكست على الشاشة. وهذه الإشارة تضع المصطلح في مكانه التاريخي: ليس كمعيار نقدي ثابت، بل كجزء من سجال اجتماعي ظهر في مرحلة بعينها من تطور السينما المصرية، حين كانت الصناعة تبحث عن معادلة بين السوق، والرقابة، وتحولات الذوق العام.

من الجزء الأول إلى «لعب عيال».. الامتداد المعاصر للسلسلة

الحديث عن «السلم والثعبان» لا ينفصل أيضًا عن الجزء الأحدث «السلم والثعبان: لعب عيال»، الذي أعاد طارق العريان تقديمه بعد أكثر من عشرين عامًا بروح جديدة وشخصيات مختلفة. ووفق البيانات المنشورة عن الفيلم، يشارك في بطولته عمرو يوسف وأسماء جلال وظافر العابدين وماجد المصري وحاتم صلاح، فيما كتب السيناريو أحمد حسني مع بقاء العريان صاحب القصة والمخرج.

الجزء الجديد لم يمر بهدوء، بل أثار بالفعل نقاشات متعلقة بمستوى الجرأة وطبيعة تقديم بعض المهن داخل الأحداث. ومن أبرز المحطات في هذا الجدل ما حدث في مارس 2026، حين أصدرت مصر للطيران بيانًا عبّرت فيه عن اعتراضها على استخدام زي يشبه الزي الرسمي للعاملين بها داخل أحد المشاهد، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في ما وصفته بحماية صورتها وحقوقها المعنوية. هذه الواقعة أظهرت كيف يمكن لفيلم رومانسي اجتماعي أن يتحول إلى محور نقاش عام يتجاوز القصة نفسها إلى أسئلة التمثيل الواقعي والمسؤولية المهنية.

أزمة الكتابة في مصر.. قراءة داخل الوسط الفني

تصريحات عمرو يوسف تكتسب أهمية إضافية لأنها تمس واحدًا من أكثر الملفات حساسية في السينما المصرية: أزمة الكتابة. فعندما يتحدث ممثل في مكانته عن تغير شكل الكتابة، فهو لا يقصد فقط الحوار أو المفردات، بل يقصد أيضًا بنية الشخصيات، وإيقاع الحكاية، وطريقة بناء الصراع، وقدرة السيناريو على التعبير عن جيل يعيش تحولات متسارعة. في هذا الإطار، يصبح الجدل حول الألفاظ أو الجرأة جزءًا من صورة أوسع، عنوانها: كيف تكتب السينما المصرية واقعها الجديد؟

وبالنسبة للجمهور في مصر، فإن هذا النقاش ليس نظريًا فقط. المشاهد بات يميّز بين الجرأة التي تخدم الفكرة، والافتعال الذي يُستخدم فقط لجذب الانتباه. لذلك يبدو أن تصريحات عمرو يوسف لامست مساحة حقيقية في وجدان المتابعين، لأنها أعادت ترتيب الأسئلة بدل الاكتفاء بالإجابات الجاهزة: هل المشكلة في الجرأة نفسها؟ أم في طريقة توظيفها؟ وهل يمكن الحديث أصلًا عن سينما «نظيفة» وأخرى «غير نظيفة»، أم أن المعيار الأهم يظل جودة العمل وصدقه الفني؟

لماذا يهم هذا الجدل الآن؟

أهمية ما قاله عمرو يوسف لا تتوقف عند كونه رأيًا شخصيًا، بل لأنه يأتي في لحظة تشهد فيها السينما والدراما في مصر مراجعات واضحة على مستوى الموضوعات واللغة والأسلوب. وبين العودة إلى أعمال لها مكانة راسخة مثل «السلم والثعبان»، ومحاولات تقديم امتدادات جديدة بروح معاصرة، يبدو أن الصناعة كلها تعيد التفاوض مع جمهورها حول حدود التعبير وشكل الحكايات التي تستحق أن تُروى.

في النهاية، يمكن القول إن عمرو يوسف لم يدافع عن الجرأة بوصفها هدفًا، ولم يهاجم الحساسية المجتمعية بوصفها عائقًا، بل قدّم طرحًا أقرب إلى قلب النقاش السينمائي الحقيقي: الفن ابن زمنه، لكن قيمته النهائية لا تُقاس بالضجة وحدها، بل بقدرته على تقديم قصة صادقة ومكتوبة جيدًا. وهذا تحديدًا ما يجعل تصريحاته عن أزمة الكتابة ومصطلح «السينما النظيفة» مرشحة للبقاء في صدارة النقاش الفني خلال الفترة المقبلة.