لماذا يستحق أسبوع «التجريبي» الأخير متابعة الجمهور المصري؟
من القاهرة إلى العالم: لماذا تبدو متابعة الأسبوع الأخير من «التجريبي» 2026 ضرورة لا رفاهية؟
حين يعود مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الثالثة والثلاثين بين 1 و8 سبتمبر 2026، فهو لا يقدّم مجرد جدول عروض مزدحم، بل يضع القاهرة مرة أخرى داخل خريطة المسرح العالمي الحي. هذا العام يتوزع البرنامج على مسارح عدة في العاصمة، مع عروض من أوروبا وآسيا وأفريقيا والعالم العربي، في صيغة تجعل المشاهد المصري أمام فرصة نادرة لرؤية مدارس أداء مختلفة من دون مغادرة المدينة. والأهم أن الأسبوع الأخير من المهرجان يضم أعمالًا لافتة من بينها «A Night’s Game» من المملكة المتحدة و«TRÍPTICO» من إسبانيا، وهما عرضان يبرران وحدهما متابعة البرنامج حتى نهايته.
المهرجان تنظمه وزارة الثقافة المصرية، وقد أكدت المواد التعريفية الرسمية والمواد الصحفية المرتبطة بالدورة الحالية أن فعاليات 2026 تُقام في القاهرة من 1 إلى 8 سبتمبر، برئاسة الدكتور سامح مهران، مع برنامج يجمع العروض والورش والندوات والفعاليات الفكرية. كما خصصت الدورة برنامجًا بعنوان «من القاهرة إلى المسرح العالمي» لإبراز تجارب المخرج المصري في الخارج، وهو عنوان يلخص بدقة الروح العامة لهذه الدورة: القاهرة ليست مجرد محطة استقبال، بل نقطة تصدير أيضًا للحوار المسرحي المعاصر.
ما الذي يجعل هذه الدورة ذات طابع عالمي واضح؟
السبب الأول هو تنوع الخريطة الدولية. فبحسب البرنامج المنشور للدورة، تستضيف القاهرة عروضًا من إسبانيا والمملكة المتحدة وألمانيا وروسيا وبلاروسيا وتونس والأردن، إلى جانب إنتاجات مصرية ومشتركة. هذا الاتساع يمنح الجمهور المصري فرصة لمقارنة مناهج مختلفة في الأداء والسينوغرافيا وبناء الصورة المسرحية، من الرقص المعاصر إلى مسرح الدمى، ومن العروض النصية إلى التجارب التي تعتمد على الجسد والإيقاع والفضاء.
السبب الثاني هو التمركز القاهري للعروض. فالعروض لا تُحاصر داخل قاعة واحدة، بل تنتشر بين مسرح متروبول في العتبة، والهناجر في ساحة الأوبرا، ومسرح السلام ومسرح الجمهورية ومسرح ميامي والمسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية (@cairooperahouse على إنستغرام)، إضافة إلى مسرح السامر في الجيزة. هذا الانتشار يجعل المهرجان أقرب إلى خريطة مشاهدة ثقافية داخل القاهرة نفسها، لا حدثًا مغلقًا على جمهور متخصص فقط.
«A Night’s Game»: لماذا يهم الجمهور المصري؟
العرض البريطاني «A Night’s Game» يقدمه Alleyne Dance، وهو عمل من تصميم وأداء الشقيقتين كريستينا ألين وسادي ألين، المؤسستين للفرقة البريطانية. ووفق الصفحة الرسمية للعرض، يستند العمل إلى أحداث حقيقية، ويعالج في قالب راقص ومجرد التوتر النفسي الذي يرافق فكرة السجن وفقدان الحرية. هنا نحن أمام تجربة لا تعتمد على الحكاية التقليدية، بل على الجسد باعتباره أداة توتر ومقاومة وتأويل.
هذه النقطة بالذات هي ما تجعل العرض مهمًا للجمهور المصري: القضية إنسانية ومباشرة، لكن التعبير عنها غير مباشر. فمن يشاهد «A Night’s Game» لا يذهب لمتابعة حبكة، بل لاختبار شعوري وفكري في آن واحد، وهو جوهر المسرح التجريبي أصلًا. كما أن وجود العرض داخل القاهرة يفتح نافذة على أحد مسارات الرقص المعاصر البريطاني الذي راكم حضوره دوليًا خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا عبر لغة جسدية شديدة الانضباط وذات طاقة عالية.
وبحسب برنامج المهرجان، عُرض «A Night’s Game» يومي 2 و3 سبتمبر الساعة 10 مساءً على مسرح السامر في الجيزة، وهو توقيت مسائي يناسب جمهور القاهرة المعتاد على الفعاليات الثقافية الليلية في نهاية الصيف. صحيح أن أولوية الموقع التحريرية الحالية هي «حفلات الصيف»، لكن في حالة «التجريبي» تبدو الصلة طبيعية: نحن أمام أسبوع ثقافي ليلي في القاهرة خلال مطلع سبتمبر، يقدّم بديلًا نوعيًا لمن يريد أن يوازن بين السهرات الفنية الموسيقية والفرجة الأدائية الحية.
«TRÍPTICO»: مسرح دمى للكبار لا يشبه الصورة التقليدية
أما العرض الإسباني «TRÍPTICO: Clásicos Españoles»، فيمثّل مفاجأة مختلفة تمامًا. فبحسب التغطية الخاصة بالحضور الإسباني في الدورة الحالية، تقدمه فرقة Teatro Los Claveles بوصفه مشروع مسرح دمى للكبار، أنشأه الفنانان Paca García وAniceto Roca. العرض يعيد قراءة ثلاث محطات من الأدب الإسباني الكلاسيكي: «Romance del Enamorado y la Muerte»، ومشهد الطواحين من «Don Quixote de la Mancha»، ومشهد من «Don Juan Tenorio».
أهمية «TRÍPTICO» للجمهور المصري تأتي من كونه يكسر تصورًا شائعًا بأن مسرح الدمى موجّه للأطفال فقط. هنا الدمى تُستخدم كوسيط بصري وشاعري لإعادة إحياء نصوص مؤسسة في الثقافة الإسبانية، ومن دون الاعتماد على التكنولوجيا المبهرة أو الزخرفة الثقيلة؛ بل على البساطة، وحضور اليد، وتكثيف الفكرة. هذه المقاربة تمنح المشاهد المصري تجربة مشاهدة أقل صخبًا وأكثر تركيزًا على الخيال والرمز، وهي قيمة أساسية لأي مهرجان يرفع شعار «التجريب».
ووفق برنامج المهرجان، قُدّم «TRÍPTICO» يومي 2 و3 سبتمبر الساعة 6 مساءً على مسرح متروبول في العتبة بوسط القاهرة، بما يضعه في متناول جمهور وسط البلد ورواد المسارح التاريخية تحديدًا. كما أن توقيته المبكر نسبيًا يمنح المشاهد فرصة للجمع بينه وبين عرض آخر في الليلة نفسها، وهو واحد من أفضل ما في برمجة المهرجان هذا العام.
قيمة المشاهدة هنا ليست في الأسماء فقط
إذا كان «A Night’s Game» يقدم الحساسية البريطانية المعاصرة عبر الرقص، و«TRÍPTICO» يستحضر التراث الإسباني عبر الدمى، فإن القيمة الحقيقية لبرنامج الأسبوع الأخير تكمن في المقارنة بين أشكال المسرح نفسها. خلال أيام قليلة، يمكن للمشاهد المصري أن ينتقل من عرض يعتمد على الجسد الصافي إلى عرض يقوم على الأدب الكلاسيكي والعرائس، ثم إلى أعمال أخرى من مصر وأوروبا والعالم العربي. هذه الكثافة تجعل المهرجان أشبه بمعمل مشاهدة مفتوح.
المهرجان لا يخاطب المتخصصين وحدهم أيضًا. فالتغطيات الرسمية أشارت إلى استمرار الندوات والورش خلال الدورة، وإلى برنامج معرفي موازٍ يناقش تحولات التلقي والبرادايم المسرحي، ما يعني أن التجربة لا تتوقف عند شراء تذكرة ومشاهدة عرض، بل تمتد إلى فهم أوسع لكيفية تغيّر المسرح عالميًا. ومن هذه الزاوية، يصبح حضور الجمهور المصري مهمًا بقدر أهمية حضور الضيوف الدوليين أنفسهم.
كيف يقرأ الجمهور المصري هذا الأسبوع الأخير؟
- كفرصة نادرة للمشاهدة المقارنة: عرض بريطاني راقص مقابل عرض إسباني للدمى للكبار داخل المدينة نفسها.
- كحدث ثقافي عالمي في القاهرة: لا يحتاج إلى سفر أو مواسم أوروبية لمتابعة أسماء وتجارب دولية.
- كامتداد طبيعي لموسم سبتمبر الثقافي: خصوصًا لمن يبحثون عن بدائل «حفلات الصيف» في ليالٍ قاهرية ما زالت نشطة فنيًا.
- كنافذة على علاقة مصر بالعالم: فالدورة الحالية تؤكد أن القاهرة ما زالت قادرة على جمع هذا التنوع في أسبوع واحد.
الخلاصة
في دورته الثالثة والثلاثين، يثبت مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 2026 أن القاهرة لا تكتفي باستضافة العروض العالمية، بل تعيد ترتيبها داخل سياق محلي يجعلها قريبة من المتفرج المصري. وبين «A Night’s Game» بما يحمله من توتر إنساني عبر الرقص، و«TRÍPTICO» بما يقدمه من استعادة ذكية للكلاسيكيات الإسبانية عبر الدمى، يصبح الأسبوع الأخير من المهرجان موعدًا يستحق المتابعة فعلًا. ليس فقط لأن العروض «أجنبية»، بل لأنها تضع الجمهور المصري أمام سؤال الفن الحي: كيف يمكن لمدينة مثل القاهرة أن ترى العالم من على خشبتها؟