المازيكاتي

فلسطين في قلب البندقية: «المواطن أسامة» و«حوار مع البحر»

فلسطين تفرض حضورها في واحدة من أهم منصات السينما العالمية

في دورة 2026 من مهرجان البندقية السينمائي الدولي، لم يكن الحضور الفلسطيني هامشيًا أو عابرًا، بل جاء في قلب النقاش الفني والإنساني الذي يحيط بالمهرجان هذا العام. الدورة الثالثة والثمانون أُقيمت على جزيرة الليدو في فينيسيا بين 2 و12 سبتمبر 2026، بينما تُقام مراسم الجوائز الرسمية في 12 سبتمبر، وفق البرنامج المعلن من «لا بيانالي دي فينيسيا». وسط هذا الزخم، برزت أعمال فلسطينية وعربية حملت غزة والقدس والذاكرة إلى شاشة مهرجان يُعد من الأقدم والأكثر تأثيرًا في خريطة الجوائز العالمية.

وبالنسبة للقارئ المصري الذي يتابع عادة ما تصنعه المهرجانات الكبرى من اتجاهات في موسم الجوائز، فإن ما جرى في البندقية هذا العام يتجاوز مجرد مشاركة عربية رمزية؛ إذ إن فلسطين حضرت عبر أفلام تتعامل مع الحرب، والاحتلال، والحياة اليومية، والغياب، والنجاة، بلغة سينمائية متنوعة بين الوثائقي والروائي.

«المواطن أسامة».. غزة من داخل البيت والكاميرا

أحد أبرز هذه الأعمال هو فيلم «المواطن أسامة» للمخرج الفلسطيني أحمد حسونة، والذي اختاره المهرجان ضمن قسم Venice Open – Out of Competition. ووفق الصفحة الرسمية للمهرجان، الفيلم إنتاج فلسطيني-فرنسي، مدته 69 دقيقة، وبطله الرئيسي هو الصحفي الفلسطيني أسامة العشي، الذي يقدمه العمل بوصفه مصورًا سابقًا تحول إلى موثق للحرب في شمال غزة.

تكمن قوة الفيلم في أنه لا ينظر إلى الصحفي باعتباره مجرد عين تنقل المأساة، بل كإنسان يعيشها لحظة بلحظة. فبحسب الملخص المنشور من إدارة المهرجان، يتابع الفيلم أسامة العشي وهو يحاول حماية زوجته وطفله المولود حديثًا في شمال غزة المحاصر، بالتوازي مع استمراره في تصوير آثار الحرب والدمار من حوله. هذه الزاوية تجعل الفيلم أقرب إلى شهادة مزدوجة: شهادة مهنية وشهادة شخصية في آن واحد.

كما يوضح بيان المخرج على موقع المهرجان أن أحمد حسونة اقترب من القصة انطلاقًا من صداقة شخصية مع أسامة، ورغبة في إظهار الجانب غير المرئي من حياة الصحفي الفلسطيني تحت القصف والحصار: الأب الذي يبحث عن الماء والغذاء والحليب، وفي الوقت نفسه يواصل التوثيق. هذه المقاربة تفسر الاهتمام الذي حظي به الفيلم منذ الإعلان عن مشاركته، لأنها تنقل غزة من العناوين الكبرى إلى تفاصيل الحياة اليومية القاسية.

لماذا يبدو هذا الفيلم مهمًا للجمهور العربي؟

لأن «المواطن أسامة» لا يكتفي بسرد أخبار الحرب، بل يضع المشاهد أمام سؤال جوهري: كيف يمكن لمن يوثق المأساة أن ينجو منها أصلًا؟ هذه المسافة بين الكاميرا وصاحبها تكاد تختفي تمامًا هنا، وهو ما يمنح الفيلم ثقله الإنساني. وبالنسبة لمتابعي السينما في مصر والعالم العربي، فهذا النوع من الأفلام يعيد تثبيت حضور غزة داخل المهرجانات الدولية بوصفها حكاية بشرية وليست مجرد ملف سياسي.

«حوار مع البحر».. القدس والذاكرة في قسم Venice Spotlight

إلى جانب غزة، حضرت فلسطين أيضًا عبر القدس في فيلم «حوار مع البحر» للمخرج الفلسطيني مؤيد عليان، والذي يشارك في قسم Venice Spotlight. ووفق البيانات الرسمية للمهرجان، الفيلم إنتاج مشترك بين فلسطين وهولندا والسعودية وقطر، ومدته 112 دقيقة، ويضم في بطولته كامل الباشا (@kamelelbasha على إنستغرام) إلى جانب عامر حليحل وروبا بلال وهيثم العمري وبحيرة عبلاصي وماريا زريق وريبيكا إزميرالدا تلحمي.

تدور الحكاية، بحسب الملخص الرسمي، في القدس حيث يُطلب من كمال، وهو رجل فلسطيني في الستين من عمره، سداد دين كبير للضمان الاجتماعي يُفترض أنه مترتب على ابنه وائل. لكن الابن، وفق القصة، غرق في البحر الأحمر قبل عقود، وعندما يفشل الأب في العثور على سجل رسمي يثبت الوفاة، يبدأ رحلة بحث تكشف ما حدث بالفعل. الفكرة هنا لا تقف عند حدود الحبكة، بل تفتح بابًا أوسع على البيروقراطية والغياب والذاكرة الفلسطينية الثقيلة.

مؤيد عليان يوضح في بيانه أن شرارة الفيلم مستوحاة من وقائع عائلية حقيقية، بينما يعكس العمل، رغم طابعه الروائي، طبقات من الحياة الفلسطينية في القدس، بما فيها الخوف اليومي، والهدم، والإخلاء، ودوائر العنف المتكررة. لذلك يبدو الفيلم امتدادًا لسينما فلسطينية تسعى إلى تفكيك اليومي والعادي تحت الاحتلال، لا الاكتفاء بالشعارات المباشرة.

من غزة إلى البندقية.. حضور يتجاوز المسابقات

ما يلفت الانتباه في مهرجان البندقية 2026 أن القضية الفلسطينية لم تظهر فقط من خلال فيلم أو اثنين، بل بدت جزءًا من المزاج العام للدورة. وكالة Associated Press أشارت في تغطيتها الختامية إلى أن موضوع غزة كان حاضرًا بقوة في برنامج المهرجان هذا العام، سواء من خلال أفلام تتناول الحرب مباشرة أو من خلال أعمال فلسطينية وعربية تعيد تقديم التجربة الإنسانية المرتبطة بها.

كما أن إدارة المهرجان نفسها أعلنت أن الدورة الحالية تُقام في الفترة من 2 إلى 12 سبتمبر 2026، برئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية للمخرجة والممثلة الأمريكية ماجي جيلينهال. وفي الوقت نفسه، واصل المدير الفني ألبرتو باربيرا (@alberto.barbera1 على إنستغرام) الدفع ببرنامج يضم أقسامًا متنوعة أتاحت مساحة لأصوات قادمة من المنطقة، سواء في العروض الرسمية أو خارج المسابقة أو في أقسام موازية مثل Venice Spotlight وVenice Open.

وماذا عن «راجعين»؟

اسم «راجعين» ارتبط أيضًا بالحضور الفلسطيني في البندقية هذا العام، لكن بصيغة مختلفة. فقد أفادت تقارير صحفية عربية بأن فيلم «راجعين» (We Shall Return) يشارك ضمن Venice Immersive المخصصة لأعمال الواقع الافتراضي والواقع الممتد، بمشاركة الفنان البصري والمصور الفلسطيني فايز أبو رميلة. وبما أن التفاصيل الكاملة عن هذا العمل لم تظهر في نتائج المصادر الرسمية التي أمكن التحقق منها بنفس درجة الوضوح المتاحة لفيلمي «المواطن أسامة» و«حوار مع البحر»، فإن المؤكد حتى الآن هو أن الحضور الفلسطيني امتد بالفعل إلى أكثر من قسم داخل المهرجان، وليس إلى السينما التقليدية وحدها.

لماذا يهم هذا التطور المشهد السينمائي العربي؟

أهمية هذا الحضور لا ترتبط فقط بالتمثيل الرمزي، بل بكيفية دخول السينما الفلسطينية إلى منصات دولية كبرى بأعمال تمتلك لغة فنية واضحة ومحددة. من غزة المحاصرة في «المواطن أسامة»، إلى القدس المثقلة بالذاكرة في «حوار مع البحر»، نرى نموذجين مختلفين لكتابة فلسطين على الشاشة: الأول ينقل اللحظة الملتهبة من داخلها، والثاني يعود إلى أثر الفقد والبحث في الزمن الطويل.

ولعل هذا ما يمنح التغطية المصرية والعربية لهذه المشاركات قيمة إضافية؛ فالمسألة لم تعد مجرد أخبار مهرجانات، بل جزءًا من التحولات الأوسع في السينما العالمية، حيث تتقدم القصص القادمة من المنطقة عندما تنجح في الجمع بين الخصوصية المحلية والبعد الإنساني القادر على الوصول إلى جمهور واسع.

  • «المواطن أسامة»: إخراج أحمد حسونة، إنتاج فلسطين/فرنسا، 69 دقيقة، ضمن Venice Open – Out of Competition.
  • «حوار مع البحر»: إخراج مؤيد عليان، إنتاج فلسطين/هولندا/السعودية/قطر، 112 دقيقة، ضمن Venice Spotlight.
  • الدورة 83 من مهرجان البندقية: من 2 إلى 12 سبتمبر 2026، على جزيرة الليدو في فينيسيا.

في المحصلة، تكشف دورة البندقية الحالية أن فلسطين لم تعد ضيفًا استثنائيًا على المهرجانات الكبرى، بل صارت مادة مركزية في واحد من أهم مواسم السينما في العالم. وهذا، بحد ذاته، خبر فني عالمي يستحق المتابعة من القاهرة مثلما يُتابَع من فينيسيا.