المازيكاتي

فوز «نازا» في فينيسيا يشعل هجومًا إسرائيليًا على مخرجيه

«نازا» من منصة الجوائز إلى قلب العاصفة السياسية

تحول الفيلم الوثائقي «نازا» إلى واحد من أكثر الأعمال إثارة للجدل في الدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا السينمائي، ليس فقط بسبب موضوعه المرتبط بحرب غزة، بل أيضًا بسبب التداعيات السياسية التي أعقبت فوزه. فبعد حصول الفيلم على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في ختام المهرجان يوم 12 سبتمبر 2026، تصاعدت حملة هجومية داخل إسرائيل ضد مخرجيه، وفي مقدمتها تصريحات من وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار الذي لوّح باتخاذ إجراءات قاسية بحق صناع العمل.

العمل أخرجه يوفال أبراهام وراحيل تسور، وهما اسمان عرفهما جمهور السينما العالمية سابقًا من خلال مشاركتهما في إخراج الوثائقي «لا أرض أخرى» الفائز بأوسكار أفضل فيلم وثائقي عام 2025. ومع «نازا»، عاد الثنائي إلى مسار السينما الاستقصائية، لكن هذه المرة من داخل بنية المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها، وهو ما جعل رد الفعل الرسمي أكثر حدة من مجرد اعتراض نقدي على فيلم معروض في مهرجان دولي.

ما هو فيلم «نازا»؟

بحسب الصفحة الرسمية للفيلم على موقع لا بينالي دي فينيسيا، فإن «نازا» فيلم وثائقي مدته 80 دقيقة، أُنتج بريطانيًا من خلال The Guardian وJW Films، وعُرض ضمن المسابقة الرسمية في فينيسيا بعد إضافته إلى البرنامج يوم 24 أغسطس 2026. كما أقيم عرضه الرسمي الأول في 10 سبتمبر 2026 بقاعة Sala Grande في ليدو فينيسيا، بحضور المخرجين والوفد الرسمي للعمل.

الفيلم، كما يعرّفه المهرجان، صُوِّر ليلًا فوق أسطح مبانٍ في تل أبيب، ويكشف من خلال شهادات مصوّرة ما يصفه صانعوه بأنه آليات ممنهجة وراء قتل المدنيين الفلسطينيين في غزة. وتوضح المواد التعريفية للمهرجان أن الفيلم يعتمد على شهادات وعلى مادة بُنيت فوق تحقيقات منشورة بين عامَي 2023 و2025.

24 شهادة من داخل المؤسسة العسكرية

وفق ما نشرته وكالة أسوشيتد برس أثناء تغطية العرض العالمي الأول، يستند «نازا» إلى شهادات 24 شخصًا من داخل المنظومة العسكرية الإسرائيلية، بينهم ضباط استخبارات وجنود. وتقول هذه الشهادات إن العمليات اعتمدت على المراقبة والضربات عن بُعد واستخدام أدوات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي لتحديد أهداف محتملة، مع معرفة مسبقة في بعض الحالات بوجود عائلات داخل المنازل المستهدفة.

اللافت أن صناع الفيلم أنجزوا العمل في سرية استمرت 3 سنوات، مع إخفاء هويات المشاركين بصريًا وصوتيًا، وهو تفصيل يفسر سبب إضافة الفيلم متأخرًا إلى سباق المسابقة الرسمية، إذ أوضح منتج العمل جيمس ويلسون أن التأخير ارتبط باستكمال إجراءات إخفاء هوية المشاركين وحمايتهم.

عنوان الفيلم نفسه يحمل دلالة صادمة؛ إذ أشارت أسوشيتد برس إلى أن «نازا» يحيل إلى اختصار عسكري إسرائيلي يُستخدم للدلالة بصورة مختصرة على الخسائر البشرية المدنية، بما يشمل الرجال والنساء والأطفال. وهذه الدلالة ساهمت في رفع حساسية النقاش حول الفيلم، سواء داخل المهرجان أو بعده.

جائزة فينيسيا رفعت سقف الجدل

دخل «نازا» المسابقة الرسمية باعتباره الوثائقي الوحيد بين الأفلام المتنافسة على الأسد الذهبي. وفي النهاية، لم يحصد الجائزة الكبرى، التي ذهبت إلى الفيلم الدنماركي «Woman Unknown» للمخرجة مي الطوخي، لكنه خرج بجائزة وازنة هي جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وهي من أبرز جوائز المسابقة الرسمية.

وأفادت أسوشيتد برس أن استقبال الفيلم في عرضه الأول كان استثنائيًا، إذ حظي بتصفيق وقوف امتد لنحو 25 دقيقة، وهو رقم لفت انتباه التغطيات الثقافية الدولية. بالنسبة لمتابعي المهرجانات في المنطقة العربية، يعكس هذا الاستقبال كيف يمكن لفيلم وثائقي سياسي أن يفرض نفسه وسط زحام النجوم والعروض الكبرى عندما يطرح مادة شديدة الحساسية ومبنية على شهادات من الداخل.

هجوم رسمي على المخرجين بعد التتويج

بعد إعلان النتائج، تحولت المناقشة من قيمة الفيلم الفنية إلى معركة سياسية مفتوحة. التقارير المتقاطعة في التغطيات الدولية والعربية أشارت إلى أن ميكي زوهار، وزير الثقافة الإسرائيلي، هاجم المخرجين واتهمهما عمليًا بالإضرار بصورة إسرائيل في الخارج. وجاء ذلك في سياق موجة أوسع من الانتقادات داخل إسرائيل ضد العمل، حتى قبل أن يشاهده كثير من منتقديه كاملًا.

في المقابل، قال يوفال أبراهام خلال كلمته بعد الفوز، بحسب أسوشيتد برس، إنه ليس من السهل الوقوف على المسرح بينما يتعرض الفيلم لهجوم من سياسيين وصحفيين في بلاده، مؤكدًا أن ما يهمه وزميلته هو أن يشاهد الإسرائيليون الفيلم. هذه الإشارة تكشف أن المعركة بالنسبة إلى صناع «نازا» لا تدور فقط حول جمهور المهرجانات في أوروبا، بل حول الرأي العام داخل إسرائيل أيضًا.

ولم تتوافر، في المصادر المفتوحة التي أمكن التحقق منها، صيغة قانونية مؤكدة أو خطوة رسمية نهائية تثبت بدء إجراء فعلي لسحب الجنسية من المخرجين حتى الآن؛ لذلك يبقى الأدق صحفيًا القول إن الوزير لوّح أو توعد بإجراءات من هذا النوع، لا أنه نفذها بالفعل.

امتداد لمسار «لا أرض أخرى»

يصعب فصل «نازا» عن المسار الذي صنع شهرة يوفال أبراهام وراحيل تسور عربيًا ودوليًا. الثنائي كان من بين مخرجي «لا أرض أخرى»، إلى جانب الفلسطينيين باسل عدرا وحمدان بلال، وهو الفيلم الذي فاز بأوسكار أفضل وثائقي في 2025. نجاح ذلك العمل وضع أسماء مخرجيه في قلب نقاش عالمي حول دور السينما الوثائقية في توثيق الاحتلال والانتهاكات، وجعل أي مشروع لاحق لهم محاطًا بتوقعات مرتفعة وردود فعل أكثر استقطابًا.

في «نازا»، ينتقل الخطاب من توثيق أثر السياسات على الفلسطينيين إلى تشريح الآلية التي تنتج هذه السياسات ميدانيًا، عبر شهادات من عملوا داخل المنظومة نفسها. وهذه النقلة هي التي منحت الفيلم ثقله في فينيسيا، كما أنها تفسر سبب الغضب السياسي المصاحب له.

لماذا يهم الخبر القارئ المصري؟

بالنسبة إلى جمهور مصر والعالم العربي، لا يُقرأ خبر «نازا» كحكاية مهرجان أوروبي فقط، بل كجزء من معركة أوسع على الرواية والصورة والذاكرة. فالمهرجانات الدولية أصبحت ساحة حقيقية لتداول السرديات المرتبطة بالحرب على غزة، والأعمال الوثائقية القادمة من المنطقة أو المتصلة بها باتت أكثر حضورًا في المشهد العالمي.

كما أن أهمية الفيلم لا تتوقف عند فوزه بجائزة، بل تمتد إلى كونه مثالًا على الكيفية التي يمكن أن تتحول بها السينما إلى ملف سياسي ساخن، تتداخل فيه الثقافة مع الدبلوماسية والإعلام والضغط الداخلي. ومن هنا يبدو «نازا» عنوانًا بارزًا في تغطية فن عربي، لأنه يمسّ المنطقة مباشرة، ويتصل بسؤال أعمق عن وظيفة الصورة عندما تصطدم بالسردية الرسمية.

أبرز المعلومات عن فيلم «نازا»

  • الاسم: Naza
  • النوع: فيلم وثائقي
  • المخرجان: يوفال أبراهام وراحيل تسور
  • المدة: 80 دقيقة
  • الإنتاج: The Guardian وJW Films
  • المهرجان: الدورة 83 من مهرجان فينيسيا السينمائي
  • العرض الرسمي الأول: 10 سبتمبر 2026
  • الجائزة: جائزة لجنة التحكيم الخاصة في 12 سبتمبر 2026
  • مادة الفيلم: شهادات 24 من ضباط الاستخبارات والجنود الإسرائيليين

هكذا، لم يعد «نازا» مجرد فيلم وثائقي جديد على خريطة المهرجانات، بل صار حدثًا سياسيًا وثقافيًا متكاملًا. وبين التقدير الدولي في فينيسيا والغضب الرسمي الإسرائيلي، يثبت العمل أن السينما ما زالت قادرة على فتح الملفات الأكثر حساسية، حتى عندما تكون كلفة ذلك مرتفعة على صناعها.