في ذكرى ميلاده.. سر صفعة فؤاد المهندس لمحمد أبو الحسن
ذكرى ميلاد محمد أبو الحسن تعيد حكاية لا تُنسى على المسرح
تحل اليوم 19 يوليو ذكرى ميلاد الفنان المصري محمد أبو الحسن، أحد الممثلين الذين ارتبطت أسماؤهم بخفة الظل على خشبة المسرح، خصوصًا من خلال شخصية «حنفي» في المسرحية الشهيرة «سك على بناتك». ومع كل استعادة لسيرته، يعود إلى الواجهة السؤال الذي شغل جمهور المسرح لسنوات: لماذا صفع أو ضرب فؤاد المهندس محمد أبو الحسن على المسرح؟
الإجابة المرتبطة بهذه الواقعة لا تنفصل عن طبيعة فؤاد المهندس نفسه، ولا عن قواعد العمل المسرحي في جيل كان ينظر إلى الخشبة باعتبارها مسؤولية كاملة أمام الجمهور، لا مجرد مساحة للارتجال أو السخرية العابرة.
ما سبب ضرب فؤاد المهندس لمحمد أبو الحسن؟
بحسب رواية متداولة على لسان الفنانة رانيا عاطف، التي شاركت في أجواء مسرح فؤاد المهندس، فإن سبب الواقعة كان خروج محمد أبو الحسن عن النص خلال أحد عروض «سك على بناتك». وأشارت الرواية إلى أن فؤاد المهندس كان شديد الحرص على الالتزام بما كُتب، وكان يرفض أي جملة مفاجئة على المسرح قد لا تناسب طبيعة العرض أو الجمهور، خاصة أن أعماله الكوميدية كانت تجذب العائلات والأطفال أيضًا.
وتوضح هذه الرواية أن المهندس استخدم العصا الموجودة ضمن الإكسسوار المسرحي ليوقف الموقف فورًا، في تصرف فهمه كثيرون لاحقًا باعتباره رد فعل حاسمًا من نجم كبير كان يتعامل مع المسرح بانضباط صارم، لا خصومة شخصية مع زميله. لذلك ظلت الواقعة تُروى باعتبارها جزءًا من كواليس الصرامة المهنية التي عُرف بها فؤاد المهندس، أكثر من كونها خلافًا فنيًا ممتدًا.
«سك على بناتك».. المسرحية التي صنعت ذاكرة محمد أبو الحسن
رغم أن محمد أبو الحسن شارك في عدد كبير من الأعمال المسرحية والتلفزيونية، فإن حضوره الأبرز لدى قطاع واسع من الجمهور المصري بقي مرتبطًا بمسرحية «سك على بناتك» التي عُرضت عام 1980. وضم العمل أسماء لافتة، في مقدمتها فؤاد المهندس وسناء يونس وشريهان وإجلال زكي وأحمد راتب، بينما قدم محمد أبو الحسن فيها دور «حنفي»، وهو من أشهر أدواره على الإطلاق.
هذا الدور تحديدًا رسخ صورته لدى المشاهد المصري باعتباره ممثلًا يملك إيقاعًا خاصًا في الأداء الكوميدي، يعتمد على الحضور الجسدي والنبرة المرتبكة والإفيه السريع، من دون افتعال. ولهذا بقيت مشاهده في المسرحية ضمن أكثر اللقطات تداولًا حين تُعرض المسرحية على الشاشات.
من كلية الزراعة إلى خشبة المسرح
ولد محمد أبو الحسن عبدالله في القاهرة يوم 19 يوليو 1937. والمفارقة التي قد لا يعرفها كثيرون أنه لم يبدأ حياته فنانًا من الأساس، بل تخرج في كلية الزراعة عام 1960، وعمل مهندسًا زراعيًا قبل أن ينتقل لاحقًا إلى العمل في التليفزيون المصري، حيث تخصص في برامج الأطفال، وعمل كذلك في الإخراج والتمثيل.
انطلاقته المسرحية جاءت بدعم من الفنانة نجوى سالم التي قدمته في مسرحية «حاجة تلخبط» عام 1971. وبعدها شارك في عدد من المسرحيات التي رسخت حضوره بين نجوم الكوميديا، منها:
- المتزوجون
- من أجل حفنة نساء
- حاول تفهم يا ذكي
- دبابيس
- هات وخد
ومع الوقت، لم يعد مجرد ممثل أدوار ثانية، بل أصبح وجهًا مألوفًا في المسرح والتلفزيون، خصوصًا لدى الجمهور الذي تابع كوميديا الثمانينيات والتسعينيات في مصر.
أعماله في التلفزيون والسينما
إلى جانب المسرح، شارك محمد أبو الحسن في عشرات الأعمال على الشاشة الصغيرة. ومن أبرز المسلسلات التي ارتبط بها الجمهور معه «الوسية» و«المال والبنون» و«على هامش السيرة». كما ظهر لاحقًا في أعمال متفرقة خلال سنواته الأخيرة، منها «ابن النظام» و«نعم مازلت آنسة» و«حضرة الضابط أخي» و«شط إسكندرية».
أما في السينما، فقد قدم أدوارًا متعددة غلب عليها الطابع الكوميدي، وإن كان المسرح هو المساحة التي كشفت موهبته بصورة أوضح، وجعلت جمهوره يرتبط به على نحو أكبر.
أزمة صحية غيّرت مسار حياته
في عام 1986 تعرض محمد أبو الحسن لأزمة صحية كبيرة، بعدما أصيب بآلام شديدة في القلب استدعت نقله إلى المستشفى. وتطورت حالته لاحقًا إلى حد السفر إلى باريس لإجراء جراحة تغيير سبعة شرايين في القلب. وتُشير مصادر تناولت سيرته إلى أن الفنانة سهير رمزي تحملت نفقات هذه الجراحة.
هذه الأزمة الصحية تركت أثرًا واضحًا على مسيرته، إذ قلت أعماله تدريجيًا، ثم تراجع حضوره الفني مقارنة بسنوات نشاطه الأهم. ومع ذلك ظل اسمه حاضرًا في ذاكرة المشاهدين، خاصة كلما أُعيد عرض أعماله المسرحية الشهيرة.
رسالة مؤثرة: «فنان سابق ومتسول حاليًا»
من أكثر المحطات الإنسانية التي أعادت لفت الانتباه إلى محمد أبو الحسن، الرسالة التي أرسلها في ديسمبر 2009 إلى الإعلامي معتز الدمرداش، وقال فيها: «أنا الفنان محمد أبو الحسن، فنان سابق ومتسول حاليًا». وقد أثارت الرسالة تعاطفًا واسعًا وقتها، قبل أن يوضح لاحقًا أن مقصده كان التسول من أجل الفن لا المال، وأنه يفتقد العمل والوقوف أمام الجمهور أكثر من أي شيء آخر.
كشفت تلك الرسالة عن جانب شديد الحساسية في حياة كثير من الفنانين أصحاب الأدوار المميزة، الذين أحبهم الجمهور، لكنهم ابتعدوا لاحقًا عن دوائر الإنتاج، رغم امتلاكهم تاريخًا فنيًا لا يمكن تجاهله.
رحيله بعد مشوار طويل
رحل الفنان محمد أبو الحسن في 8 يونيو 2014 بعد إصابته بأزمة قلبية، عن عمر ناهز 77 عامًا. وبرحيله، فقدت الساحة الفنية واحدًا من الوجوه التي صنعت البهجة من دون ضجيج، ونجحت في ترك أثر واضح بأدوار قد تبدو صغيرة في مساحتها، لكنها كبيرة في تأثيرها ووقعها لدى الجمهور.
لماذا بقيت واقعة الصفعة حاضرة حتى اليوم؟
السبب في بقاء هذه الحكاية حيّة حتى الآن لا يعود فقط إلى غرابتها، بل لأنها تكشف عن ثقافة مسرحية كاملة كانت سائدة في زمن فؤاد المهندس؛ ثقافة تُقدّس النص، وتحترم الجمهور، وتعتبر الارتجال مسؤولية لا فوضى. وفي المقابل، فإن محمد أبو الحسن نفسه ظل جزءًا من تلك المدرسة، حتى لو ارتبط اسمه في هذه الواقعة بلحظة توتر فوق الخشبة.
في ذكرى ميلاده، لا تبدو الحكاية مجرد واقعة ضرب أو صفعة، بقدر ما تبدو مدخلًا لاستعادة سيرة فنان مصري ترك بصمة صادقة في المسرح الكوميدي، واستحق أن يبقى في الذاكرة بأدواره وروحه وخفة ظله، لا فقط بكواليس واقعة شهيرة تروى من جيل إلى جيل.