«غيبة مي» لنجوى بركات: عزلة الشيخوخة في قلب بيروت
رواية لبنانية تضع الشيخوخة في صدارة المشهد
تستعيد الرواية العربية في السنوات الأخيرة أسئلة العمر والوحدة والذاكرة بوصفها مادة فنية لا تقل توتراً عن الحروب والتحولات السياسية. وفي هذا السياق جاءت رواية «غيبة مي» للروائية اللبنانية نجوى بركات لتلفت الانتباه إلى مصير الفرد حين يتقاطع التقدم في السن مع العزلة، وحين تصبح المدينة نفسها شاهداً على التآكل الداخلي للشخصية. العمل صدر عن دار الآداب (@daraladab على إنستغرام) في بيروت خلال عام 2025، في طبعة ورقية من 224 صفحة، وهو من أحدث إصدارات واحدة من أبرز الأصوات السردية اللبنانية المعاصرة.
أهمية الرواية لم تتوقف عند صدورها، بل تعزز حضورها عربياً بعدما ضُمّت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2026، ضمن ست روايات أُعلن عنها في 4 فبراير 2026، على أن يُعلن اسم العمل الفائز في أبوظبي يوم 9 أبريل 2026. هذا الوصول وضع «غيبة مي» في قلب النقاش النقدي حول الرواية العربية التي تنشغل بالداخل الإنساني بقدر انشغالها بالواقع العام.
ما الذي تحكيه «غيبة مي»؟
بحسب البيانات التعريفية الصادرة عن دار الآداب، تتمركز الحكاية حول الست مي، وهي امرأة تخطت الثمانين تعيش وحيدة في شقتها في الطابق التاسع. من هذه النقطة المرتفعة تراقب بيروت وتبدلاتها، بينما يقيم ابناها خارج البلاد وقد أوكلا رعايتها إلى يوسف ناطور العمارة وداود طبيب العائلة. لكن المسار لا يبقى في حدود اليومي المألوف؛ إذ يفاجئها ذات فجر صوت يناديها داخل شقة مغلقة بإحكام، لتبدأ طبقات القلق والأسئلة.
هذه الحبكة البسيطة ظاهرياً تفتح الباب على مساحة أوسع: فخاخ الذاكرة، وثقل العمر، والحنين، والالتباس بين ما يحدث فعلاً وما تستعيده النفس أو تتخيله. لذلك تبدو الرواية أقرب إلى تشريح هادئ ومؤلم لسنوات الشيخوخة، لا بوصفها مرحلة بيولوجية فقط، بل كاختبار قاسٍ للعلاقة مع الجسد والبيت والمدينة والغياب.
نجوى بركات ومسارها الأدبي
تنتمي نجوى بركات إلى جيل لبناني كتب عن التحولات الكبرى من موقع فني مركب. فهي روائية وصحفية ومخرجة، وُلدت في بيروت، وأصدرت عدداً من الأعمال التي رسخت اسمها في السرد العربي، من بينها «حياة وآلام حمد ابن سيلانة»، و«باص الأوادم»، و«يا سلام»، و«لغة السر»، ثم «مستر نون»، وصولاً إلى «غيبة مي». وتعرّفها دار الآداب أيضاً بأنها مؤسسة «محترف كيف تكتب رواية» الذي خرجت عنه عشرات التجارب الروائية الشابة.
هذا المسار يفسر جانباً من فرادة «غيبة مي». فبركات ليست كاتبة منشغلة بالحدث العابر، بل ببناء عالم سردي يلتقط التشققات الخفية في النفس البشرية. ومن يقرأ أعمالها السابقة يلاحظ حضور الأسئلة الوجودية، والاهتمام بالهوامش الإنسانية، والانجذاب إلى شخصيات تصارع هشاشتها بصمت. في الرواية الجديدة، ينتقل هذا الحس إلى شخصية امرأة مسنة تواجه العالم من نافذة الشقة ومن ارتباك الذاكرة معاً.
بيروت هنا ليست خلفية.. بل شخصية كاملة
واحدة من أبرز نقاط الجذب في «غيبة مي» أن بيروت لا تظهر فيها كديكور مكاني فقط، بل ككيان حي يجاور البطلة ويعكس تشظيها. فوجود مي في الطابق التاسع، ومراقبتها أحوال المدينة من شرفتها، يضع القارئ أمام علاقة مزدوجة: امرأة تتقدم في العمر ومدينة أنهكتها الأزمات. ومن ثم تبدو العزلة الفردية في الرواية مرتبطة بعزلة جماعية أكبر عاشها اللبنانيون خلال السنوات الأخيرة.
هذا البعد يهم القارئ في مصر أيضاً، لأن الرواية العربية حين تنجح في التقاط تفاصيل مدينة عربية مثل بيروت، فإنها تلامس أسئلة مشتركة في المنطقة: الهجرة، ابتعاد الأبناء، تفكك الروابط اليومية، وتحوّل البيت من مساحة دفء إلى مساحة انتظار. لذلك يمكن قراءة «غيبة مي» كعمل لبناني الهوية، لكنه عربي الدلالة والتأثير.
لماذا لفتت الرواية لجان الجوائز والنقاد؟
وصول «غيبة مي» إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2026 يشير إلى أن الرواية نجحت في الجمع بين الحس الإنساني والتماسك الفني. ووفق الإعلان الخاص بالقائمة، ضمّت الدورة أعمالاً من مصر والجزائر ولبنان والعراق، وعكست اهتماماً واضحاً باستكشاف العالم الداخلي للشخصيات والتحولات الاجتماعية والفكرية الراهنة. ضمن هذا الإطار تبدو رواية بركات متسقة تماماً مع مزاج سردي عربي يميل إلى الغوص في الأعماق النفسية بدلاً من الاكتفاء بالحدث الخارجي.
كما أن مادة الرواية نفسها تحمل قوة خاصة: امرأة مسنّة وحيدة ليست بطلة تقليدية في سوق النشر العربي، لكن تحويلها إلى مركز للمعنى الدرامي يمنح النص ثقله. هنا لا تأتي الإثارة من المطاردات أو الانعطافات الكبرى، بل من سؤال أبسط وأشد قسوة: ماذا يحدث للإنسان حين يبهت حضوره الاجتماعي بينما يظل وعيه مشتعلاً بالخوف والذكريات والرغبة في الإمساك بما يتسرب؟
بين الغياب والحضور: عنوان يشرح الرواية
عنوان الرواية نفسه، «غيبة مي»، يحمل شحنة تأويلية واسعة. الغيبة هنا لا تُفهم فقط على أنها اختفاء أو انقطاع، بل كحالة ذهنية ووجدانية؛ كأن الشخصية تغيب عن محيطها بينما يحضر كل ما راكمته من آثار الزمن. ولعل هذا ما يمنح النص قيمته السيميائية: الغياب لا يعني الفراغ، بل امتلاءً من نوع آخر، امتلاءً بالذاكرة والندم والأسئلة.
هذه المفارقة هي ما يجعل الرواية قابلة لقراءات متعددة: قراءة نفسية عن الشيخوخة، وقراءة اجتماعية عن وحدة الكبار حين يهاجر الأبناء، وقراءة مكانية عن بيروت بوصفها مدينة تتذكر مثلما تنسى. وفي كل هذه المستويات، تنجح بركات في دفع القارئ إلى منطقة غير مريحة، لكنها إنسانية إلى أقصى حد.
ما الذي يعنيه هذا الإصدار للمشهد الثقافي العربي؟
في زمن تتجه فيه قطاعات واسعة من النشر إلى السرعة والموضوعات الرائجة، تذكّر «غيبة مي» بأن الرواية العربية لا تزال قادرة على إنتاج أعمال تتكئ على اللغة والعمق والإنصات للتجربة البشرية. كما أن حضورها في القائمة القصيرة لـ2026 يمنحها دفعة إضافية للوصول إلى قراء جدد داخل العالم العربي، وبينهم القراء في مصر الذين يتابعون باهتمام موجة الرواية اللبنانية الحديثة.
وبعيداً عن الجوائز، يبدو أن قيمة «غيبة مي» الأساسية تكمن في جرأتها على الاقتراب من موضوع لا يُمنح كثيراً مركز البطولة في السرد العربي: الشيخوخة بوصفها اختباراً للكرامة والذاكرة والقدرة على الاستمرار. لذلك فإن الرواية لا تقدم حكاية امرأة فقط، بل تطرح سؤالاً عربياً واسعاً عن معنى البقاء حين يتغير كل شيء من حولنا.
حقائق سريعة عن الرواية
- العنوان: غيبة مي
- الكاتبة: نجوى بركات
- الناشر: دار الآداب – بيروت
- تاريخ الإصدار: 2025
- عدد الصفحات: 224 صفحة
- السعر المعلن من الناشر: 9 دولارات
- الإنجاز الأحدث: الوصول إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2026
بالنسبة لقراء «فن عربي» في مصر، تمثل «غيبة مي» أكثر من خبر عن رواية جديدة؛ إنها إشارة إلى استمرار الرواية اللبنانية في تجديد أسئلتها وأشكالها، وإلى أن القصص الأكثر هدوءاً قد تكون أحياناً الأشد إيلاماً والأبقى أثراً.