فيلم «البارح العين ما نامت» يعزز حضور ركان مياسي عربياً
فيلم فلسطيني أول يواصل طريقه بين المهرجانات
يستعد فيلم «البارح العين ما نامت» للمخرج الفلسطيني ركان مياسي للظهور أمام جمهور عربي أوسع، مع تأكيد مشاركته في مهرجان الجونة السينمائي في مصر، إلى جانب حضوره ضمن فعاليات المهرجان الدولي للفيلم بمراكش. أهمية الخبر لا تتوقف عند مجرد إضافة عنوان جديد إلى برنامج المهرجانات، بل ترتبط بكون العمل هو الروائي الطويل الأول لمياسي، بعد مسار لافت في الأفلام القصيرة جعل اسمه معروفاً لدى المتابعين المهتمين بالسينما العربية المستقلة.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن وجود هذا الفيلم في الجونة يضعه مباشرة على رادار جمهور السينما في مصر، خصوصاً أن المهرجان بات خلال السنوات الأخيرة منصة أساسية لاستقبال أبرز الإنتاجات العربية والدولية ذات الطابع الفني، مع تركيز واضح على الأصوات الجديدة والقصص القادمة من المنطقة.
ماذا نعرف عن «البارح العين ما نامت»؟
بحسب البيانات المنشورة عبر مهرجان كان ومهرجان الجونة السينمائي (@elgounafilmfestival على إنستغرام)، يحمل الفيلم عنوانه الإنجليزي Yesterday the Eye Didn’t Sleep، وهو إنتاج مشترك بين بلجيكا ولبنان وفلسطين وقطر والسعودية. كما تبلغ مدة عرضه 100 دقيقة، ويُصنف كأول فيلم روائي طويل في مسيرة ركان مياسي.
تدور الأحداث في وادي البقاع على الحدود اللبنانية السورية، داخل مجتمع بدوي مشدود إلى الأعراف والثأر والتوازنات القبلية. تبدأ القصة باختفاء شابة تُدعى غمرة، فيما ينطلق قريبها ياسر للبحث عنها، قبل أن تتعقد الأمور أكثر إثر حادث يشعل نزاعاً بين عشيرتين. هنا يتقدم الفيلم إلى منطقة اجتماعية شديدة الحساسية، إذ يطرح فكرة استخدام النساء كورقة لتسوية الصراعات بين الرجال، وهي الثيمة التي تمنح العمل بعده الإنساني والسياسي معاً.
أبطال الفيلم وصنّاعه
تضم قائمة الممثلين المعلنة ريم المولى وجواهر المولى وياسر المولى. أما الإخراج والسيناريو فحملا توقيع ركان مياسي، مع مشاركة وحيد عجمي في الكتابة. ويتولى الموسيقى عبد كوبيسي وTed Regklis، بينما جاءت الصورة بتوقيع Pôl Seif والمونتاج لـ Louis De Schrijver.
من كان إلى الجونة ومراكش
التحقق من مسار الفيلم يوضح أنه لم يبدأ رحلته من الجونة أو مراكش، بل انطلق أولاً من مهرجان كان 2026، حيث عُرض ضمن قسم «نظرة ما»، وهو أحد أهم الأقسام الرسمية المخصصة للأفلام ذات الحس الفني المختلف، كما صُنّف هناك ضمن الأفلام الأولى للمخرجين. هذه المحطة منحت الفيلم دفعة نقدية وإعلامية مبكرة، قبل انتقاله إلى محطات لاحقة بينها كارلوفي فاري، وفق ما أورده مهرجان الجونة في صفحته الخاصة بالفيلم.
هذا التسلسل مهم جداً لفهم مكانة الفيلم الحالية: نحن أمام عمل خرج من منصة عالمية كبرى، ثم اتجه إلى الفضاء العربي عبر مهرجانين يتمتعان بثقل ثقافي واضح، هما الجونة ومراكش. بالنسبة لصناع السينما في المنطقة، هذا النوع من التنقل بين المهرجانات يرسخ حضور الفيلم بوصفه واحداً من العناوين العربية الجديرة بالمتابعة في موسم 2026.
ركان مياسي.. اسم صاعد في السينما الفلسطينية
ركان مياسي هو مخرج فلسطيني يقيم بين بروكسل وبيروت. قبل هذا الفيلم، صنع عدة أفلام قصيرة حصدت حضوراً دولياً، من بينها Bonbone وTomorrow Comes Love وTrumpets in the Sky. وتكشف المواد التعريفية الخاصة به في مهرجان كان وبرنامج Atlas Ateliers في مراكش أن تجربته الطويلة الجديدة امتداد لاهتمام قديم لديه بقضايا الجسد والسلطة والعادات الاجتماعية وكيفية انعكاسها على مصائر الأفراد، خصوصاً النساء.
وفي حديث منشور عبر منصة مهرجان كان، أوضح مياسي أن الفيلم يحمل بُعداً شخصياً، إذ استلهمه جزئياً من قصة جدته التي أُجبرت على الزواج في سن 14 عاماً. هذه الخلفية تمنح «البارح العين ما نامت» طاقة عاطفية إضافية، وتفسر لماذا يبدو الفيلم أقرب إلى مساءلة بنية اجتماعية كاملة، لا إلى حكاية فردية فحسب.
لماذا تهم مشاركة الفيلم جمهور مصر؟
من زاوية «الموسيقى والمشاهير»، قد لا يبدو الفيلم خبراً تقليدياً مرتبطاً بالنجمات أو السجادة الحمراء فقط، لكن حضوره في الجونة يضعه داخل المشهد نفسه الذي يتابعه الجمهور المصري بشغف كل عام: ظهورات النجوم، عروض الافتتاح، واكتشاف الأعمال التي تتحول سريعاً إلى حديث الوسط الفني والنقاد. كما أن المهرجان نفسه يقدّم عروضه في مدينة الجونة بالبحر الأحمر، عبر قاعات وتجهيزات باتت جزءاً ثابتاً من الخريطة السينمائية الإقليمية.
والأهم أن السينما الفلسطينية تحظى في مصر بمتابعة خاصة، سواء على مستوى الجمهور أو النقاد أو المهرجانات. لذلك، فإن وصول فيلم مثل «البارح العين ما نامت» إلى الجونة ثم مراكش يوسع فرص تداوله عربياً، ويفتح الباب أمام توزيع لاحق أو عروض خاصة قد تمنحه حياة أطول بعد انتهاء جولته المهرجانية.
ماذا يميز الفيلم فنياً؟
- أول فيلم طويل في مسيرة ركان مياسي، ما يمنحه قيمة خاصة داخل الوسط السينمائي.
- موضوع اجتماعي حساس يتناول النساء والعرف والثأر داخل بيئة بدوية.
- انطلاقة قوية من كان 2026 ضمن قسم «نظرة ما» الرسمي.
- إنتاج عربي-أوروبي مشترك يعكس قدرة المشروع على العبور بين أكثر من سوق ومهرجان.
- محطات عربية بارزة عبر الجونة ومراكش، بما يعزز حضوره لدى الجمهور الناطق بالعربية.
بين الفن والضجيج الجماهيري
عادة ما تصنع أفلام المهرجانات مسارين متوازيين: مساراً نقدياً يخص الصحافة والمتخصصين، ومساراً جماهيرياً يتشكل عبر السمعة والفضول والجوائز. «البارح العين ما نامت» يبدو مؤهلاً للسير في الخطين معاً، خاصة أنه يجمع بين خلفية إنسانية صادمة وحس بصري يرتبط بجغرافيا الحدود والقرى والهوامش. وإذا حصل الفيلم على استقبال قوي في عروضه العربية، فقد يتحول إلى أحد أكثر العناوين تداولاً في دوائر السينما والفن خلال الشهور المقبلة.
في النهاية، فإن مشاركة ركان مياسي في الجونة ومراكش تؤكد أن الفيلم الفلسطيني لا يزال قادراً على فرض حضوره حين يجد لغة سينمائية مختلفة وقصة تحمل صدقاً إنسانياً واضحاً. ووسط ازدحام الأخبار الفنية، يبقى «البارح العين ما نامت» واحداً من الأعمال التي تستحق المتابعة، ليس فقط لأنه يمثل خطوة جديدة في مسيرة مخرج فلسطيني واعد، بل لأنه يقدّم حكاية عربية ثقيلة بالأسئلة، وقابلة لأن تترك أثراً يتجاوز لحظة العرض الأولى.