المازيكاتي

فرح الديباني تجسد داليدا في مسرحية غنائية مصرية فرنسية

فرح الديباني تعيد داليدا إلى المسرح من بوابة مصر

تستعد السوبرانو المصرية فرح الديباني لخوض واحد من أبرز مشاريعها الفنية في 2026، عبر بطولة مسرحية غنائية جديدة تستلهم سيرة الفنانة العالمية داليدا، المولودة في القاهرة باسم يولاندا جيجليوتي. المشروع أُعلن رسميًا خلال مؤتمر صحفي عُقد في القاهرة يوم 20 يوليو 2026 بمشاركة السفير الفرنسي في مصر إيريك شوفالييه، والمخرج خيري بشارة، والكاتب وليد خيري، في خطوة تعكس استمرار الحضور المصري في المشروعات الثقافية العابرة للحدود، لكن من زاوية محلية واضحة: فنانة مصرية تقود عملًا يستعيد سيرة أيقونة وُلدت على أرض مصر وظلت علاقتها الوجدانية بالقاهرة جزءًا من صورتها العالمية.

العمل يحمل عنوان «داليدا.. الأغنية التي لا تنتهي»، ويأتي بالتزامن مع مرور 40 عامًا على رحيل داليدا في عام 1987. ووفق ما أُعلن في التغطيات المصرية والفرنسية، فإن العرض الأول سيُقام في مكتبة الإسكندرية يوم 31 أكتوبر 2026، قبل انتقاله إلى القاهرة خلال نوفمبر 2026، على أن يرتبط البرنامج كذلك بعروض لاحقة خارج مصر. اختيار الإسكندرية تحديدًا يمنح المشروع بُعدًا رمزيًا إضافيًا، خصوصًا مع كون فرح الديباني نفسها من أبناء المدينة الساحلية التي ظلت تاريخيًا أحد أهم مراكز التفاعل الثقافي في مصر.

لماذا تبدو فرح الديباني الاختيار الأقرب لهذا الدور؟

على مدار السنوات الأخيرة، رسخت فرح الديباني مكانتها كواحدة من أبرز الأصوات الأوبرالية المصرية على الساحة الدولية. موقعها الرسمي وملفها لدى أوبرا باريس يعرّفانها كميزو-سوبرانو مصرية من مواليد الإسكندرية عام 1989، وقد بنت حضورًا لافتًا بين مصر وفرنسا وأوروبا. هذه الخلفية جعلت اسمها حاضرًا بقوة كلما طُرحت فكرة فنية تربط بين الإرث المصري والتعبير الغنائي العالمي.

المثير هنا أن العلاقة بين فرح الديباني وداليدا ليست مجرد تشابه في المسار الدولي أو في الانطلاق من مصر إلى فضاء أوسع، بل تمتد إلى اهتمام الديباني السابق بإعادة تقديم أصوات نسائية عربية ومتوسطية بارزة. كما أن فرح صرحت، بحسب التغطيات المنشورة هذا الأسبوع، بأن تجسيد داليدا كان حلمًا يرافقها منذ الطفولة، وأنها هي من طرحت الفكرة أساسًا على خيري بشارة قبل أن تتطور إلى مشروع مسرحي متكامل بمشاركة الكاتب وليد خيري والمنتج أحمد فوزي.

خيري بشارة ووليد خيري: قراءة إنسانية خلف الأسطورة

ما يلفت في الخطوط المعلنة للمشروع أنه لا يكتفي بإعادة إنتاج صورة داليدا كنجمة استعراض وأغانٍ شهيرة، بل يحاول الاقتراب من طبقات أكثر إنسانية في شخصيتها. خيري بشارة أشار إلى أن العمل يسعى إلى إظهار جوانب متعددة من داليدا تتجاوز صورتها المعروفة أمام الجمهور، بينما يركز نص وليد خيري على تقديم الفنانة بوصفها امرأة عاشت تحولات شخصية وفنية معقدة، لا مجرد اسم لامع في تاريخ الغناء.

هذه المقاربة تبدو مناسبة لسيرة داليدا نفسها. فبحسب موقعها الرسمي، وُلدت في القاهرة يوم 17 يناير 1933 لعائلة إيطالية مهاجرة إلى مصر، وكان والدها بياترو عازف الكمان الأول في أوبرا القاهرة. وفي عام 1954 فازت بلقب ملكة جمال مصر قبل أن تبدأ الظهور في أفلام بالقاهرة، ثم تغادر إلى باريس في 25 ديسمبر 1954 لتنطلق منها إلى نجومية عالمية. هذه الخلفية المصرية ليست هامشًا في سيرتها، بل جزء مؤسس من تكوينها الفني والوجداني، وهو ما يفسر عودة المشروع الجديد إلى هذه الجذور بوصفها قلب الحكاية لا مجرد تفصيل جانبي.

داليدا ومصر: سيرة تبدأ من القاهرة ولا تنفصل عنها

بالنسبة للجمهور المصري، لا تُقرأ سيرة داليدا باعتبارها قصة نجمة فرنسية أو إيطالية فقط، بل أيضًا كحكاية ابنة القاهرة التي خرجت من فضاء ثقافي مصري متعدد اللغات والمرجعيات. موقع داليدا الرسمي يوثق بوضوح نشأتها في مصر، كما يشير إلى أن عودتها الغنائية إلى الأغنية المصرية والعربية تجلت بقوة لاحقًا، خصوصًا مع نجاح «سالمة يا سلامة» في أواخر السبعينيات، وهي الأغنية التي أعادت وصل اسمها بالجمهور في مصر والمنطقة العربية.

من هنا تبدو المسرحية الجديدة أقرب إلى استعادة بعد مصري أصيل في حكاية داليدا، لا إلى استحضار نوستالجي عابر. وهذا ما ينسجم أيضًا مع تصنيف الخبر ضمن «فن مصري»: فالقصة هنا لا تدور حول نجمة عالمية فقط، بل حول إنتاج مصري فرنسي تقوده فنانة مصرية، ويُقدَّم لأول مرة من داخل مؤسسة ثقافية مصرية كبرى، مع تركيز واضح على الجذور المصرية للشخصية الرئيسية.

الموسم المتوسطي 2026: الإطار الدولي للمشروع

المسرحية تأتي ضمن فعاليات الموسم المتوسطي 2026، وهي مبادرة ثقافية فرنسية أُعلن عنها في 2023 بدفع من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وتُنظم بدعم من وزارتي الخارجية والثقافة في فرنسا. ووفق المعلومات المنشورة رسميًا من France Diplomatie، يمتد الموسم بين 15 مايو و31 أكتوبر 2026، ويضم أكثر من 200 فعالية في أكثر من 60 مدينة فرنسية، إلى جانب شراكات وأنشطة مرتبطة بعدد من دول المتوسط.

وجود مصر داخل هذا الإطار ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل امتداد لمكانتها التاريخية في المشهد الثقافي المتوسطي. كما أن اختيار مسرحية عن داليدا لتكون من الأعمال البارزة في هذا الموسم يمنح المشروع معنى رمزيًا واضحًا: فداليدا نفسها تمثل سيرة متوسطية مركبة، مصرية المنشأ، إيطالية الجذور، وفرنسية النجومية، بينما تجسد فرح الديباني اليوم هذا العبور نفسه بصيغة فنية معاصرة.

رؤية موسيقية جديدة وتوقيع أندريه مانوكيان

من العناصر اللافتة أيضًا في هذا المشروع مشاركة الموسيقار الفرنسي الأرمني أندريه مانوكيان في تقديم رؤية موسيقية جديدة للعمل. وجود اسم مثل مانوكيان يوحي بأن العرض لن يكتفي بإعادة أداء أغنيات داليدا كما عرفها الجمهور، بل سيحاول صياغة لغة مسرحية وموسيقية تناسب الخشبة وتخدم السرد الدرامي. هذا مهم جدًا في الأعمال التي تتناول السير الذاتية، لأن نجاحها لا يعتمد فقط على شهرة الشخصية، بل على قدرتها على تحويل الحياة الخاصة والعامة إلى تجربة مسرحية متماسكة.

ماذا ينتظر الجمهور في أكتوبر ونوفمبر 2026؟

حتى الآن، لا تزال التفاصيل الفنية الكاملة الخاصة بالديكور، قائمة الأغنيات، وأسماء باقي المشاركين على المسرح غير معلنة على نطاق واسع. لكن المؤكد أن 31 أكتوبر 2026 سيكون موعد الانطلاقة من مكتبة الإسكندرية، وهو موعد يحمل قيمة خاصة لأنه يأتي في ختام الموسم المتوسطي، ثم يتبعه تقديم العمل في القاهرة خلال نوفمبر. هذا الترتيب يضع الجمهور المصري في صدارة المتلقين الأوائل للعمل قبل توسعه خارجيًا.

وبالنسبة لقطاع المسرح الغنائي في مصر، فإن المشروع يبعث برسالة مهمة: هناك مساحة متجددة لأعمال كبيرة تجمع بين السيرة الذاتية والموسيقى والأداء التمثيلي، وتستند إلى أسماء مصرية تمتلك الحضور الدولي والخبرة الفنية. وإذا نجح العرض في تحقيق التوازن بين السرد الإنساني، واستدعاء تراث داليدا، وإبراز كاريزما فرح الديباني، فقد يصبح أحد أبرز الأحداث الفنية المصرية في النصف الثاني من عام 2026.

أبرز المعلومات المؤكدة عن المسرحية

  • اسم العمل: داليدا.. الأغنية التي لا تنتهي.
  • البطولة: فرح الديباني.
  • الإخراج: خيري بشارة.
  • السيناريو/الكتابة: وليد خيري.
  • الإنتاج: أحمد فوزي.
  • الرؤية الموسيقية: أندريه مانوكيان.
  • موعد العرض الأول: 31 أكتوبر 2026.
  • مكان العرض الأول: مكتبة الإسكندرية.
  • عروض لاحقة في مصر: القاهرة خلال نوفمبر 2026.

في المحصلة، لا تبدو مسرحية «داليدا.. الأغنية التي لا تنتهي» مجرد احتفاء بذكرى فنانة راحلة، بل محاولة مصرية جادة لاسترداد جزء من الذاكرة الفنية المرتبطة باسم بدأ من القاهرة، وعاد إليها الآن عبر صوت فرح الديباني وخبرة خيري بشارة وكتابة وليد خيري. وهذا تحديدًا ما يمنح المشروع ثقله الفني والخبري داخل المشهد المصري.