لماذا افتتح الجونة 2026 بـ«كل شيء عن كورين»؟
اختيار يعلن النبرة مبكرًا
عندما أعلن مهرجان الجونة السينمائي اختيار الفيلم الفرنسي «كل شيء عن كورين» لافتتاح دورته التاسعة، بدا القرار أكبر من مجرد تحديد عنوان العرض الأول. فالمهرجان، الذي تُقام دورته الجديدة بين 15 و23 أكتوبر 2026، قرر أن يبدأ موسمه رسميًا بعرض الفيلم في حفل الافتتاح يوم 16 أكتوبر، وهو ما يمنح الاختيار وزنًا رمزيًا وبرمجيًا في آن واحد. في السوق المصرية، حيث تتحول بداية الخريف كل عام إلى لحظة ترقّب لعناوين الجوائز والمهرجانات، يصبح فيلم الافتتاح بمثابة رسالة تعريفية بما يريد المهرجان أن يقوله عن نفسه وعن شكل الموسم السينمائي الذي يفتتحه.
الرسالة هذه المرة واضحة: رهان على اسم تمثيلي عالمي بحجم إيزابيل أوبير، وعلى مخرج يعرف كيف يوازن بين الحس الجماهيري والذائقة المهرجانية هو مارك فيتوسي، مع فيلم يدور من الداخل حول الوسط السينمائي نفسه، بما يجعله مناسبًا جدًا لجمهور الافتتاح من صناع الأفلام والنقاد ومحبي السينما.
ما الذي نعرفه رسميًا عن الفيلم؟
بحسب الإعلان الرسمي للمهرجان، يحمل الفيلم عنوان All About Corinne أو «كل شيء عن كورين»، وهو من إخراج مارك فيتوسي وبطولة إيزابيل أوبير وساندرين كيبرلان. وتدور القصة حول كورين ماكلو، وهي ممثلة تؤدي أدوارًا ثانوية لكنها تملك طموحًا يتجاوز هامش الصورة، وتعتقد أن فرصتها الكبيرة أصبحت قريبة، قبل أن يتغير مسارها بعد لقاء غير متوقع مع الممثلة الشهيرة ساندرين كيبرلان. كما أوضح المهرجان أن الفيلم من إنتاج كارولين بونمارشان، وبمشاركة فابريس ديلفيل وصوفي تيبر كمنتجين مشاركين.
هذا التفصيل مهم لأن الفيلم لا يعتمد فقط على بريق اسم بطلة كبيرة، بل على فكرة ميتا-سينمائية تتأمل صناعة النجومية، والهامش، والانتظار، والرغبة في الاعتراف. وهي موضوعات تجد صدى طبيعيًا داخل مهرجان سينمائي يسعى في دورته التاسعة إلى الجمع بين الصناعة والجمهور.
لماذا تراهن الجونة على إيزابيل أوبير؟
إيزابيل أوبير تظل واحدة من أكثر الممثلات الأوروبيات حضورًا وهيبة في دوائر المهرجانات الدولية، واختيار فيلم تتصدره في افتتاح مهرجان يُقام في مصر يمنح الدورة دفعة رمزية وإعلامية كبيرة. والأهم أن أندرو محسن، المدير الفني للمهرجان، أوضح أن أداء أوبير في الفيلم يُعد من أكثر أدائها صدقًا، خصوصًا أنها تقدم هنا شخصية ممثلة داخل الحكاية نفسها، بما يضيف طبقة من العمق والانعكاس الذاتي على الدور.
بالنسبة للقارئ المصري، فإن الرهان على أوبير مفهوم لسببين. الأول أنها اسم قادر على لفت انتباه المتابعين للسينما العالمية، حتى من خارج الدائرة النخبوية المعتادة. والثاني أن وجودها في فيلم افتتاح يمنح الدورة هوية فنية رفيعة منذ اللحظة الأولى، بدل الاكتفاء بعنوان احتفالي بلا أثر نقدي لاحق. مهرجان الجونة هنا لا يفتتح فقط بفيلم أوروبي، بل يفتتح بفيلم تقوده ممثلة ارتبط اسمها تاريخيًا بالأداء المركّب والاختيارات الجريئة.
وماذا يضيف مارك فيتوسي إلى المعادلة؟
الرهان لا يقتصر على البطلة. فالمخرج مارك فيتوسي يملك مسارًا معروفًا في السينما الفرنسية، وقد أشار الملف التعريفي للفيلم على موقع المهرجان إلى أنه اشتهر بأفلام مثل Copacabana عام 2010، وParis Follies عام 2014، وAppearances عام 2020، وTwo Tickets to Greece عام 2022. كما لفت الموقع إلى أن «كل شيء عن كورين» هو الفيلم الثامن له، وأنه يجدد تعاونه مع إيزابيل أوبير في عمل جديد.
هذا المسار يفسر جانبًا من الاختيار: فيتوسي ليس مخرجًا تجريبيًا مغلقًا، ولا صانع أفلام تجارية خفيفة فقط، بل صاحب منطقة وسط ذكية تستطيع الوصول إلى جمهور المهرجانات من دون أن تفقد الطابع السردي الجذاب. ومثل هذا التوازن مطلوب جدًا في فيلم الافتتاح، لأن هذه العروض تكون مطالبة بإرضاء أكثر من شريحة في القاعة الواحدة: الضيوف الدوليين، الصحافة، محترفي الصناعة، والجمهور المصري الذي يتابع ما إذا كان المهرجان يبدأ بما يستحق الضجة أم لا.
فيلم عن السينما لافتتاح موسم السينما
واحدة من أكثر النقاط دلالة في تبرير الاختيار جاءت من أندرو محسن، الذي قال إن المهرجان اختار عمدًا فيلمًا ترتبط حبكته مباشرة بعالم السينما، كي يجد صداه فورًا لدى الحضور في ليلة الافتتاح. وهذا تفسير ذكي؛ لأن الفيلم الذي يدور حول ممثلة تبحث عن مكانها في الصناعة ينسجم تمامًا مع طبيعة مهرجان مثل الجونة، الذي لا يكتفي بالعروض، بل يقدّم أيضًا منصة مهنية متشعبة عبر سيني جونة.
وفي المؤتمر الصحفي الخاص بالدورة التاسعة، الذي عُقد في القاهرة يوم 22 سبتمبر 2026، كشف المهرجان أن هذه الدورة تضم أكثر من 80 فيلمًا من أنحاء العالم، إلى جانب نحو 35 فعالية ضمن ملتقى سيني جونة، وتوسع في برنامج سيني جونة مسلسلات، واستقبال أكثر من 310 مشروعات لدعم الإنتاج، وأكثر من 1000 طلب لبرنامج المواهب الناشئة، تم اختيار 118 مشاركًا منها من 14 جنسية. وسط هذا الحجم من النشاط، يصبح من المنطقي أن يبدأ المهرجان بفيلم يناقش الطموح المهني والبحث عن الاعتراف من داخل الوسط الفني نفسه.
ما الذي يعنيه هذا لمصر وجمهور الخريف السينمائي؟
في مصر، يأتي مهرجان الجونة في توقيت حساس من الروزنامة الفنية: بعد ذروة حفلات الصيف ومواسم الساحل والفعاليات الترفيهية، تبدأ بوصلة التغطية الثقافية في التحول نحو الخريف السينمائي، حيث تستعيد العروض الأولى والمهرجانات والجوائز مكانها في المشهد. من هنا، يبدو اختيار «كل شيء عن كورين» أقرب إلى إعلان انتقال موسمي من صخب الحفلات إلى تركيز أكبر على الأفلام وصناعها. الربط هنا طبيعي، لأن الجونة نفسها مدينة ارتبطت صيفيًا بالحفلات والفعاليات، لكنها في أكتوبر تعيد تقديم نفسها بوصفها منصة للسينما والحوار الثقافي.
هذه النقلة هي جزء من جاذبية المهرجان محليًا: أن ينجح في تحويل وجهة معروفة بالترفيه الموسمي إلى مركز للنقاش السينمائي، وأن يستثمر هذا الزخم الجماهيري لصالح صورة مصر كوجهة تستضيف حدثًا سينمائيًا إقليميًا له امتداد دولي.
رهان على صورة الدورة التاسعة قبل الدورة العاشرة
هناك أيضًا بعد استراتيجي في الاختيار. فالدورة التاسعة ليست دورة عادية؛ إنها المحطة التي تسبق الدورة العاشرة مباشرة. وقد أشار سميح ساويرس في المؤتمر الصحفي إلى أن الوصول إلى الدورة التاسعة يمهد لبلوغ الدورة العاشرة العام المقبل، وهو ما يضع على نسخة 2026 مسؤولية تثبيت صورة المهرجان قبل لحظة الاحتفال الكبرى التالية.
لذلك فإن اختيار فيلم افتتاح يحمل نجومية عالمية، وحبكة عن الوسط السينمائي، ومخرجًا فرنسيًا صاحب خبرة، يبدو جزءًا من بناء صورة متماسكة للمهرجان: مؤسسة تريد أن تقول إنها ليست مجرد سجادة حمراء، بل مساحة ترى في السينما نفسها موضوعًا للنقاش والاحتفاء.
لماذا يبدو الرهان منطقيًا؟
- لأن إيزابيل أوبير تمنح الافتتاح ثقلًا دوليًا فوريًا.
- ولأن مارك فيتوسي يملك أسلوبًا قادرًا على الجمع بين الجاذبية والجدية.
- ولأن قصة الفيلم تدور داخل عالم التمثيل والفرص والاعتراف، وهو عالم يخص جمهور الافتتاح مباشرة.
- ولأن الدورة التاسعة تأتي قبل النسخة العاشرة، ما يجعل كل اختيار فيها محسوبًا على مستوى الصورة والهوية.
- ولأن السوق المصرية في أكتوبر تكون مستعدة نفسيًا وإعلاميًا لاستقبال موسم سينمائي جديد بعد انقضاء ذروة حفلات الصيف.
الخلاصة
اختيار «كل شيء عن كورين» ليس مجرد إعلان عنوان جذاب لليلة الافتتاح، بل قرار برمجي محسوب يعكس ما يريد مهرجان الجونة 2026 قوله عن نفسه: انفتاح على السينما العالمية، ثقة في أسماء كبيرة مثل إيزابيل أوبير، واهتمام بأفلام تتحدث عن الإنسان والطموح والمكانة من داخل الصناعة نفسها. لهذا يبدو الرهان على أوبير وفيتوسي منطقيًا، بل مناسبًا جدًا لافتتاح الموسم السينمائي في مصر، خصوصًا في دورة تريد أن تسبق العاشرة بخطوة واثقة لا استعراضية فقط.