فنانون في أسكتلندا يصعّدون الضغط على مهرجان إدنبرة
تصعيد جديد يضع مهرجان إدنبرة الدولي تحت المجهر
دخل مهرجان إدنبرة الدولي، أحد أبرز الأحداث الفنية في أوروبا، دائرة ضغط متجددة بعد تحرك مجموعة من الفنانين والناشطين في أسكتلندا للمطالبة بإنهاء الشراكة مع شركة الاستثمار بيلي غيفورد. وتستند الحملة إلى اعتراضات على استثمارات تقول إنها مرتبطة بشركات تتعامل مع إسرائيل، في وقت باتت فيه مواقف المؤسسات الثقافية من الحرب على غزة جزءا من النقاش العام داخل الأوساط الفنية العالمية.
الملف لا يتوقف عند حدود التمويل والرعاية، بل يمتد إلى سؤال أوسع يخص علاقة الفن بالسياسة، وحدود المسؤولية الأخلاقية للمهرجانات الكبرى عندما تختار شركاءها التجاريين. وبالنسبة لجمهور يتابع أخبار الموسيقى والمشاهير في مصر والمنطقة، فإن ما يحدث في إدنبرة يكشف كيف أصبحت مواقف الفنانين والهيئات الثقافية عاملا مؤثرا في صورة أي مهرجان دولي، مهما كان تاريخه أو ثقله.
ما الذي نعرفه عن الشراكة محل الجدل؟
المعلومات الرسمية المنشورة من بيلي غيفورد تؤكد أن الشركة دعمت مهرجان إدنبرة الدولي منذ عام 2002، كما تُظهر سجلات الرعاية لديها استمرار إدراج المهرجان ضمن الجهات الثقافية التي تتعاون معها. وفي المقابل، تشير وثائق حكومية اسكتلندية منشورة هذا العام إلى أن المهرجان واجه بالفعل انتقادات من مجموعة Art Workers for Palestine بسبب هذه الرعاية، وأن الجدل سبق أن أسهم في فقدان الشركة لرعاية مهرجانات أدبية أخرى في 2024، بينها مهرجان إدنبرة الدولي للكتاب ومهرجان ويغتاون.
هذا السياق مهم لأنه يوضح أن القضية ليست عابرة أو مرتبطة بخبر يوم واحد، بل تأتي ضمن موجة أوسع من حملات المقاطعة والضغط داخل القطاع الثقافي في بريطانيا، حيث يطالب فنانون ومنظمون بمراجعة مصادر التمويل، لا سيما عندما تكون هناك شبهات أخلاقية تتعلق بالاستثمار في قطاعات حساسة أو شركات مثيرة للجدل.
المهرجان نفسه.. ثقل فني كبير وحساسية أكبر
مهرجان إدنبرة الدولي (@edintfest على إنستغرام) ليس حدثا هامشيا في المشهد الفني البريطاني. الموقع الرسمي للمهرجان يوضح أن دورة 2026 تُقام بين 7 و30 أغسطس 2026، وتشمل 147 عرضا على مدار 24 يوما، بمشاركة فنانين من 44 دولة. كما يقود المهرجان حاليا عازفة الكمان الاسكتلندية نيكولا بينيديتي، التي تشغل منصب المديرة الفنية منذ أكتوبر 2022، وتُعد أول اسكتلندية وأول امرأة تتولى هذا المنصب منذ تأسيس المهرجان في 1947.
وتحظى بينيديتي بمكانة فنية معروفة عالميا، ليس فقط كعازفة حائزة جوائز، بل أيضا كوجه بارز في إدارة الدورة الحالية من المهرجان. لهذا، فإن أي أزمة تحيط بالمهرجان تنعكس مباشرة على صورته العامة وعلى الشخصيات المرتبطة به، حتى لو لم تكن هي موضوع الحملة نفسها.
لماذا تكتسب الأزمة صدى واسعا في الوسط الفني؟
السبب الرئيسي أن المهرجانات الكبرى لم تعد تُقاس فقط بقوة برامجها الفنية، بل أيضا بنوعية القيم التي تعكسها. ففي السنوات الأخيرة، أصبح الفنانون أكثر استعدادا لاستخدام نفوذهم الرمزي في الضغط على المؤسسات الثقافية، سواء عبر بيانات علنية أو عبر التهديد بالمقاطعة أو الانسحاب من الفعاليات.
وفي حالة إدنبرة، يزيد من حساسية الموقف أن المهرجان يقدم نفسه باعتباره مساحة عالمية للحوار بين الثقافات والفنون. الوثائق الرسمية الاسكتلندية تصف المهرجان بأنه ملتقى سنوي للشعوب من مختلف الدول، وتُظهر في الوقت نفسه أنه يعتمد على مزيج من التمويل العام والخاص. فقد حصل، بحسب وثيقة حكومية منشورة، على تمويل متعدد السنوات من كرييتف اسكتلند بقيمة 11.175 مليون جنيه إسترليني للفترة من 2024/2025 إلى 2026/2027، إضافة إلى 1.92 مليون جنيه إسترليني سنويا من مجلس مدينة إدنبرة خلال المدة نفسها.
هذا الحجم من الدعم يفسر لماذا تتحول مناقشة الرعاة إلى قضية عامة؛ فالمهرجان ليس مجرد منصة عروض، بل مؤسسة ثقافية مدعومة من المال العام وتؤثر في صورة المدينة وفي الاقتصاد الإبداعي لاسكتلندا.
ماذا عن أرقام الحضور والتأثير؟
توضح الوثائق الحكومية نفسها أن المهرجان استقبل 127 ألف زائر في 2024، ارتفاعا من 120 ألفا في 2023، مع كون 52% من الحاجزين يحضرون للمرة الأولى. هذه الأرقام تشرح لماذا يثير أي جدل متعلق بالمهرجان اهتماما واسعا: نحن هنا أمام حدث جماهيري مؤثر، وليس تجمعا نخبويا محدودا.
ومن منظور صناعة الترفيه، فإن أي اهتزاز في صورة مهرجان بهذا الحجم قد يؤثر على الفنانين المشاركين، والرعاة المستقبليين، وحتى قرارات الجمهور بشأن الحضور والإنفاق والسفر. وهذا بالضبط ما يجعل معارك التمويل الثقافي اليوم جزءا من أخبار المشاهير والموسيقى، لا مجرد ملف إداري خلف الكواليس.
نيكولا بينيديتي في الواجهة رغم أن الجدل يتجاوزها
اسم نيكولا بينيديتي يظل الأكثر بروزا في المشهد الحالي بوصفها المديرة الفنية للمهرجان، إلى جانب كونها من أشهر الوجوه الموسيقية في أسكتلندا. البرنامج الرسمي لدورة 2026 يضعها في قلب الهوية الجديدة للمهرجان، مع دورة ترفع شعار All Rise وتستضيف أكثر من 2000 فنان عبر الأوبرا والموسيقى والمسرح والرقص، إلى جانب إتاحة أكثر من 50 ألف تذكرة بسعر 30 جنيها إسترلينيا أو أقل.
لكن المفارقة هنا أن الخطاب الثقافي الذي يروج للانفتاح، وإمكانية الوصول، والحوار، يضع الإدارة أمام اختبار صعب عندما يواجهها فنانون من داخل البيئة الاسكتلندية نفسها بأسئلة حول المعايير الأخلاقية للشراكات التجارية.
كيف يُقرأ هذا الجدل من زاوية مصرية وعربية؟
بالنسبة للقارئ المصري، فإن ما يجري في إدنبرة يعكس اتجاها عالميا صار واضحا منذ اندلاع الحرب على غزة: الفنانون لم يعودوا يكتفون بمواقف رمزية عامة، بل باتوا يربطون مشاركتهم أو دعمهم للمؤسسات الثقافية بمواقف هذه المؤسسات من الرعاة والاستثمارات. وهذا يفسر لماذا أصبحت قضايا المقاطعة والتمويل الأخلاقي مادة أساسية في تغطية أخبار المهرجانات الدولية، تماما مثل أخبار العروض الأولى والنجوم على السجادة الحمراء.
كما أن الجدل يكشف نقطة مهمة لصناعة الثقافة في المنطقة العربية: السمعة باتت رأسمالا موازيا للتمويل. قد يملك أي مهرجان برنامجا قويا ونجوما كبارا، لكن ذلك لا يمنعه من التعرض لضغط جماهيري إذا شعر الفنانون أو الجمهور بوجود تناقض بين الرسالة الفنية والمصالح التجارية.
إلى أين تتجه الأمور؟
حتى الآن، لا تظهر المصادر الرسمية التي أمكن التحقق منها إعلانا من مهرجان إدنبرة الدولي عن إنهاء الشراكة مع بيلي غيفورد. لكن المؤكد أن الحملة تضع إدارة المهرجان أمام اختبار حساس في لحظة شديدة الزخم، خصوصا مع استمرار فعاليات دورة 2026 وما تحمله من حضور دولي كثيف.
النتيجة النهائية قد لا تُحسم سريعا، لكن ما يبدو واضحا هو أن موسم المهرجانات في إدنبرة هذا العام لم يعد يُقاس فقط بالعروض الموسيقية والمسرحية، بل أيضا بقدرة المؤسسات الثقافية على التعامل مع ضغوط أخلاقية متصاعدة. وفي عالم الترفيه اليوم، هذه الضغوط لم تعد هامشا على الخبر، بل أصبحت الخبر نفسه.
- المهرجان: مهرجان إدنبرة الدولي
- موعد دورة 2026: من 7 إلى 30 أغسطس 2026
- المديرة الفنية: نيكولا بينيديتي
- الشركة محل الجدل: بيلي غيفورد
- بداية الرعاية وفق سجلات الشركة: منذ 2002
- حضور 2024: 127 ألف زائر