المازيكاتي

لاوند: كيف صار الشعر نبضًا داخليًا في لوحته

لاوند.. فنان بصري يكتب بالشكل واللون

يعود اسم الفنان البصري لاوند إلى الواجهة عبر حلقة من برنامج ثقافي تقدمه الإعلامية ليانا صالح، في إطلالة تسلط الضوء على تجربة فنية شديدة الخصوصية داخل المشهد التشكيلي الفرنكوفوني والعابر للحدود. أهمية هذه التجربة لا تتوقف عند اللوحة بوصفها منتجًا بصريًا، بل تمتد إلى شبكة العلاقات التي بناها الفنان مع الشعر والكتابة والأداء، حتى صار الحديث عن أعماله مرتبطًا دائمًا بفكرة العمل الفني المتكامل الذي يجمع الصورة بالكلمة والذاكرة بالحركة.

وبالنسبة إلى القارئ المصري المهتم بمتابعة الفن العالمي، تبدو تجربة لاوند نموذجًا لافتًا لفنان قادم من خلفية سورية كردية، لكنه اشتغل داخل فضاء أوروبي أوسع، ونسج مساره بين المعارض والكتب الفنية والحوارات مع شعراء وكتّاب من أجيال مختلفة. هذا التداخل بين الفنون يمنح أعماله بعدًا دوليًا يتجاوز الحدود الجغرافية المعتادة، ويضعه ضمن أسماء تشتغل على العلاقة المركبة بين المنفى والهوية والتجريد البصري.

من الرقة إلى فرنسا.. سيرة تكوّن مبكرة

المعطيات المتاحة عن الفنان تشير إلى أن لاوند فنان كردي سوري وُلد عام 1984 في الرقة على ضفاف الفرات، وعاش في حلب حتى سن العاشرة قبل أن تنتقل أسرته إلى فرنسا، حيث كان والده عناية عطار، وهو رسام معروف، قد استقر هناك قبلهم بفترة. وتذكر مواد تعريفية منشورة في فرنسا أن لاوند وصل وهو يحمل مئات الرسوم واللوحات، وبدأ العرض مبكرًا، ثم قدّم أول معرض فردي له في سن الخامسة عشرة.

هذه البداية المبكرة تفسر جانبًا من نضج لغته التشكيلية لاحقًا. فقد تربى داخل مرسم، واحتك سريعًا بالعالم الفني، لكنه حاول في سنوات المراهقة أن يبتعد عن تأثير الأب من أجل العثور على صوته الخاص. ومن هنا يمكن فهم تطور لوحته باعتبارها بحثًا متواصلًا عن أسلوب مستقل، لا يكرر المدرسة العائلية، بل يعيد ابتكارها من داخل تجربة شخصية شديدة الحساسية.

الشعر بوصفه «روح اللوحة»

الفكرة المحورية في تجربة لاوند، كما يبرزها حضوره الإعلامي وسيرته الفنية، هي أن الشعر ليس عنصرًا مكمّلًا للوحة، بل أحد محركاتها الداخلية. لذلك لا تبدو أعماله مجرد صور معلقة على الجدار، بل مساحات مفتوحة على الإيقاع والصمت والاختزال والتلميح؛ وهي عناصر تقترب كثيرًا من بنية القصيدة الحديثة.

هذا التصور يفسر انجذاب لاوند إلى العمل مع شعراء كبار، وفي مقدمتهم أدونيس وبرنار نويل، إلى جانب أسماء أخرى مثل أنطوان إيماز وجان-كلود شنايدر. بعض المواد التعريفية الخاصة بمعارضه في فرنسا تؤكد أنه أنجز كتبًا فنية لفنانين وشعراء، وأن أعماله نُشرت كذلك في مجلات شعرية معاصرة. هنا تتضح ملامح مشروعه: اللوحة عنده لا تشرح القصيدة، والقصيدة لا تفسر اللوحة، بل يدخل الاثنان في حوار متبادل يفتح باب التأويل.

وبهذا المعنى، حين يقال إن الشعر هو روح اللوحة عند لاوند، فالمقصود ليس الاستعارة البلاغية فقط، وإنما آلية اشتغال كاملة: فراغات محسوبة، أجساد أو ظلال في حالة عبور، مساحات لون غير مستقرة، وشعور دائم بأن العمل يحمل طبقات من المعنى لا تُستهلك من النظرة الأولى.

حوار مع أدونيس وبرنار نويل.. امتداد طبيعي للمسار

اللافت في مسيرة لاوند أن تعاونه مع شعراء من عيار أدونيس وبرنار نويل لا يبدو تفصيلًا عارضًا، بل امتدادًا منطقيًا لبحثه الفني. فأدونيس، أحد أبرز شعراء الحداثة العربية، ارتبط اسمه طويلًا بأسئلة المنفى واللغة وإعادة تخيّل العالم، وهي موضوعات تتقاطع بوضوح مع عالم لاوند البصري. كما أن الشاعر والكاتب الفرنسي برنار نويل، الذي رحل في 13 أبريل 2021، عُرف أيضًا باهتمامه العميق بالفن البصري وكتاباته النقدية حوله، ما يجعل التقاطع بين الطرفين مفهومًا من الناحية الجمالية.

وتكشف وثائق معرض فرنسي أُقيم عام 2009 أن لاوند شارك في أمسية جمعت، إلى جانب أعماله، أسماء شعرية بارزة بينها أدونيس وبرنار نويل، وهو ما يمنح الرواية المتداولة عن حواراته الفنية مع الشعراء سندًا موثقًا. كما تشير سيرته المنشورة في ملفات فنية بفرنسا إلى تعاونه مع أدونيس وبرنار نويل تحديدًا، ضمن مشروع أوسع لربط التشكيل بالشعر والكتاب الفني.

لغة بصرية تقوم على العبور والظل

قراءة الأعمال المتاحة عن لاوند توحي بأن الإنسان حاضر بقوة في مشروعه، لكن ليس بوصفه بورتريه تقليديًا أو هيئة مكتملة. كثير من اللوحات تقترب من الظل الإنساني أو الكتلة العابرة أو الجسد الذي يبدو في حالة عدم استقرار. هذه السمة تمنح العمل توترًا خاصًا، وتجعله قريبًا من خبرات المنفى والاقتلاع والبحث عن مكان مؤقت في العالم.

وفي نصوص تعريفية فرنسية عن أعماله، تظهر إشارات إلى تفضيله اللون والضوء والمناخ العام على الواقعية المباشرة. كما يرد وصف لوحته بأنها تترك مسافة واسعة بين الفراغ والموضوع، بحيث لا يهيمن السرد على التكوين، ولا تتحول الصورة إلى حكاية مغلقة. وهذا ما يفسر لماذا تبدو أعماله قادرة على مخاطبة جمهور دولي، حتى عندما تنبع من سيرة شخصية مرتبطة بسوريا والهجرة والذاكرة الكردية.

من ليل إلى فضاء أوروبي أوسع

المصادر الفنية الفرنسية تفيد بأن لاوند يعيش ويعمل في مدينة ليل، وأن أعماله عُرضت عبر غاليريهات ومؤسسات في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وبلجيكا وإنجلترا والشرق الأوسط. هذا الانتشار يؤكد أنه لا يتحرك داخل إطار محلي ضيق، بل ضمن دائرة الفن المعاصر الأوروبي المتفاعل مع أصوات قادمة من الشرق الأوسط.

كما أن المنصة الثقافية التابعة لـTV5MONDE، وهي مساحة رقمية أطلقتها الشبكة عام 2018 لتغطية الأخبار الثقافية في مجالات السينما والأدب والموسيقى والفن والرقص والعروض الحية، تبدو سياقًا ملائمًا لاستضافة فنان مثل لاوند. فالمسار الذي يمثله يجمع بين تعدد اللغات والتنقل الجغرافي وتداخل الحقول الإبداعية، وهي كلها عناصر تنسجم مع مفهوم الثقافة الفرنكوفونية العالمية الذي تتبناه المنصة.

لماذا تهم تجربة لاوند القارئ المصري؟

في مصر، حيث يتابع قطاع واسع من الجمهور الحراك الفني العالمي من زاوية علاقته بالهوية والهجرة واللغة، تكتسب تجربة لاوند جاذبية خاصة. فهي ليست فقط قصة فنان سوري نجح في بناء اسم داخل أوروبا، بل أيضًا مثال على كيف يمكن للفن التشكيلي أن يتحاور مع الشعر من دون أن يفقد استقلاله. هذه الفكرة تهم المتلقي العربي عمومًا، والمصري خصوصًا، في لحظة تشهد عودة متزايدة للاهتمام بالكتب الفنية والمعارض متعددة الوسائط.

  • أولًا: لأنها تطرح سؤال العلاقة بين الصورة والنص بطريقة حديثة.
  • ثانيًا: لأنها تقدم نموذجًا لفنان من المنطقة نجح في الحضور داخل مؤسسات أوروبية.
  • ثالثًا: لأنها تُبرز كيف تتحول تجربة المنفى من جرح شخصي إلى لغة جمالية عالمية.

خلاصة المشهد

لاوند ليس مجرد رسام يضع الشعر إلى جوار اللوحة، بل فنان بنى مساره على اقتناع عميق بأن الكلمة والصورة يمكن أن تتنفسا معًا داخل العمل الواحد. ومن الرقة إلى حلب ثم فرنسا، ومن المرسم العائلي إلى الحوارات مع أدونيس وبرنار نويل، تشكلت تجربة تضع الإنسان في قلب العاصفة، لكنها تمنحه في الوقت نفسه قدرة على البقاء عبر الفن.

لذلك، فإن استضافته في برنامج ثقافي ليست مناسبة عابرة، بل فرصة لإعادة قراءة أحد المسارات البصرية العربية-الأوروبية التي تستحق المتابعة في قسم فن عالمي: مسار يذكّرنا بأن اللوحة قد تُرى بالعين، لكنها أحيانًا تُسمع أيضًا بإيقاع الشعر الكامن فيها.