المازيكاتي

لماذا تعود داليدا إلى واجهة الدراما المصرية من جديد؟

داليدا.. سيرة لا تغادر خيال الدراما

لا تبدو داليدا مجرد نجمة غناء عابرة في الذاكرة العربية، بل واحدة من الشخصيات التي ما زالت تفرض حضورها كلما عاد الحديث عن الأعمال المقتبسة من السير الذاتية. وفي مصر تحديدًا، تكتسب حكايتها وزنًا مضاعفًا، لأنها وُلدت في القاهرة باسم يولاندا جيجليوتي يوم 17 يناير 1933، ونشأت في شبرا داخل أسرة إيطالية الأصل، قبل أن تشق طريقها لاحقًا إلى النجومية العالمية. كما تؤكد سيرتها الرسمية أنها فازت بلقب ملكة جمال مصر عام 1954، ثم بدأت الظهور في أفلام بالقاهرة قبل السفر إلى باريس في 25 ديسمبر 1954، وهي تفاصيل تفسر لماذا تبقى حياتها مادة درامية شديدة الثراء بالنسبة لصناع الشاشة في مصر وفرنسا معًا.

الاهتمام المتجدد بشخصية داليدا عاد إلى الواجهة هذا الأسبوع مع الإعلان في القاهرة عن مشروع مسرحي غنائي جديد يحمل عنوان «داليدا.. الأغنية التي لا تنتهي». ووفق التفاصيل المعلنة، تتصدر فرح الديباني بطولة المشروع، بينما يتولى إخراجه خيري بشارة، ويشارك فيه الموسيقي الفرنسي أندريه مانوكيان. كما جرى تقديم العمل بوصفه تعاونًا ثقافيًا مصريًا فرنسيًا، على أن يُعرض في مصر وفرنسا مع مراعاة البعدين العربي والفرنسي في اختيار فريقه الفني.

فرح الديباني تقود المشروع الأحدث

اللافت أن اسم فرح الديباني لا يحضر هنا كنجمة غناء فقط، بل كصاحبة حلم قديم بتحويل سيرة داليدا إلى عرض فني كبير. وخلال المؤتمر الصحفي الخاص بالمشروع في القاهرة يوم 20 يوليو 2026، جرى التأكيد على أن العمل ينطلق من فكرة الجسر الثقافي بين البلدين، وهو أمر يبدو منطقيًا بالنظر إلى التشابه في الخلفية بين البطلة المعاصرة والشخصية التي تجسدها؛ فكلتاهما ترتبطان بهوية مصرية فرنسية في الوعي العام المرتبط بالمشروع.

وجود اسم خيري بشارة يمنح المشروع أيضًا ثقلًا سينمائيًا ودراميًا مهمًا، خصوصًا أن السيرة الذاتية لداليدا لا تعتمد فقط على الأغاني والنجومية، بل على محطات إنسانية معقدة وصراعات نفسية وعاطفية تجعلها أقرب إلى مادة درامية متعددة الطبقات، لا مجرد استعراض موسيقي. وهذا ما يفسر لماذا ظل اسم داليدا حاضرًا في أحاديث الفنانات المصريات كلما طُرح سؤال: من يمكنه أن يحمل هذه الشخصية على الشاشة؟

عبير صبري: رغبة معلنة في تجسيد داليدا

ضمن الأسماء التي عبّرت بوضوح عن هذا الحلم، تأتي عبير صبري التي قالت في حوار منشور سابقًا إن تقديم شخصية داليدا يمثل بالنسبة لها «حلم حياتي». أهمية هذا التصريح لا تتوقف عند الرغبة الشخصية، بل تعكس إدراكًا من ممثلات مصريات لطبيعة الشخصية نفسها: امرأة ذات نجومية طاغية، وحياة داخلية شديدة التعقيد، ومسار مليء بالتناقضات بين البريق العلني والهشاشة الخاصة.

ومن زاوية درامية، تبدو جاذبية الشخصية مفهومة؛ فداليدا لم تكن مطربة مشهورة فقط، لكنها أيضًا ممثلة ارتبط اسمها بالسينما المصرية في البدايات، وظهرت في أعمال مبكرة مثل «سيجارة وكأس»، ثم عادت لاحقًا إلى السينما المصرية في فيلم «اليوم السادس» عام 1986. هذا الامتداد بين الغناء والسينما يمنح أي معالجة درامية لسيرتها مساحة واسعة للانتقال بين القاهرة وباريس، وبين الكواليس الفنية والحياة الشخصية.

نجمات أخريات سبق أن اقتربن من الحلم

عبير صبري ليست وحدها في هذا المسار. فخلال السنوات الماضية، ظهرت أيضًا تصريحات من الفنانة بشرى حول رغبتها في تقديم سيرة داليدا، مؤكدة أن المشروع راودها لسنوات، لا سيما بسبب ارتباط النجمة الراحلة بمصر وحي شبرا تحديدًا. وهذا يكشف أن المنافسة على الاقتراب من الشخصية ليست مرتبطة بالشبه الخارجي وحده، بل بقدرة الممثلة على حمل خلفية تاريخية وثقافية تعكس زمن داليدا وتحولاتها.

ومن هنا، فإن كل حديث جديد عن تجسيد داليدا يعيد طرح الأسئلة نفسها داخل قطاع السينما والدراما: هل الأنسب تقديم سيرتها في فيلم سينمائي؟ أم مسلسل طويل؟ أم عرض مسرحي غنائي يجمع التمثيل بالموسيقى والاستعراض؟ المؤشرات الحالية تقول إن المشروع الذي تقوده فرح الديباني اختار صيغة المسرح الغنائي، بينما تظل الشاشة الكبيرة أو المنصات خيارًا مفتوحًا مستقبلًا إذا نضجت معالجات أخرى.

لماذا تظل داليدا مادة مثالية للدراما؟

هناك عدة أسباب تجعل اسم داليدا يعود باستمرار إلى قوائم الشخصيات القابلة للمعالجة الدرامية:

  • الجذور المصرية: ولدت في القاهرة ونشأت في شبرا، ما يمنح قصتها صلة مباشرة بالوجدان المصري.
  • البعد العالمي: تحولت من فتاة بدأت خطواتها الأولى في مصر إلى نجمة ذات حضور واسع في فرنسا وأوروبا.
  • التعدد الفني: جمعت بين الغناء والتمثيل، وهو ما يوسّع أدوات السرد الدرامي.
  • الثراء الإنساني: حياتها الشخصية حفلت بمحطات مؤثرة تجعلها قابلة لقراءات نفسية ودرامية متعددة.
  • الحنين الجماهيري: لا تزال أغانيها وصورتها تحتفظان بجاذبية تتجاوز جيلها الأصلي.

هذه العناصر تفسر أيضًا لماذا سبق أن قُدمت سيرتها في فيلم فرنسي بعنوان «Dalida» عُرض عام 2016، في محاولة لاستعادة مسارها الفني والإنساني. لكن من الواضح أن الرغبة المصرية في الاقتراب من الحكاية لم تتراجع، بل ربما ازدادت مع تنامي الاهتمام بالأعمال المستلهمة من الشخصيات الحقيقية.

بين الشاشة والمسرح.. أي طريق أنسب لسيرة داليدا؟

السؤال الأهم الآن ليس فقط من تجسد داليدا، بل كيف تُروى قصتها بشكل معاصر ومقنع لجمهور اليوم. فنجاح أي مشروع عن سيرتها سيتوقف على القدرة على الموازنة بين الحقيقة التاريخية والحس الدرامي، وبين مصر التي صنعت البدايات وفرنسا التي شهدت الانفجار الأكبر لنجوميتها. كما أن طبيعة المشروع الجديد توحي بأن الموسيقى ستكون عنصرًا أساسيًا، لا مجرد خلفية، وهو ما قد يمنح العمل خصوصية تختلف عن قوالب السيرة الذاتية التقليدية.

في النهاية، يبدو أن اسم داليدا سيظل حاضرًا بقوة كلما بحثت الدراما المصرية عن شخصية تجمع النجومية والهوية والتراجيديا. ومع انتقال الحلم من التصريحات الفردية إلى مشروع معلن تقوده فرح الديباني ويخرجه خيري بشارة، يدخل هذا الشغف مرحلة أكثر جدية. أما عبير صبري وباقي النجمات اللاتي أبدين رغبتهن في تجسيدها، فقد أسهمن بدورهن في إبقاء الشخصية حيّة داخل خيال الدراما، بانتظار النسخة التي تنجح أخيرًا في تقديم داليدا كما يليق باسمها وتاريخها.