المازيكاتي

كيف قدّمت السينما صدام واشنطن وطهران على الشاشة؟

كيف عكست السينما توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران؟

منذ عقود، ظلت العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران واحدة من أكثر الملفات السياسية توترًا في الشرق الأوسط، وهو ما منح السينما مادة درامية غنية تجمع بين السياسة والتجسس والهوية والمنفى والذاكرة. وعلى الشاشة، لم يظهر هذا التوتر في شكل واحد؛ فبعض الأفلام اقترب منه عبر أحداث تاريخية مباشرة، بينما اختارت أعمال أخرى التسلل إلى الحياة اليومية للإيرانيين أو إلى صورة الإيراني في المخيلة الغربية.

وبالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه الأعمال مهمة ليس فقط لأنها ترصد صراعًا دوليًا طويلًا، بل لأنها تكشف أيضًا كيف تستطيع السينما إعادة صياغة السياسة في صورة حكايات شخصية شديدة التأثير، سواء من داخل هوليوود أو من سينما المؤلف والرسوم المتحركة والأفلام المستقلة.

من التاريخ السياسي إلى الشاشة الكبيرة

يصعب الحديث عن أفلام التوتر الأمريكي الإيراني من دون العودة إلى بعض المحطات المؤسسة في العلاقة بين البلدين. من أبرزها الانقلاب على رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق عام 1953، وهو حدث توثقه السجلات الرسمية لوزارة الخارجية الأمريكية ضمن سياق الصراع على النفوذ في إيران. وبعد ذلك بسنوات، جاءت أزمة السفارة الأمريكية في طهران بين 1979 و1981، حين احتُجز دبلوماسيون أمريكيون لمدة 444 يومًا، لتصبح هذه الواقعة واحدة من أكثر اللحظات حضورًا في الذاكرة السياسية والسينمائية على السواء.

هذه الخلفية التاريخية كانت بمثابة أرضية خصبة لأفلام كثيرة، بعضها قدّم الرواية الأمريكية للأحداث، وبعضها الآخر ركّز على المجتمع الإيراني نفسه، أو على أثر الثورة الإسلامية وما تلاها على الأفراد.

«Argo».. عندما تحولت أزمة الرهائن إلى فيلم أوسكاري

يظل Argo من أشهر الأفلام التي تناولت واحدة من أخطر لحظات التوتر بين واشنطن وطهران. الفيلم صدر عام 2012، وأخرجه وقام ببطولته بن أفليك، ويروي عملية تهريب ستة أمريكيين من طهران تحت غطاء مشروع سينمائي مزيف، في معالجة تمزج بين التشويق السياسي وأسلوب أفلام الاستخبارات. وقد فاز الفيلم بجائزة أفضل فيلم في حفل الأوسكار الخامس والثمانين، وهو ما كرّس حضوره كأحد أبرز الأعمال السياسية في العقد الماضي.

نجاح Argo لم يكن فنيًا فقط، بل أعاد تقديم أزمة الرهائن لجيل جديد من الجمهور، خاصة خارج الولايات المتحدة. لكن الفيلم أثار أيضًا نقاشًا مستمرًا حول حدود الدقة التاريخية في السينما، وهي نقطة شائعة في الأعمال التي تتناول النزاعات الدولية. ورغم ذلك، بقي عنوانه مرادفًا سينمائيًا لفترة بالغة الحساسية في العلاقات الأمريكية الإيرانية.

«Not Without My Daughter».. صورة إيران من زاوية دراما الهروب

قبل Argo بسنوات طويلة، جاء فيلم Not Without My Daughter عام 1991 ليقدم نموذجًا مختلفًا. الفيلم من بطولة سالي فيلد وألفريد مولينا، وتدور قصته حول امرأة أمريكية تجد نفسها عالقة في إيران وتحاول الفرار مع ابنتها. العمل بُني على كتاب يحمل الاسم نفسه، وأصبح من أكثر الأفلام إثارة للجدل عند تناوله صورة المجتمع الإيراني، لأنه تبنى منظورًا شديد الانحياز من وجهة نظر بطلة أمريكية تواجه واقعًا معاديًا.

أهمية هذا الفيلم لا تأتي من قيمته الفنية فقط، بل من كونه مثالًا مبكرًا على الطريقة التي صاغت بها هوليوود صورة إيران في بداية التسعينيات: فضاء مغلق، قاسٍ، ومهدِّد للمرأة الغربية. ومع مرور الوقت، أصبح الفيلم جزءًا من النقاش الأوسع حول stereotyping أو التنميط الثقافي في السينما الأمريكية.

«Persepolis».. إيران من الداخل لا من منظار الخصومة

على الجانب المقابل، قدّم فيلم الرسوم المتحركة Persepolis (2007) معالجة أكثر إنسانية وتعقيدًا. الفيلم مستند إلى السيرة المصورة لمارجان ساترابي، ويتابع طفولتها ومراهقتها في ظل الثورة الإسلامية وتداعياتها. ورغم أن العمل ليس فيلمًا عن الصدام مع الولايات المتحدة بالمعنى المباشر، فإنه يشرح من الداخل كيف تبدلت الحياة في إيران، وكيف أثرت السياسة الكبرى على مصائر الأفراد، خصوصًا النساء والشباب.

تميّز Persepolis بأنه نقل النقاش من ثنائية “أمريكا ضد إيران” إلى سؤال أعمق: ماذا يحدث للناس العاديين عندما تتحول بلادهم إلى ساحة صراع سياسي وأيديولوجي؟ ولهذا اكتسب الفيلم تقديرًا نقديًا واسعًا، واعتبره كثيرون واحدًا من أهم الأعمال التي قرّبت الجمهور العالمي من المجتمع الإيراني بعيدًا عن الصور النمطية الجاهزة.

أفلام أخرى وسّعت زاوية النظر

لم تتوقف السينما عند هذين النموذجين. فهناك أعمال أخرى لامست التوتر الأمريكي الإيراني بصورة مباشرة أو غير مباشرة، منها:

  • Rosewater (2014): فيلم أخرجه جون ستيوارت، يستند إلى قصة الصحفي الإيراني الكندي مازيار بهاري واعتقاله بعد انتخابات إيران 2009، ويقترب من ملف القمع السياسي والصورة الدولية لإيران.
  • Tehran Taboo (2017): فيلم رسوم متحركة للكبار من إخراج علي سوزنده، يتناول حياة عدة شخصيات في طهران المعاصرة، كاشفًا التناقض بين القيود الرسمية والحياة اليومية. ورغم أنه لا يضع أمريكا في قلب الحكاية، فإنه يضيء السياق الاجتماعي الذي كثيرًا ما يُستدعى في الخطاب الغربي عن إيران.

هذه الأعمال توضح أن السينما لم تتعامل مع إيران باعتبارها فقط “خصمًا سياسيًا” للولايات المتحدة، بل أيضًا مجتمعًا معقدًا مليئًا بالتناقضات والتجارب الفردية.

بين الرواية الأمريكية والصوت الإيراني

أحد أهم الفروق بين الأفلام التي تناولت هذا الملف هو زاوية السرد. فالأعمال الهوليوودية الكبرى مثل Argo تميل غالبًا إلى البناء على الحدث السياسي من منظور أمريكي، حيث يكون التوتر مع إيران خلفية للتشويق والبطولة والنجاة. في المقابل، تميل أعمال مثل Persepolis إلى تقديم المجتمع الإيراني بوصفه بطلًا بحد ذاته، بما فيه من خوف ومقاومة وحنين وتمرد.

وهنا تكمن قيمة السينما فعلًا: أنها لا تكتفي بعرض الوقائع، بل تكشف كيف ينظر كل طرف إلى نفسه وإلى الآخر. لذلك، فإن متابعة هذه الأفلام اليوم تساعد على فهم كيف تَشكّلت صورة إيران في الثقافة الشعبية العالمية، وكيف استُخدمت الشاشة لإعادة إنتاج السياسة أو لمراجعتها.

لماذا لا تزال هذه الأفلام مهمة الآن؟

رغم أن كثيرًا من هذه الأعمال يعود إلى سنوات سابقة، فإنها لا تزال حاضرة في النقاش الثقافي، لأن التوتر بين الولايات المتحدة وإيران لم يتحول إلى صفحة من الماضي. ومع كل موجة تصعيد سياسي أو أمني في المنطقة، تعود هذه الأفلام إلى التداول، سواء عبر المنصات الرقمية أو في مقالات النقد السينمائي، باعتبارها مفاتيح لفهم كيف روت السينما قصة الصراع.

وبالنسبة لجمهور “السينما والدراما” في مصر، فإن أهمية هذه الأعمال لا تتوقف عند بعدها السياسي، بل تمتد إلى أسئلة فنية أيضًا: كيف يُكتب فيلم سياسي ناجح؟ كيف تتحول أزمة دبلوماسية إلى دراما جماهيرية؟ وكيف يمكن لفيلم رسوم متحركة أو سيرة ذاتية أن يكون أكثر تأثيرًا من بيانات السياسة نفسها؟

في النهاية، تثبت السينما مرة بعد أخرى أنها ليست مجرد مرآة للأحداث، بل أداة لإعادة تفسيرها. وبين Argo وNot Without My Daughter وPersepolis وأعمال أخرى، تبدو العلاقة الأمريكية الإيرانية على الشاشة قصة مفتوحة، تتبدل زواياها بين الخوف والدعاية والنقد والذاكرة والإنسان العادي الذي يجد نفسه دائمًا في قلب العاصفة.